في عالم الصورة، حيث تختصرُ اللقطة حكاية كاملة، يبرز المصور الصحفي "عماد الدين علاء الدين" كأحد الوجوه التي تركت أثراً واضحاً في المشهد الفوتوغرافي في دولة الإمارات العربية المتحدة. عبر مسيرة امتدت لسنوات طويلة في صحيفة البيان، ثم من خلالِ تعاونه مع صحيفة رؤية الإمارات، استطاع أن يوثق بعدسته تفاصيل الحياة الثقافية والرياضية والإنسانية، محققاً حضوراً لافتاً في العديد من المسابقات والمعارض الدولية. وقد تُوّجت تجربته بحصد جوائز مرموقة ومشاركات بارزة، من بينها مشاركته في مهرجان إكسبوجر، إلى جانب حصوله على الإقامة الذهبية في الإمارات ضمن فئة المبدعين من أهل الثقافة والفن.

في هذا الحوار، نقتربُ أكثر من تجربتهِ لنكتشف أسرار الصورة التي لا تُلتقط بالعدسة وحدها، بل بالرؤية والشغف كذلك. وللتعرف إليه أكثر أجريتُ معه الحوار التالي:
◉ حدثنا عن بداية اهتمامكَ بفن التصوير؟
نشأت في أسرة يملؤها الفن والثقافة، حيث كانت جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية. عندما أهداني والدي رحمه الله أول كاميرا وأنا طفل، بدأت أنظر إلى العالم بحس مختلف، وبدأت أوثق ما يحيطُ بي بعدسة صغيرة، وأفلام الأبيض والأسود في زمن كانت الصورة تلتقط بروية وتفكر قبلَ أن تحفظ.
منذ تلك اللحظة، أصبحت الكاميرا وسيلتي للتعبير قبل أن تكون أداة تصوير، لم أسعَ للالتقاط ما يغيب عن الآخرين، بل لإعادة ترتيب المشهد بصرياً ومنحه معنى أقرب إلى الاحساس والتجرِبة. صورت زملائي في المدرسة وتفاصيل الحياة اليومية والحي والمدينة، وكان ذلك في بدايته شغف وهواية، لكنه شكل الأساس لمسار بصري تطور لاحقاً إلى مشروع مهني واع في التصوير.
◉ ما أبرز المؤسسات التي تعلمت منها فن التصوير؟
لم أتلقَ أي تعليم أكاديمي في فن التصوير؛ إذْ لم تكن هناك في زمن طفولتي مؤسسات أو أكاديميات متخصصة بهذا المجال في بلادنا. كان تعليمي قائماً على البحث الذاتي والممارسة المستمرة.
خلال العطل المدرسية قضيتُ الكثير من الوقت في استوديو تصوير قديم في الحي يعرف باسم "ايدار"، حيث تعرفتُ عملياً على مختلف مراحل التصوير التقليدي من تحميض الأفلام، وطباعة الصور بالأبيض والأسود إلى فهم تقنيات التعامل مع الضوء والعدسات. شكلت هذه التجرِبة الميدانية مدرستي الأولى، وكسبتني خبرة عملية عميقة جعلت التصوير جزءًا من حياتي قبل أن يصبح مهنتي.
◉ بنظركَ ما الصفات التي تراها ضرورية لمزاول التصوير؟
أرى أن أهم صفةٍ في المصور هي الحس الإنساني قبل التقني، فالكاميرا أداة، أما الرؤية فهي الأساس.
يحتاج المصور إلى الصبر، والقدرة على الملاحظة، وسرعة البديهة واحترام المكان والزمان، إضافة إلى ثقافة بصرية ومعرفية تُمكّنه من قراءة المشهد لا مجرد التقاطه.
كما أن الالتزام، والتواضع أمام الصورة، والرغبة الدائمة في التعلم، كلها صفات أساسية تميّز المصور الحقيقي عن غيره.

◉ ما البرامج والمناسبات التي قمت بتغطيتها بدولة الإمارات العربية المتحدة؟
خلال عملي الصحفي في دولة الإمارات، وخاصة عبر صحيفة البيان، شاركتُ في تغطية طيف واسع من الأحداث والمناسبات، شملت الفعاليات الوطنية، والأعياد الرسمية، والأنشطة الرياضية، والثقافية، والاقتصادية، إضافة إلى الأحداث المحلية والمجتمعية.
لم يكن هناك تخصِيص ضيق في مجال التصوير الصحفي آنذاك، بل كان المصور حاضراً في قلب الحدث، يؤدي دوراً توثيقياً بصرياً شاملاً.
وأعتز بأن لديّ أرشيفاً غنياً يوثق مراحل مهمة من تاريخ الإمارات، وقد نَشرتُ العديد من صوري في الصفحات الأولى والأخيرة للصحيفة.
◉ متى بدأتَ العمل كمصور في الإمارات؟ وكيف تنظرُ إلى واقع التصوير والفن في الشارقة؟
بدأتُ عملي في الإمارات منذ سنوات طويلة، وكانت التجربة ثرية ومليئة بالتحديات التي أسهمت في صقلِ رؤيتي الصحفية والفنية.
أما الشارقة، فأراها حالة ثقافية متفرّدة في المنطقة؛ مدينة تؤمن بالثقافة والفن كجزء من مشروع حضاري متكامل. ما يميزها هو احترامها للفن الجاد، واحتضانها للمبدعين، إضافة إلى غناها المعماري، وهو ما جعلني أرتبط بشكل خاص بتصوير مساجدها ومعالمها الثقافية المتعددة.
◉ أنتَ من أهم مصوري (كاميرا، دورن) حدثنا عن عملكَ هذا وخصوصياته؟
لكلّ مصور هُويته البصرية الخاصة، وأعتقد أن ما يميز أعمالي هو البحث عن التوازن بين التوثيق والبعد الجمالي. أتعامل مع الصورة بوصفها قراءة شخصية للمشهد، لا مجرد تسجيل آني له، أحاول دائماً أن أنقل ما أراه بعيني، وما أشعر به لحظة الالتقاط، بحيث يستطيع المتلقي أن يتفاعل مع الصورة إنسانياً وبصرياً في آنٍ واحد.

◉ ثمة انتشار محاضرات وورش في مجال التصوير، هل تتوقع أن تكون هناكَ نتيجة حقيقية لهذا الانتشار؟
في زمننا كان البحث عن المعلومة في التصوير تجربة صعبة ومحدودة، ولم تكن المصادر متاحة بسهولة، فكان الحصول على أي معلومة تتعلق بفن التصوير الضوئي يتطلب جهداً كبيراً وصبراً. أما الآن فقد تغيرَ المشهد تماماً فوسائل التواصل الاجتماعي ومنصات مثل: (يوتيوب، الأنستغرام، الفيسبوك..) جعلت المعرفة في متناولِ الجميع.
فانتشرت الورش والمحاضرات بشكل واسع، وأصبح الناس أكثر وعياً واهتماماً بالتصوير وإدراكاً لأهمية الصورة، خصوصاً مع توفر التقنيات الحديثة وكاميرات الهواتف المتحركة التي يحملها الجميع، إلى جانب المنافسة المتزايدة في استخدام الأجهزة المتخصصة، ونشر الصور عبر منصات التواصل الاجتماعي.
هذه البيئة الجديدة وفرت فرصاً ضخمة للتعلم والتطور، وجعلت التصوير فناً أكثر حضوراً في حياة الناس لكنها أيضاً رفعت سقف التحدي أمام المصورين للتميز عبر المعرفة العميقة والرؤية الفنية الأصيلة.
◉ شاركتَ في تحكيم عدة مسابقات في مجال التصوير والفن التشكيلي، ما أبرز الجهود التي بذلتها للإعلاء من شأن التصوير والفن؟
شاركتُ في تحكيم عدة مسابقات تصوير، وكان دافعي الأساسي هو دعم المواهب الناشئة، والمساهمة في تعزيز الذائقة البصرية لدى الجمهور والمجتمع الفني. حرصت خلال عملي على تقييم الأعمال بأسس فنيّة وإنسانية دقيقة مع التركيز على تشجيع المصورين على تطوير رؤيتهم الشخصية والإبداعية، بعيداً عن التقليدية أو مجرد السعي للحصول على الجوائز. أؤمن أن دور المحكم يتجاوزُ اختيار الأفضل ليشمل دعم نمو الفنان وتمكينه من التعبير عن فنه بشكل أصيل ومؤثر.
◉ حدثنا عن أعمالكَ في مجال التصوير الضوئي في دولة الإمارات العربية المتحدة؟
سجلي الفني في الإمارات يمتد لأكثر من ثلاثين عاماً، شاركت خلالها في العديد من المعارض الفردية والجماعية، وكانت أعمالي جزءاً أساسياً من ملاحق وكتب متخصصة في التصوير والفن والثقافة، بالإضافة إلى مساهماتي في مجلات وصحف إماراتية بارزة ومؤثرة مثل صحيفة البيان، وصحيفة الإمارات اليوم، وصحيفة الرؤية الإماراتية.
ومن آخر إنجازاتي أو أعمالي في عام 2025م، شرف إقامة معرض لي ضمن المعرض الدولي إكسبوجر 2025م، في الشارقة بمنطقة الجادة، بعنوان: "مساجد الإمارات: تناغم الفن والروحانية"، عرضتُ فيه ثلاثين عملاً، وبعد ذلك أقيم في معرض إكس جاليري على مسرح المجاز، والذي حظي بإعجاب كبير وصدى إيجابي من الزائرين.
كما شاركت في معرض فوتوغرافي في ندوة الثقافة والعلوم بدبي، حيث قدمت أعمالاً توثق فن العمارة الإسلامية في مساجد الإمارات، مما ساهم في تعزيز الوعي الثقافي والفني بهذه الهوية الفريدة.
حالياً أعمل على مشروع إصدار كتاب فوتوغرافي يوثق مساجد الإمارات، من خلال تسعة وتسعين صورة مستوحاة من أسماء الله الحسنى. هذا المشروع يعكس حرصي على مواصلة توثيق الإرث الثقافي والفني الإماراتي، وأسعى لإنهائه قريباً بإذن الله ليكون إضافة قيمة تعبرُ عن الفن والروحانية في عمارة مساجد الإمارات.

◉ حصدتَ أكثر من 25 جائزة محلية ودولية، ماذا تمثلُ لكَ؟
الجوائز تمثلُ تقديراً لمسار طويل من العمل والاجتهاد، لكنها ليست الهدف بحد ذاتها. الأهم بالنسبة لي هو الاستمرار في تقديم أعمال صادقة تحترمُ عقل المتلقي، وتضيفُ قيمة بصرية وثقافية للمشهدِ الفني.
◉ عملت في عدة مسابقات لفن التصوير الفوتوغرافي، هل يهددُ الذكاء الاصطناعي مهنة التصوير؟
بالنسبة لي الذكاء الاصطناعي أصبح حقيقة وجزءًا من حياتنا مثل الأنترنت، وسيرتبطُ أكثر مع مرور الوقت. استخدامه الصحيح سيكون مفيداً جدّاً للمجتمع ويساعدنا في كثير من جوانب حياتنا اليومية. لكن إذا استخدم بطريقة خاطئة قد يسبب مشكلات كثيرة ويؤثر على مفهوم الحقيقة، خاصة في عالم التصوير. لذلك من الضروري أن نحرص على الاستخدام السليم ونضعُ ضوابط تَمنعُ سوء الاستخدام. وأتوقعُ أن الذكاء الاصطناعي سيشهد تطوراً كبيراً في المستقبل، وسيكون له دور أكبر في حياتنا اليومية.
◉ ما مشاريعك المستقبلية؟
دائماً ما أبحث عن مشاريع غير تقليدية تعكس رؤية جديدة؛ لأنني أؤمن بأن لكل منا دوراً فنياً ورسالة تستحق أن تعبر بأعمق صورة. أسعى أن تحمل مشاريعي القادمة قيمة إنسانية وفنية تتجاوز المألوف وتثري المشهد الثقافي ببصمة فريدة.
التصويرُ بالنسبة لي أكثر من تسجيل للواقع هو وسيلة تواصل وتأثير، وأطمح من خلال عملي أن أفتح أفقاً جديدة للفهم والشعور، وأن أنقل قصصاً تحمل رسائل إنسانية تلامس القلوب والعقول.
هدفي أن تبقى أعمال عملي رسالة حية تنمو وتلهم وتترك أثراً إيجابياً مستداماً في حياة الناس والمجتمعات، وأن يكون لها حضور دائم يبقى للأجيال القادمة.