النقود كوثيقة ثقافية

قراءة في هوامش المسكوكات الإسلامية

أنوار فاتي


في متحف الشارقة للحضارة الإسلامية، تقف خلف زجاج عازل قطعة دائرية صغيرة من الذهب، لا يتجاوز قطرها سنتيمترين، تحمل نقوشاً عربية دقيقة. قبل ألف ومائتي عام، كانت هذه القطعة تتنقل بين الأيدي في أسواق بغداد أو دمشق، تُشترى بها السلع وتُدفع بها الأجور. لكنها لم تكن مجرد وسيلة للتبادل التجاري، بل كانت وثيقة رسمية صادرة عن أرفع سلطة في الدولة، وشهادة ميلاد لعصر بكامله.
 

تعد النقود الإسلامية من أهم المصادر التاريخية التي لا تقبل الجدل. فهي وثيقة رسمية، تحمل اسم الخليفة أو السلطان، وتاريخ السك، والمذهب الرسمي للدولة، وأحياناً شعارات سياسية أو رسائل دعائية. في هذه القراءة، سنحاول فك شيفرات تلك الدوائر الصغيرة، ونتأمل كيف تحولت النقود الإسلامية إلى سجل حضاري ناطق بلسان أربعة عشر قرناً من التاريخ.

 

أولاً: من الصورة إلى الكلمة - ثورة عبد الملك بن مروان

قبل الإسلام، وفي سنواته الأولى، كان سكان الجزيرة العربية يتعاملون بعملات ليست لهم. كان الدينار البيزنطي الذهبي يحمل صورة الأباطرة الرومان متوجين بالصليب، والدرهم الفارسي الساساني يحمل صورة كسرى والنار المقدسة عند الفرس. لقد حملت العملة هوية ثقافية ودينية واضحة: بيزنطية مسيحية، وفارسية زرادشتية.

جاءت اللحظة الفارقة في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (65-86)، حين تم تعريب السكة الإسلامية تعريباً كاملاً. ولم يكن القرار اقتصادياً بحتاً، بل كان بياناً سياسياً وثقافياً بامتياز. تقول المصادر إن الإمبراطور البيزنطي جستنيان الثاني غضب عندما أمر عبد الملك باستبدال عبارة التثليث المسيحي على ورق البردي المصدر إلى بيزنطة بالآية القرآنية {قل هو الله أحد}، وهدد بإصدار دنانير تحمل نقوشاً مسيئة للإسلام. هنا تحول الصراع إلى حرب عملات حقيقية، انتهت بظهور أول دينار إسلامي خالص عام 77هـ.

هكذا وُلد الدينار الإسلامي: خالٍ من الصور تماماً، مكتوب على وجهه: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، وفي وسطه: "الله أحد الله الصمد"، وعلى الوجه الآخر: "محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق". لقد كان هذا التحول بمثابة إعلان قيام حضارة جديدة، حضارة الكلمة التي تحل محل الصورة، والتوحيد الذي يزيح التثليث، والخط العربي الذي يتفوق على الرسم اليوناني والفارسي.
 

ثانياً: النقود كسجل عقائدي ومذهبي

لم تكن الكتابات على النقود الإسلامية مجرد شعارات جامدة، بل كانت سجلًا حيّاً للتحولات العقائدية التي مرت بها الأمة. فقد أصبحت النقود منبراً للتعبير عن المذهب الرسمي للدولة.

حرص الأمويون والعباسيون على نقش شهادة التوحيد والآيات القرآنية التي لا تُثير حساسية مذهبية. في المقابل، نجد أن الدول الشيعية مثل الفاطميين سجلت على نقودها عبارات تعبر عن مذهبها الإسماعيلي، وعكست تلك النقود تناقضاً ثقافياً لافتاً: فهي تحمل كتابات شيعية خالصة، في حين أن غالبية الشعب المصري كان يعتنق المذهب السني.

ولم يكن اختيار الآيات القرآنية التي تنقش على النقود عشوائياً قط. فالآيات الأكثر شيوعاً كانت من سورة الإخلاص، وسورة التوبة، آية: 33، وكلاهما تؤكد على وحدانية الله ورسالة نبيه. لكن العباسيين استخدموا آية أخرى ذات دلالة سياسية عميقة: {قل لا أسألكم عليه أَجراً إِلَّا المودة في القربى}، كشعار لثورتهم ضد الخلافة الأموية، وللتأكيد على حقهم في الخلافة لقرابتهم من النبي.

ثالثاً: النقود كوثيقة سياسية وإعلامية

كانت النقود إحدى شارات الملك والسلطان التي يحرص كل حاكم على اتخاذها بمجرد توليه الحكم. ولم يكن هذا مجرد تقليد إداري، بل كان إعلان سيادة لا لبس فيه. فالنقود تحمل اسم الخليفة أو السلطان، وألقابه، وتاريخ توليه، وأحياناً اسم ولي عهده. وهي بذلك أشبه بصحيفة النوايا الرسمية التي توزع على الناس يومياً عبر أيديهم.

أدرك الثوار والخارجون على الحكومات أهمية النقود كوسيلة إعلامية لا تقل عن المنشورات والخطب. لذلك حرصوا على ضرب النقود بأسمائهم وتسجيل شعارات ثوراتهم عليها. من أبرز الأمثلة الدراهم التي سكها عبد الله بن الزبير أثناء ثورته على الخلافة الأموية، ونقود قطري بن الفجاءة الخارجي. كانت هذه النقود بمثابة بيانات ثورية متجولة، تعلن في الأسواق والمساجد أن هناك سلطة جديدة تطالب بالولاء.

كما سجلت النقود تطور الألقاب السياسية بدقة متناهية. فلقب "قسيم أمير المؤمنين" الذي اتخذه الظاهر بيبرس يكشف محاولته تحصين حكمه بعد مقتل قطز، وانتزاع شرعية الخليفة العباسي. وفي العصر العثماني، اختفت شهادة التوحيد والآيات القرآنية من على العملة، واستبدلت بألقاب فخرية للحاكم مثل "صاحب العز والنصر في البر والبحر"، مما يعكس تحول مفهوم الخلافة ذاتها.

رابعاً: النقود كسجل اجتماعي واقتصادي

لم تقتصر النقود الإسلامية على التداول التجاري اليومي، بل كانت تضرب أحياناً لتخليد مناسبات اجتماعية مهمة مثل الزواج والمصاهرة، أو حالات المرض والوفاة، أو المصالحات بين الحكام. كانت هذه النقود التذكارية توزع كهدايا على كبار القواد والأمراء.

الأكثر إثارة للانتباه تلك العبارات الأخلاقية التي كتبت على بعض الفلوس النحاسية: "بركة العمر حسن العمل"، "الدينا ساعة فاجعلها طاعة"، "عز من قنع وذل من طمع"، كما خوطب الحكام بعبارات مثل: "ثبات الملك بالعدل"، و"بركة الملك في إدامة العدل"، تخيل أن تخرج من جيبك فلساً لتشتري به خبزاً فتقرأ عليه نصيحة أخلاقية! لقد كانت النقود تؤدي وظيفة وعظية وإرشادية يومية.

واهتمت السلطات الإسلامية بحماية نقودها من التزييف، فسجلت على بعضها عبارات تحذيرية شديدة مثل "ملعون من يغيره" ومع ذلك، انتشر التزييف في بعض العصور، خاصة في العصر العباسي عندما قام الخارجون على السلطة بسك دنانير من الحديد والنحاس وطلائها بالذهب.
 

خامساً: النقود مدرسة فنية

تعد النقود الإسلامية مدرسة متكاملة لتعلم أنواع الخط العربي وتطوره عبر العصور. فقد ظهر عليها الخط الكوفي بأنواعه: البسيط، والمزَهّر، والمضفور. وفي العصور المتأخرة، ظهر خط النسخ، والثلث، والطغراء... إلخ.

يمكن للمتأمل في نقود العصر الأموي أن يرى الخط الكوفي في بداياته الأولى، بسيطاً صارماً. ثم إذا انتقل إلى النقود العباسية، وجد الخط الكوفي قد ازداد دقة وجاذبية. وفي العصر الفاطمي، تطورت المعالجة الفنية بشكل كبير، فظهرت النقوش في دوائر متداخلة. أما في العصر الأيوبي، فاتخذ الخط الكوفي شكلًا زخرفيّاً يعكس ملامح الفنون التشكيلية المبتكرة.

ولم تقتصر الزخرفة على الخط، بل ظهرت زخارف نباتية وهندسية استخدمت كهوامش أو فواصل بين الكتابات. وكان لهذه الزخارف وظيفة جمالية، ولكنها كانت أيضاً وسيلة لمكافحة التزييف؛ إذْ يصعب تقليد النقوش المعقدة.

على الرغم من تحريم التصوير في النقود الإسلامية الرسمية، إلا أن بعض النقود غير الإسلامية أو النقود التذكارية حملت رسوماً للحيوانات، ومن أجمل الأمثلة الجمل العربي على العملات النقدية النبطية، فقد كان الجمل جزءاً أساسياً من الجيش النبطي.
 

خاتمة:

لقد كانت النقود الإسلامية أكثر من مجرد وسيلة للتبادل التجاري. كانت وثائق رسمية صادرة عن السلطة، وسجلات تاريخية لا تقبل الجدل، ومرايا عاكسة للحياة الثقافية والاجتماعية. في دائرة صغيرة من المعدن، استطاع الخطاطون والنقاشون المسلمون أن يسجلوا عقيدتهم، وسياسة حكامهم، وفنون عصرهم، وأخلاق مجتمعهم.

واليوم، حين تقف أمام واجهة متحف تتأمل ديناراً أموياً أو درهماً عباسياً، تذكر أن هذه القطعة الصغيرة كانت في يوم من الأيام تنتقل بين أيدي الناس، تشتري بها الأرغفة، وتدفع بها الضرائب. ولكنها كانت تفعل أكثر من ذلك: كانت تهمس في آذان حامليها كل يوم بأنهم جزء من حضارة الكلمة، وأمة الكتاب، وثقافة التوحيد.

إن النقود الإسلامية تنتظر من يقرأها لا كأرقام وحروف فقط، بل كوثائق ثقافية متكاملة، تكشف لنا عن وجوه آبائنا وأجدادنا، وعن قيمهم وأحلامهم، وعن العالم الذي أرادوا بناءه، حرفاً بعد حرفٍ، ونقشاً بعد نقشٍ.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها