عن مَوسم "الهانامي 花見"

أنا من زمنٍ كرزيِّ الطعم

غفران الغريباوي

ذات مرةٍ تحدّثت مع صديقٍ أثق بحكمته الحياتية، فسألته بنبرة المستغرِب، بينما يحتسي قهوته الداكنة: لماذا يحتفي اليابانيون بموسم الهانامي إلى هذه الدرجة، رغم أن لديهم مواسم فاتنة أخرى تتفتح فيها البلاد بالأزهار على امتداد العام؟ يخرج الناس ليجلسوا تحت ظلال أشجار الكرز، يراقبونها من مقاعدهم في صمت بعيد كحرّاس لُطفاء، ثم يلتقطون الصور ببهجة العيد وتأملٍ دافئ، وكأنهم يقتطفون لحظاتٍ فريدةً من الزمن.

فأجابني بابتسامةٍ تُذيع إليّ المعنى حتى مع الصمت: ربما لأنهم يعرفون أن أزهار الكرز تحديدًا لا تدوم، وأن فقدانها أسرع مما نظن. إنها كضيفٍ سريع، لكنه ضيفٌ استثنائي يمر بالحياة كلمح البرق.

شعرتُ كأن أحدًا أوقد شعلةً في غرفة ذاكرتي، ففُتحت نافذةٌ من الماضي دفعةً واحدة، تمامًا كما فعلت قطعةُ المادلين المغموسة في الشاي حين أعادت إلى مارسيل بروست طفولته بأكملها. أدركتُ حينئذٍ أن الجواب لم يكن يقيم في جغرافيا اليابان التي فسحت لي مجالًا لتأويلي الفكري؛ وإنما كان ينبثق من أعماقي، ومن ذاكرة كلِّ بشرٍ شعر يومًا بأن شيئًا جميلًا يفلت من بين يديه، فاشتهاه أكثر. عندها بدا لي الهانامي ليس احتفاءً بشجرة الربيع، بل استجابة الإنسان القديمة لكل ما يعرف أنه مهدد بالذوبان المفاجئ.

ففي قفزةٍ من الصفاء العابر، قلت له: نعم يا صديقي، نحن أشبه بأزهار الكرز. حتى إذا أوشكنا على الرحيل، لم نعد بعاديّتنا المعهودة، بل نتحول إلى ذكرى نبيلة، وطقسٍ وجودي يتخذ شكل الخلود في الذاكرة الجمعية لمن نحب.

ربما لا تكمن حكاية الهانامي في أشجار الكرز وحدها، بل في صيرورة الإنسان نفسه ككائنٍ غريب؛ لا يعتاد الشيء لأنه نادر، بل يهمله لظنّه بخلود الأثر، فلا يلتفت إليه إلا حين يفلت. مثل كلِّ شيءٍ حوله؛ البراءة المنفتحة على العالم، وصوت المعلم، ثرثرة الأصدقاء المسببة للغثيان، وجبات الأمهات غير المحببة للنفس، ودكان الحي، ورسائل البريد، وحتى الكلمات التي نظن أنها ستنتظرنا إلى الأبد… كلها تستحق هاناميها الخاص؛ احتفاءً لا يؤجل منزلتها إلى ما بعد الغياب، ولا يرفعها إلى مرتبة المقدس إلا بعدما تتلاشى كقطرات الندى من بين الأصابع. فربما كانت هذه هي صبغة التأليه الوحيدة التي يستحقها البقاء.

ولأنني من جيل ما قبل توثيق اللحظات؛ جيل الانتظار، والقلق، ورائحة الدكاكين، وقطع الحلوى، لم نكن نعرف أننا نعيش أيامًا ستغدو، بعد سنوات، أثمن ما نملك. كنا نظن أن الطريق سيبقى هو الطريق المشوّق إلى المدرسة، وأن العجوز سيظل خلف منضدته في دكانه الصغير والمظلم، نبتاع منه حلوانا، كأن ذلك المكان هو الوحيد الذي تنبعث منه رائحة الحلوى في العالم، وأن الرسائل ستواصل الوصول، وأن العمر يتسع لكل شيء يمضي.

ربما لهذا يحتفي اليابانيون بالكرز؛ إنها محاولةٌ بشريةٌ نبيلة لإيقاف الزمن من الانسكاب المذهل، أو على الأقل لالتقاط عطر العابر قبل أن يتبدد. لا لأنه أجمل الأزهار، بل لأنه يذكرهم بما ننساه نحن كل يوم: أن ما يختبئ في التفاصيل الصغيرة هو المستودع الأكبر لذاكرتنا الحميمة.

وربما لهذا أيضًا، كلما تقدمت بنا الحياة، اكتشفنا أن أجمل ما مر بنا لم يكن استثنائيًا في حينه، بل كان عاديًا إلى الحد الذي جعلنا نضمن بقاءه حتى غاب عنا. 

وحده الموت الصغير يجرؤ على خلق ذلك الفضاء الذي تتاح فيه للفضيلة فرصة الولادة من جديد.

يا إلهي كم نحن كائنات غريبة المذاق حقًا! لا نتقن فن التلذذ إلا بطعم الوشك.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها