الخط المغربي.. بين القواعد والتقاعد

د. هدى الميموني


يبقى الخط العربي على اختلاف أشكاله الفنية يستدعي الرعاية والاهتمام من قبل السلطات الوصية، باعتباره ملهمة الفنانين العرب والعجم على السواء، نظراً لما تكنزه من مختلجات روحية، تبعث على الانشراح والطمأنينة، خاصـة إذا كانت مودعة لكلمات ربانية، كما يبقى الخط المغربي أحـد علامات الخط العربي الإبداعية والجمالية، الأمر الذي يحتم ضرورة الحفاظ عليه من تيارات العزلـــة والتهميش أو التغريب، وربما الزوال، والسبيل إلى ذلك هو تعليم فن الخط العربـي وتدريسه في جميع مراحل التعليم.. بـدءاً من المرحلة الأساسية إلى الجامعية وجعله مادة نجاح أساسية للطالب حتى يحوز إجازته.


أثبتت الدراسات والمتابعات في حقل التعليم على كافة مستوياته وجود مشكلة تواجه الطلاب جميعاً، تبدو واضحة تماماً في كتاباتهم للدروس التي يتلقونها على مقاعد الدراسة بخطوط رديئة تكاد لا تقرأ، رغم الجهود التي تبذلها وزارات التعليم في كافة البلدان العربية.. لذا؛ لا بد من الاهتمام بتدريس مادة الخط العربي في جميع مراحل التعليم، وجعلها مادة أساسية للتخرج؛ كي لا ساسية أسانصل إلى مرحلة نجد فيها الخط العربي غريباً بيننا.

فنحن أبناء حضارة عظيمة قامت وحفظت وسجلت بهذا الخط وفنونه، وقد أثبتت الدراسات لبعض النقوش التي وجدها العلماء والمستشرقون، مثل نقش النمارة وزبد وحران، أن العرب أخذوا طريقتهم في الكتابة عن طريق بني عمومتهم من الأنباط الذين كانوا يقطنون قبل الإسلام بالقرب من المدينة في حوران والبتراء ومعان، وقد وفد الخط العربي إلى شبه الجزيرة العربية مع التجارة من بلاد الأنباط والحيرة والأنبار، وكان الخط في أول الأمر بدائياً جافاً، وقد نسبت فنون الخط العربي إلى الأماكن التي وفد منها، فعرف بالخط النبطي، أو الحيري، أو الأنباري.. إلخ.

لقد تعددت مدارس الخط في المشرق والمغرب، فكان بينها المدرسة المغربية.. إذْ انتشر في المغرب الخط العربي المغربي الذي اشتق من الخط الكوفي القديم، وكانت أقدم النماذج التي وجدت تعود إلى ما قبل الثلاثمائة للهجرة. وكان يسمى بخط القيروان نسبة إلى القيروان عاصمة المغرب العربي بعد الفتح الإسلامي. التي أسست سنة (50هـ-670م)، وعند انتقال عاصمة المغرب من القيروان إلى الأندلس ظهر خط جديد اسمه الخط الأندلسي أو الخط القرطبي.

وكان للبربر فضل كبير في إذكاء الروح العربية في الخط، فبالعودة إلى تاريخ ابن خلدون، ينقسم البربر إلى برانس وبتر. وكانت القبائل التي فيها الكثرة والغلب بعد دخول الإسلام أوروبا وهوارة وصنهاجة من البرانس، ونفوسة وزناته ومطغرة ونفزاوة من البتر، وكان التقدم لعهد الفتح لأوروبا هؤلاء، فقد كانوا أكثر عدداً وأشد باساً وقوة‏، وهي التي استقبلت ادريس الأول وبايعته وجمعت الأمازيغ على دعوته‏،‏ واجتمعت عليه زواغة ولواتة وسدراتة وغياتة ونفزة ومكناسة وغمارة، وكافة بربر المغرب فبايعوه وائتمروا بأمره‏،‏ وتم له الملك والسلطان بالمغرب، وكانت له الدولة التي ورثها أعقابه، وكان ملك أوروبا من ملك الأدارسة إلى حين انقراضه على يد قبيلة كتامة التي قامت بدعوة الفاطميين.

خطوط رحم الخط المغربي

وفي الوقت الحاضر؛ فإن لغة أبنائها هي العربية وهي من بين القبائل التي تعرف بالبرانس، وقبائل أخرى كغياتة وهوارة وكتامة وصنهاجة لغتهم أيضاً العربية. وهذا أمر عرف قديماً وليس خاصاً بالأمازيغية، وابن تيمية الذي عاش في القرن 13 الميلادي قال في كتابه اقتضاء الصراط: "ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر ولغة أهلهما رومية، وأرض العراق وخراسان ولغة أهلهما فارسية، وأهل المغرب ولغة أهلها بربرية عودوا أهل هذه البلاد العربية حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم وكافرهم، وهكذا كانت خراسان قديماً، ثم إنهم تساهلوا في أمر اللغة، واعتادوا الخطاب بالفارسية حتى غلبت عليهم وصارت العربية مهجورة عند كثير منهم".

وقد دخل الأمازيغ الإسلام وتعلموا العربية لغة القرآن الكريم، وساهموا في تطوير الخط العربي وظهور الخط المغربي بأنواعه، وبالمشرق ذكر منهم البربري المحرر وولده الذي قال عنه ابن النديم إنه كان يعلم المقتدر وأولاده، وكانت له رسالة في الخط والكتابة سماها "تحفة الوامق" لم ير في زمانه أحسن خطاً منه ولا أعرف بالكتابة.

تولد من الخط المغربي أربعة خطوط هي الخط التونسي، وهو أكثر شبهاً بالخط المشرقي (الكوفي) إلا إنه اتبع الطريقة المغربية في تنقيط الفاء والقاف، والثاني: الخط الجزائري المتمثل بخطوط وهران وتلمسمان الذي يشبه إلى حد ما الخط المغربي، ويختلف عنه بغلظة زواياه الحادة وصعوبة قراءته أحياناً، والثالث: الخط الفاسي الذي يتميز بالمبالغة في استدارته وعظم خطوطه العمودية وغياب نقاط الحروف الختامية، أما الرابع فهو الخط السوداني، وشكله العام شبيه بالخط الكوفي ولم يلحق به تغيير كبير لقلة استعماله وهو عموماً غليظ كثير الزوايا وثقيل.

ويعد الخط المغربي من أهم الخطوط العربية في المغرب العربي وأقدمها عهداً، وأكثرها انتشاراً في شمال أفريقيا، ويمتاز بجرة قلم أكثر رقة مقارنة بخط النسخ. ووضع نقطة حرف الفاء من تحت ونقطة واحدة لحرف القاف من فوق، كما يمتاز بامتداد نهايات الكؤوس، وتحذف أغلب الأحيان نقاط الحروف الواقعة في نهاية الكلمات.

غياب القواعد أحال الخط المغربي للتقاعد

ليس للخط المغربي قواعد محددة أو موازين كما هو الحال بالنسبة للخطوط العربية الأخرى. ولانعدام تلك القواعد؛ فإن الحرف الواحد قد يكتب بأكثر من طريقة في نفس الوثيقة. ويحتفظ الخط المغربي ببعض الرواسب التي ورثها من الخط الكوفي من ذلك أن الألف المتصلة تنحدر قليلا عن مستوى السطر بزائدة كوفية، كما أن حروف الكاف والصاد والضاد والطاء والظاء تكون ممتدة بما يذكر بالخط الكوفي. وقلما تحتفظ حروف الألف واللام والطاء والظاء بشكلها العمودي إذْ كثيراً ما تكون في شكل منحني وتحمل في أعلاها ما يشبه النقطة الغليظة. وبالنسبة لحرف الضاد قد ترسم النقطة على يسار الشلة. لا ترسم عادة السنينة بعد حرفي الصاد والضاد، وقد ترسم نقطة الضاد داخل الحرف.

تتخذ بعض الحروف امتداداً مبالغاً فيه إذا كانت في آخر الكلمة وأساساً منها السين، والشين، والياء، واللام، والنون. كما قد لا تكتب نقط الحروف النهائية في الفاء والقاف والنون. كما يتميز الخط المغربي فيما يتعلق بإعجام حرفي الفاء والقاف، حيث ترسم الفاء بنقطة من أسفل والقاف بنقطة من فوق.

يعد الخط المغربي من أهم أنواع الخطوط العربية وأقدمها عهداً وانتشاراً، وأقدم ما وجد منه يرجع إلى ما قبل سنة 300 هجرية/ 912م. وكان يسمى بالقيرواني نسبة إلى القيروان، حيث تحسن بها الخط المغربي تحسيناً عظيماً وعرف بها. ولما انتقلت عاصمة المغرب من القيروان إلى الأندلس ظهر هناك خط جديد سمي بالأندلسي أو القرطبي، وبادر بعض الخطاطين المغاربة إلى الكتابة في موضوع الخط وقواعده، لضبط أساليبه وأشكاله، ووضعها رهن إشارة مريدي الخط المغربي مثل منظومة "نظم لآلي السمط في تحسين بديع الخط" وشرحها "حلية الكاتب ومنية الطالب" للخطاط أحمد بن قاسم الرفاعي الرباطي (1841م).

كان الخط العربي كلما دخل منطقة سمي باسمها، وعلى هذا المنوال جاءت تَسمية هذا الخط بالخط القيرواني، ولما دخل إلى المغرب سمي بالخط المغربي وهنا بدأ الإبداع فيه وتجويد أنواعه، وسمي الخط الفاسي والخط المراكشي. أما بالأندلس، فقد تطور فيها الخط الكوفي أيضاً، وظهر نوعان أساسيان تكثر في أحدهما الزوايا سمي بالكوفي الأندلسي، وتكثر في الآخر الانحناءات والاستدارات سمي بالقرطبي أو الأندلسي، وقد استخدم في نسخ المصاحف والكتب.

 تليين الخط الكوفي

استمر التمايز بين خطوط الأندلس وشمال إفريقيا إلى القرن الرابع هـ/10م. ثم خضعت شمال إفريقيا للتأثير الأندلسي إثر قدوم المهاجرين الأندلسيين إليها، مع بدء تراجع النفوذ العربي الإسلامي بالأندلس. وفي هذا المعنى يقول ابن خلدون: «أما أهل الأندلس فانتشروا في الأقطار منذ تلاشي ملك العرب ومن خلفهم من البربر... فانتشروا في عدوة المغرب وإفريقية... وتعلقوا بأذيال الدولة، فغلب خطهم على الخط الإفريقي وعفا عليه، ونسي خط القيروان والمهدية... وصارت خطوط أهل إفريقية كلها على الرسم الأندلسي بتونس وما إليها... وبقي منه رسم ببلاد الجريد الذين لم يخالطوا كتاب الأندلس... وحصل في دولة بني مرين من بعد ذلك بالمغرب الأقصى لون من الخط الأندلسي لقرب جوارهم وسقوط من خرج منهم إلى فاس قريباً واستعمالهم إياهم سائر الدولة، ونسي عهد الخط فيما بعد عن سدة الملك وداره كأنه لم يعرف». وهو ما يعني أن الخط الأندلسي حل محل الخطوط المحلية المتأثرة بالقيروان، وقد استثنى ابن خلدون منطقة بلاد الجريد لأنها لم تتصل بالأندلسيين. وتطور الخط الأندلسي بدوره، ومنه تولد ما عرف فيما بعد بالخط المغربي. ثم بادر بعض الخطاطين المغاربة إلى الكتابة في موضوع الخط وقواعده، لضبط أساليبه وأشكاله، ووضعها رهن إشارة مريدي الخط المغربي.

اعتبر الخط المغربي من بين الكتابات التي دخلت إلى المغرب مع الفتح الإسلامي، واحتاج تدوينها، كما قال خطاط المصحف الجزائري محمد شريفي، إلى السرعة في الكتابة فقام المغاربة أنفسهم بتليين الكوفي، وقبلوا الترتيب الجديد عند المشارقة مع اختلاف يسير، من حيث الشكل والنقط فوضعت للفاء نقطة تحتية، وللقاف نقطة فوقية، لكن مع هذا وبرغم تميزه عن باقي الخطوط العربية واحتفاظه ببعض الرواسب التي ورثها من الخط الكوفي، إلا أنه يعرف إحجاماً من قبل خطاطينا لكتابته، ولمعرفة الأسباب الكامنة وراء ذلك، قامت "الأمة العربية" برصد آراء بعض الخطاطين من دول مختلفة.

الخط المغربي فن إسلامي

من جهته اعتبر الخطاط الصيني "مي قوانج جيانج" -الملقب بـحاج نور الدين، هذا الخطاط الذي درس الخط العربي في مصر على يد الخطاط حسن شلبي- أن الخط المغربي فن إسلامي جميل يختلف في الكتابة عن باقي الخطوط المشرقية، إلا أن الكثيرين لا يتقنونه ولا يعرفون شيئاً عن طريقة كتابته أصلاً، مما جعله مهمشاً، وأضاف أن تعلم الخط العربي في الصين مثلا يتم عن طريق المراسلة لغياب المدارس الخاصة بتعليم الخط، مما ساهم في عدم ارتقاء الخطوط المغربية بشكل عام، وقال إنه يسعى في بلاده لتلقين التعليم المجاني للخط العربي نهاية كل أسبوع، حيث تخرج على يده لحد الآن حوالي 600 ألف تلميذ.

أما الخطاط الجزائري دوخ عبد الله فيقول: "الخط المغربي لا يعتبر من الخطوط الأصيلة، وعلى الخطاطين وضع أساسياته"، ذلك أن له رؤية مغايرة وهي أن الخط المغربي من ناحية الجماليات له مكانته، إلا أنه لا يعتبر من الخطوط العربية الأصيلة، كون المشارقة لا يعدونه من ضمن الخطوط الكلاسيكية الأخرى، وحسبه المشكل يكمن في أن الخط المغربي لا يحتوي على القواعد الدقيقة، مثله مثل باقي الخطوط العربية، ولانعدامها؛ فإن الحرف الواحد قد يكتب بأكثر من طريقة في نفس الوثيقة، لذلك فهو يأمل أن تثمر جهود المغاربة في إعداد مخطط خاص بقواعد الخط المغربي لتضبط طريقة كتابته، كما يطالب وزارة الثقافة بفتح مدراس تعنى بتحسين كتابة الخط العربي.

 


المراجع:
1- ابن خلدون، المقدمة، ص: 507-508.
2- الأمين، إيمان، الخط المغربي: أصوله، مراحل تطوره ومدارسه، رسالة ختم الدروس الجامعية، المعهد الأعلى للتوثيق 1999-2000.
3- المنوني، محمد، تاريخ الوراقة المغربية، صناعة المخطوط المغربي من العصر الوسيط إلى الفترة المعاصرة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 2018.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها