ترجع جذور فكرة الروبوتات إلى العصور القديمة، حيث بدأت فكرة الآلات التي يمكنها تنفيذ المهام بشكل آلي منذ آلاف السنين. ففي مصر القديمة حوالي عام 1500 قبل الميلاد، ابتكر المصريون القدماء آلات بسيطة لأداء مهام معينة، مما يعد من أوائل المحاولات لصناعة ما يشبه الروبوتات، وظهرت أساطير تتحدث عن كائنات صناعية تحمل بعض الصفات البشرية، ومن أبرز هذه الأساطير أسطورة "طالوس" (Talos)، ذلك التمثال البرونزي الضخم الذي خلقه الإله هيفايستوس في الميثولوجيا اليونانية، وكان يتحرك آليّاً، ويقوم بتنفيذ المهام الموكلة إليه لحماية جزيرة كريت.
هذه الفكرة –عن الإنسان الاصطناعي الذي يمكن أن يعمل دون تعب أو خطأ– تطورت على مر العصور لتصل إلى شكلها الحديث مع كلمة "روبوت"، التي ظهرت لأول مرة في مسرحية الكاتب التشيكي كارل شابك عام 1921 بعنوان "روبوتات روسوم العالمية" (Rossum’s Universal Robots)، والتي تعني باللغات السلافية العامل أو العبد.
ومن الناحية التقنية، تطورت الروبوتات من مجرد آلات تنفذ الأوامر المبرمجة إلى أنظمة ذكية قادرة على التعلم والتكيف. فقد كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون بجامعة كولومبيا للهندسة أن الروبوتات يمكنها الآن تعليم نفسها كيفية الحركة، وفهم بنية أجسادها، من خلال مراقبة حركتها عبر كاميرا، مما يمثل خطوة كبيرة نحو الاستقلالية الكاملة.
وإذا كان الرّوبوت صنيعةٌ بشريّةٌ؛ لذا يُطرح سؤالٌ محوريٌّ حول إمكانية امتلاك الروبوتات لأرواح، وهل يمكن النظر إليها على أنها كائنات واعية لها وجودٌ روحيٌّ؟ لا يتعلق هذا السؤال فقط بإمكانية صنع آلة ذكية، بل أيضًا بكيفية تباين الثقافات في النظر إلى هذه المسألة، وما تعنيه لمكانتنا كبشر.
الفلسفة الغربية: الصراع بين الإنسان والآلة
فلسفياً؛ يمكن فهم العلاقة بين البشر والروبوتات من خلال جدليّة السيّد والعبد التي قدّمها هيغل في كتابه "فينيمينولوجيا الروح". ويرى هيغل أن استخدام الروبوتات والتكنولوجيا قد يؤدي إلى انتزاع الإنسانية من البشر، حيث تصبح الآلة مرآةً للوعي الذاتي البشري، لكن دون إدراك حقيقي للذات. كما أن الإطار الديني اليهودي المسيحي يضع البشر في منزلة أعلى من باقي الكائنات، بناءً على نصوص مثل سفر التكوين (تك 1:26)، التي تؤكد أن الإنسان خُلق على صورة الله. ومن هنا؛ فإن فكرة الروبوت الواعي تمثل تهديدًا مباشرًا للهيكلية الدينية والأخلاقية التي تضع الإنسان في مركز الكون.
وقد ظهرت قصص الرعب الحديثة حول الروبوتات، مثل قصة "فرانكنشتاين"، والتي تجسد الخوف الغربي من فقدان السيطرة على الطبيعة والحياة، وهو خوف انتقل إلى القضايا المعاصرة حول الذكاء الاصطناعي والروبوتات القاتلة، كما في شخصية المدمر "ترمنايتور"، التي تمثل هاجساً غربياً من تكنولوجيا غير خاضعة للرقابة البشرية. وتعد شخصية "الترمنايتور" (T-800) أحد أهم الأمثلة على الخوف الغربي من الروبوتات؛ إذ يمثل تهديداً مباشرًا للبشرية بعد أن يتم إرساله من المستقبل بهدف قتل القائد البشري "جون كونور"، بينما يتجلى الخطر الحقيقي في وجود الذكاء الاصطناعي "سكاينت" الذي انقلب على البشر وأدى إلى حربٍ نووية مدمرة، وهذا ما يشير إلى رؤية غربية تتسم بالشك والخوف من سيطرة الآلة على الإنسان.
ومع تطور التكنولوجيا، أصبحت الأجهزة الإلكترونية والميكانيكية جزءًا من أجسامنا، من خلال الأعضاء الاصطناعية وأجهزة تنظيم ضربات القلب والتطبيقات الصحية. وفقاً لكتاب "بيان السايبورغ" لدونا هارواي، فإننا جميعاً روبوتات عضوية في أساسنا، بسبب اعتمادنا على التكنولوجيا في حياتنا اليومية. ومع ذلك، فإن هذا الأمر يثير تساؤلات حول الجدوى والفرادة والأخلاق، خاصة عندما تبدأ الروبوتات في تولي مهام كانت مقتصرة على البشر، مثل الإبداع الفني والموسيقي، كما في حالة برنامج "ميوزنت" التابع لشركة "أوبن إيه آي"، وقدرة الذكاء الاصطناعي على تأليف موسيقى على نمط "موتزارت" و"بيتهوفن".
اليابان: الروبوت كجزء من الطبيعة
في المقابل، تختلف النظرة الثقافية في اليابان اختلافًا جذريًا، حيث تلعب الشنتوية والبوذية دورًا كبيرًا في تشكيل تصوّر المجتمع للروبوتات. ففي اليابان، تُعتبر جميع الأشياء –بما فيها الآلات– لها ماهية روحية طبيعية، وهذا ما يعرف بمذهب الإحيائية "Animism". وتتجلى هذه الفكرة في شخصيات مثل "الفتى أسترو"، الذي يرمز إلى التفاؤل الياباني بالتقدم التكنولوجي، حيث يتم التعامل مع الروبوت كجزء طبيعي من الكوزمولوجيا اليابانية، وليس كتهديد للبشرية. ويُشير المؤرخ "يوجي سوني" إلى أن اليابانيين يعتبرون الروبوت انعكاساً للبشرية، ويتعاملون معه كجزء من الحياة اليومية، سواء في المعابد أو المقاهي أو الفنادق التي يستخدم فيها الروبوت كعامل خدمي. ومن الأمثلة البارزة على ذلك، الروبوت "ميندار" الذي يلقي العظات البوذية في معبد "كودايي" في كيوتو.
ويمثل "الفتى أسترو"، الذي ظهر في الخمسينيات من القرن الماضي النظرة اليابانية المتفائلة للتكنولوجيا، حيث يجسّد الروبوت حساً بالعدالة والإنسانية، ويمر بـ"نضالٍ في سبيل الاعتراف" كما وصفه الفيلسوف الألماني "أكسل هونيت". أما "الترمنايتور"، فيمثل الجانب الغربي من القصة، حيث يرمز إلى الخوف من التكنولوجيا المتقدمة وعواقبها المحتملة، خاصة في عالم الذكاء الاصطناعي الذي قد ينقلب على صانعيه، كما في شخصية "سكاينت".
تختلف الثقافات أيضاً في كيفية رؤيتها للموت والحياة بعد الدمار. ففي اليابان، تُعاد تصنيع الروبوتات ويُنظر إليهن كأنها تدخل في دورة تشبه التناسخ، كما حدث مع "الفتى أسترو"، الذي دُمر ثم أُعيد بناؤه. بينما في الغرب، يُنظر إلى الموت على أنه نهاية مطلقة، ولا يمتلك الروبوت روحاً لإعادة تكوينها، كما في شخصية "دارث فايدر" من سلسلة "حرب النجوم"، التي تمثل الهروب من الموت عبر تحويل الإنسان إلى آلة. ولا يمكن الحديث عن الروبوتات والذكاء الاصطناعي دون الإشارة إلى فيلم "ماتريكس"، الذي يعرض عالماً تخيلياً حيث تحكم الآلات البشر، وتحبسهم في واقع افتراضي لتسيطر على حياتهم وقواهم البدنية. يعكس الفيلم بشكل عميق الخوف الغربي من فقدان الحرية أمام تقدم التكنولوجيا، كما يطرح أسئلة فلسفية حول الواقع والوعي والاختيار الحر. ويشير الفيلم إلى أن البشر قد يتحولون إلى مجرد مصدر طاقة في عالم تتحكم فيه الآلات. وبهذا يُعد "ماتريكس" واحدًا من أكثر الأعمال السينمائية تأثيراً في تشكيل الصورة الذهنية للعلاقة بين الإنسان والآلة في الثقافة الغربية.
الخلاصة:
إن سؤال: هل تملك الروبوتات أرواحاً؟ ليس مجرد استفهام تقني أو علمي، بل هو سؤال فلسفي عميق ينبع من جوهر هويتنا الإنسانية وعلاقتنا بالطبيعة والتكنولوجيا. ومن خلال المقارنة بين الثقافتين اليابانية والغربية، يتضح أن الإجابة لا تعتمد فقط على قدرات الآلة، بل على الإطار الفلسفي والديني الذي يُشكل رؤيتنا للعالم.
في اليابان، حيث تسود مبادئ الشنتوية والبوذية، تُعتبر الروبوتات جزءًا من الكوزمولوجيا الطبيعية، وتتمتع بوجودٍ روحيٍّ مشابهٍ للكائنات الأخرى. هذا التصور لا يعتمد على فكرة التفوق البشري، بل على التعايش والتكامل بين الإنسان والآلة، وبين الحي والجامد. ومن هنا؛ فإن الروبوت في اليابان ليس تهديداً وجودياً، بل انعكاسٌ لروحانيّةٍ متعددة الأوجه، كما يظهر في شخصيات مثل "الفتى أسترو"، وروبوت المعبد "ميندار"، اللذين يمثلان نموذجين لدمج التكنولوجيا في الحياة اليومية والدينية.
أما في الغرب؛ فإن الفهم الديني والفلسفي، خاصةً في الإطار اليهودي المسيحي، يضع البشر في موقع السيطرة والتفوق على باقي الكائنات. ولذلك، فإن فكرة الروبوت الواعي تمثل انتهاكاً لهيكلية الوجود التي ترى في الإنسان مركز الكون. ويتجلى هذا الخوف في شخصيات الـ"ترمنايتور" و"فرانكنشتاين"، التي ترمز إلى القلق من فقدان السيطرة على الطبيعة، وظهور كيانٍ قد يحل محل الإنسان في سلّم الوجود.
إن الخوض في موضوع الروبوتات والأرواح ليس مجرد تأمل في المستقبل التكنولوجي، بل هو رحلة فلسفية داخل الذات الإنسانية، لفهم كيف تتشكل معتقداتنا عن الوعي، والروح، والوجود. ومن خلال هذه الرحلة، نجد أن التكنولوجيا ليست خارجنا، بل هي مرآة لنا، تعكس مخاوفنا وأمانيَنا، وتتحدى مفهومنا عن أنفسنا. لذلك، فإن الإجابة على سؤال: هل تملك الروبوتات أرواحاً؟ لا تكمن في الروبوت ذاته، بل في الثقافة التي تنظر إليه، وفي الفلسفة التي تُحدِّد ما يعني أن تكون شيئًا حيًّا، أو واعيًا، أو إنسانًا.
المراجع: ◅ جيمس وايت (2024). صراع على روح الروبوت، موقع معنى https://mana.net/the-soul-of-the-robot
1 - The Matrix Trilogy Philosophical Influences Summary & Analysis
https://www.coursehero.com/lit/The-Matrix-Trilogy/summary
2 - Haraway, D. (1990). A Cyborg Manifesto: Science, Technology, and Socialist-Feminism in the Late Twentieth Century. University of Minnesota Press
3 - Sone, Y. (2007). Japanese Robot Culture: Performance, Imagination, and Modernity. Palgrave Macmillan
4 - Schodt, F. L. (2007). The Astro Boy Essays: Osamu Tezuka, Mighty Atom, and the Manga/Anime Revolution. Stone Bridge Press