تعود الفلسفة إلى الواجهة كلما واجه الإنسان لحظات ارتباك كبرى، لحظات يشعر فيها بأن العالم لم يعد مفهوماً بالقدر الذي كان عليه، وأن المعاني التي استند إليها طويلاً بدأت تفقد قدرتها على الإقناع. في مثل هذه اللحظات، لا تُستدعى الفلسفة بوصفها معرفة جاهزة، ولا باعتبارها تاريخاً من الأفكار المنجزة؛ وإنما بوصفها مساحة للتفكير ومجالًا مفتوحاً للسؤال، ومحاولة لفهم ما يحدث حين تتعقّد العلاقة بين الإنسان والعالم.

ضمن هذا الأفق، يأتي كتاب (الفلسفة والمشكلات المعاصرة: التطرف، الاغتراب الثقافي نموذجًا) للمفكرة الأردنية د. نادية سعد الدين، بوصفه مساهمة فكرية تسعى إلى ربط الفلسفة بقضايا حاضرة بقوة في الوعي المعاصر. يضع الكتاب مسألتين مركزيتين في قلب النقاش، التطرف والاغتراب الثقافي، ويقترح الفلسفة إطاراً للتفكير فيهما، لا باعتبارها حلاً تقنياً؛ وإنما بوصفها أفقاً عقلانياً يمكن أن يساعد على الفهم، والتأمل، وإعادة النظر.
ينطلق الكتاب من قناعة أساسية مفادها أن التطرف لا يمكن فهمه بعيداً عن أزمة الوعي وأن العنف، في أحد أبعاده، يرتبط بانغلاق التفكير، وبغياب القدرة على الحوار، وبهيمنة أنماط من اليقين لا تترك مجالاً للاختلاف. من هذا المنطلق، تُستدعى الفلسفة باعتبارها ممارسة عقلية تقوم على السؤال، والشك، والنقاش، وتسعى إلى كسر منطق الأحادية الذي يغذّي النزعات المتطرفة.
هذا التصور يضع الفلسفة في موقع أخلاقي ومعرفي مهم، ويعيد لها دورها بوصفها قوة تفكير في المجال العام، لا نشاطاً ذهنياً معزولاً. فالدفاع عن العقل، وعن الحوار، وعن التفكير النقدي، يظل رهاناً ضرورياً في زمن تتكاثر فيه الخطابات المغلقة، وتتراجع فيه المساحات المشتركة. في هذا المعنى، يقدّم الكتاب رؤية ترى في الفلسفة إمكانية لإعادة التوازن إلى وعي الفرد، وإلى العلاقة بين الإنسان وذاته، وبين الفرد والمجتمع.
في تناوله للتطرف، يركّز الكتاب على البعد الفكري والثقافي للظاهرة، ويربط انتشارها بضعف التفكير النقدي وبسوء الفهم، وبالانسداد الذي يصيب العلاقة بين الفرد والعالم. هذا الربط يفتح المجال أمام التفكير في التطرف بوصفه تعبيراً عن أزمة معنى، لا مجرد انحراف سلوكي أو ظاهرة أمنية. فحين يفتقد الإنسان أفقاً واضحاً للفهم، وحين يشعر بأن العالم لا يمنحه مكاناً معترفاً به، يصبح أكثر قابلية للانجذاب إلى أفكار تمنحه يقيناً واضحاً ومعنى مكتملاً.
من هذا المنظور، تبدو الفلسفة في الكتاب أقرب إلى دور المصاحبة الفكرية، لا المواجهة الصدامية. فهي لا تُقدَّم كسلطة بديلة، ولا كخطاب إقصائي مضاد؛ وإنما كدعوة مفتوحة إلى التفكير، وإلى إعادة النظر في المسلمات، وإلى استعادة قيمة السؤال بوصفه فعلًا إنسانياً أساسياً. هذا الاختيار يمنح النص طابعاً هادئًا، ويجعله قريباً من القارئ غير المتخصص، دون أن يفقد صلته بالأفق الفلسفي العام.
أما الاغتراب الثقافي، فيتناوله الكتاب بوصفه أحد أبرز مظاهر التحولات المعاصرة، حيث يجد الفرد نفسه ممزقًا بين أنماط قيم متعدّدة وسرديات متنافسة وصور متناقضة عن الذات والعالم. في هذا السياق، يُفهم الاغتراب بوصفه حالة شعورية يعيشها الإنسان حين يشعر بالمسافة بينه وبين ثقافته، أو بينه وبين القيم التي يُفترض أن تمنحه الإحساس بالانتماء.
✧✧✧
يُعالج الكتاب هذه الحالة من زاوية ثقافية وتربوية، ويقترح أن تعزيز الوعي الفلسفي يمكن أن يساعد الفرد على فهم موقعه داخل هذا التعدد، وعلى بناء علاقة أكثر توازناً مع ذاته ومع محيطه. فالفلسفة، من هذا المنظور، ليست بحثاً عن إجابات نهائية؛ وإنما تدريب على العيش داخل السؤال وعلى تقبّل التعقيد، وعلى التعامل مع الاختلاف بوصفه جزءاً من التجربة الإنسانية، لا تهديداً لها.
لغة الكتاب تعكس هذا التوجه بوضوح. فهي لغة هادئة، مباشرة، تميل إلى الشرح والتقريب، وتبتعد عن المصطلحات الثقيلة وعن الجدل النظري المعقّد. هذا الأسلوب يجعل النص قابلاً للقراءة في فضاء ثقافي عام، ويمنحه بُعداً تربوياً واضحاً، حيث لا يُفترض بالقارئ أن يمتلك خلفية فلسفية معمّقة؛ وإنما أن يكون منفتحاً على التفكير والتأمل.
في هذا الإطار، لا تسعى الفلسفة إلى فرض نفسها، ولا إلى تقديم أحكام نهائية؛ وإنما إلى فتح مساحة للحوار الداخلي وللتفكير الهادئ في الأسئلة التي يطرحها الواقع. التطرف والاغتراب لا يُقدَّمان كقضايا معزولة؛ وإنما كأعراض لتحولات أوسع تمسّ علاقة الإنسان بالمعنى، وبالهُوية، وبالعالم المتغير من حوله.
يمكن النظر إلى الكتاب، في ضوء ذلك، بوصفه دعوة إلى إعادة الاعتبار للتفكير الفلسفي في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتقلّص فيه فرص التأمل. دعوة لا تدّعي امتلاك الحل ولا تقدّم وصفات جاهزة؛ وإنما تذكّر بأهمية السؤال، وبقيمة العقل حين يعمل في أفق إنساني مفتوح.
بهذا المعنى، لا يقف الكتاب في موقع المواجهة، ولا في موقع الإدانة؛ وإنما في موقع المصاحبة الفكرية، حيث تُطرح القضايا بوصفها مشكلات قابلة للفهم، لا أحكاماً مغلقة. وهو اختيار يمنح النص طابعاً ثقافياً هادئاً، ويجعله مناسباً للقراءة في سياق يبحث عن الفهم أكثر من البحث عن الصراع.
في زمن يعلو فيه صوت اليقين، ويضيق فيه مجال السؤال، تأتي مثل هذه المحاولات لتذكّر بأن الفلسفة لا تزال قادرة على لعب دورها، ليس باعتبارها سلطة فكرية؛ وإنما باعتبارها مساحة حرّة للتفكير، ووسيلة لفهم الذات والعالم، ومحاولة دائمة لإعادة الإنسان إلى مركز التجربة، لا بوصفه حاملًا لإجابات جاهزة؛ وإنما بوصفه كائناً يسأل، ويتأمل، ويبحث عن معنى وسط عالم شديد التعقيد.