عرفت الحضارة العربية والإسلامية امتداداتٍ كبرى منذ الفتوحات الأولى، واتسعت رقعتها مادَّة قيمها الثقافية والحضارية في بقاع عديدة من العالم، واستمرت -أحياناً عديدة- في إثراء المكونات الثقافية المحلية، مع الانفتاح الهائل على الثقافة واللغة العربية الرسميتين في معظم بقاع الدولة الإسلامية. وقد كان حوض البحر الأبيض المتوسط الذي سمّي في فترة من الفترات بحر الروم، مجالاً مفضلاً لهذا الامتداد والتوسع لأسباب عدة أهمها: مواجهة أخطار الدول القوية المنافسة وعلى رأسها الإمبراطورية الرومانية الشرقية، والرغبة في نشر الإسلام عبر بحر شديد الأهمية، وفتح مناطق كانت مواضع استراتيجية للتجارة والملاحة البحرية.

وكان من بين هذه الجزر الرئيسة التي تم فتحها من طرف المسلمين واستمروا فيها لمدة ليست بالقصيرة جزيرة صقلية، التي عاشت مع دخول الإسلام موجة من الإشعاع الحضاري واللغوي والامتداد الإسلامي، أثرت فيها وفي تاريخها وديمغرافيتها إلى الأبد. غير أن كثيراً من هذا الثراء تمَّ طمْسه وأُبْعِد من دائرة الضوء مع سقوط صقلية في يد النورمانديين وخروجها من سلطة العرب المسلمين. وهو ما يطرح الكثير من الأسئلة حول دواعي مثل هذا الأفول المعنوي في التداولات العربية والإسلامية، والتجاهل الذي عرفته آداب الجزيرة وتاريخها مقارنة مع الأندلس التي ظلت حيَّة في الأذهان والتاريخ والأدب واستُرجعت ذكراها في إبداعات الكتاب والشعراء. أمَّا صقلية فقلّما تُدوُوِلت في النصوص الإبداعية، أو اشتغل عليها غير المتخصصين. فهل كانت صقلية أقل شأناً من أن تذكر أم أنَّ فقدان الأندلس بحجمها وقرون الاستقرار الإسلامي بها وموقعها الاستراتيجي غطَّى على فقْدٍ أصْغر منها حجمًا وأقلَّ شأنًا في نظر البعض؟
الفراديس العربية المفقودة بين الأندلس وصقلية:
إنّ إجراء مقارنة بسيطة بين الأندلس وصقلية من حيث التاريخ والجغرافيا يشير إلى اختلاف واضح بين البلدين، وخطورة الفقد وانهيار الدولة الإسلامية وتواري الحضارة العربية التي ارتبطت بكل واحدة منهما؛ فبينما شغلت الأندلس الإسلامية مساحة قاربت على سبعمائة ألف كيلو متر مربع في أوجها، بينما انحصر في مملكة غرناطة التي ناهزت 28 ألف كيلو متر مربع، وهي مساحة تزيد على مملكة صقلية الإسلامية في أقصى امتدادها، كما أن الحضارة الإسلامية تنفسّت هناك لما يقارب ثمانية قرون، بينما انحصرت أنفاسها في أكبر جزيرة بالمتوسط أقل من ذلك بكثير في ما يقارب قرنين ونصف من الزمان المضطرب بين الفتح والسقوط... وبرغم هذه التفاوتات البارزة بين البقعتين، يبقى ذلك غير قابل لتبرير اضمحلال الأثر الإسلامي في أرض عشَّش فيها لأجيال عديدة، ووجدت فيها اللغة العربية مرتعاً خصباً للتفكير والكتابة والإبداع والتوغل في السياسة والإدارة والتنظيم حتى بعد السيطرة التامة للنورمانديين عليها استيلاءً كاملاً.
كما أن تأخر الأندلس الإسلامية في السقوط، أخفى معالم الأسى والحزن على سقوط صقلية لما بقي من العزاء في استمرار الحكم الإسلامي بالأندلس لأربعة قرون إضافية... وربما هذا ما جعل الجزيرة الأولى فقدًا تحظى بالنصيب الأدنى من الألم والتفجُّع، وبالدرجة الأقل في الذاكرة العربية الممتدة والعصيَّة على النّسيان، هذا إضافة إلى اعتبارات أخرى كالتبعية لدول الشمال الإفريقي الغربية كالأغالبة والفاطميين والكلبيين.
وكيفما كان سبب هذا النسيان القاسي، والاستحضار الباهت في الثقافة العربية المعاصرة، فإنّ عودة إلى هذا الفردوس العربيّ المنسيِّ بعد الفقد، يمثل في حد ذاته محاولة لإماطة اللثام عن جانب هام للحضارة العربية الإسلامية وغير قابل للاختزال أو القفز عليه قفزًا باتِرًا لجزء أصيل في التراث العربي الإسلامي بالبحر الأبيض المتوسط، ولتفاعلات العربي المسلم مع النورمان والمسيحيين في بيئة لم تسمح بالسيادة التامة ولا انمحاء العناصر المحلِّية أم العناصر العربية والإسلامية الوافدة التي بقيت رغم سيطرتها لقرنين ونصف لا تمثل سوى نصف الساكنة، وهو ما يفتح باب الإبداع العربي الإسلامي الخاصّ بما يُجسِّده من تفاعل دينامي تحركه دوافع جغرافية وتاريخية وديموغرافية فريدة جدًّا تجمَّعت فيها مظاهر النبوغ وفهم الآخر والتشبع بمنجزاته في خدمة ملاذ عربي إسلامي في جزيرة قريبة من تيارات دينية وسياسية وعسكرية شديدة الاختلاف والتناقض.

العمارة بصقلية وصمود الفن الإسلامي:
خلفت الحقبة الإسلامية بصقلية الكثير من المعالم التاريخية التي اندثر بعضها وطال البعض الآخر تحولات وظيفية كالقصور والحصون، ودينية كالمساجد التي أشار ابن حوقل إلى أن عددها ناهز نيفاً وثلاثمائة مسجد، وقف على كثرتها عِياناً في زيارته للجزيرة وهو ما عبَّر عنه في كتابه "صورة الأرض"، بقوله: "وأنا مُحقِّقه بصقلية لأنّي شاهدتُ أكثره". الأمر الذي يذكره المؤرخون وتشهد به الآثار المتبقية دالة على اتساع مدى الفن العربي في هذه الجزيرة وانتشاره، بل وتأثيره في عمارة المدن وتخطيطها، وتهيئة الشوارع والأرصفة وتسمية بعض الفضاءات إلى حدّ الآن، والمطلع على كتاب "الفن العربي في إسبانيا وصقلية" للمستشرق الألماني "فون شاك" يقف عند نماذج عديدة لها مثل: قصر المنصورية وقصر العزيز وقصر الأغالبة إضافةً إلى ثلة من المساجد بالجزيرة والجزر الملحقة بها والتي خضعت للسلطة الإسلامية كمالطا وجوزو.
اللغة العربية والأثر الحضاري:
لم تختف العربية مباشرة بعد سقوط صقلية في يد النورمانديين ونهاية الحكم العربي والإسلامي بها وبالجزر حولها؛ بل ظل للعربية حضورها عقوداً بعد ذلك، وآثر السادة الجدد للجزيرة الاحتفاظ من العربية وثقافتها بقدر يضمن الاستفادة من الحضارة العربية في تسيير شؤون الجزيرة، وتنمية قدراتها الإشعاعية في التجارة والفلاحة والمعمار وغيرها، فبقيت العربية مجاورة للنورمانديّة ردحاً من الزمن في الدواوين الرسمية والاستعمالية اليومية، والتداولات الحرفية... قبل أن تختفي تدريجياً عن الأنظار بشكلها المباشر لتبقى حاضرة بصيغها غير المباشرة مؤثرة في لغة أهل الجزيرة تاركة بصمتها فيهم خاصة سكان جزيرة مالطة وفي اللغة المالطية التي يكاد يجمع الدارسون على أنها وليدة مزيج لغوي تطغى عليه العربية في استعمالاتها اللهجية والعامية قديماً، وكذلك اللهجات الصقلية التي تشكل المفردات والعربية جزءاً مهماً من معجمها المتداول إلى الآن.

امتدادات العربية في إبداعات سكان الجزيرة:
لم ينس العرب أينما حلوا وارتحلوا فنهم اللغوي وإبداعاتهم الشعرية التي صاحبتهم في كل الأمكنة التي هاجروا إليها أو فتحوها كنوع من الامتداد الثقافي للجذور في الشعر والمقالة، فأنتجوا في مختلف الظروف، وتركت للتاريخ هذه النزعة الإبداعية أشعاراً عديدة، ومواهب شعرية عاشت في الجزيرة وعبرت عنها وعن خصوصياتها التاريخية والجغرافية، ونقلت أثناء سقوطها إبداعاتها إلى الملاذ الإسلامية المتبقية كالأندلس وغيرها، ولهذا كانت لهم وقفات شعرية في أغراض شتّى شكلت امتداداً للمركزين الشرق والأندلس معاً، ومن ذلك نصوص عديدة أشار إليها شوقي ضيف وإحسان عباس في كتابيهما عن أدب الجزيرة انتخاباً ونقلاً عن كتابات مؤرخين وجُمَّاع للأدب والشعر، كما هو الأمر مثلا في "خريدة القصر وجريدة العصر" للعماد الأصفهاني، ومختارات ابن القطاع اللغوي، وكتاب الإحاطة لابن الخطيب.
***
إنّ الأثر الذي خلفه قرنان ونصف من الحكم العربي الإسلامي بصقلية، رغم محاولات الطمس والتجاهل، كان أقوى من أن يختفي تماماً أو تغيب انعكاساته عن الحضارة العربية والإسلامية في الأندلس وغيرها، وعن الإسهام في تلوين المكونات الثقافية لصقلية نفسها بصبغة عربية استمرت في اللغة والمعمار والفنّ، وهو ما يجعل إعادة الاشتغال على الأدب والفن العربي والإسلامي بصقلية والجزر المجاورة لها أمرًا مُلِحًّا لاستعادة أجزاء رئيسة من معالم الصورة الكاملة للحضارة العربية الإسلامية في تفاعلها داخل البحر الأبيض المتوسط، مما ينبغي معه نفض تراب النسيان والإهمال عن هذا الجانب من الحضارة العربية في جزء من القرن التاسع ومعظم القرنين العاشر والحادي عشر، وننفتح والأجيال المقبلة على قطعة نفيسة من لغز الحضارة العربية المتوسطية.