"مشط الكرن".. صنعة مغربية على وشك الاندثار

حميد الأبيض

◄ تتنفس المدينة العتيقة لفاس المغربية، هواء الإبداع في كل دروبها وأزقتها الضيقة وبين أسوارها الشامخة. وتعج بمهن وحرف ضاربة في القدم، بعضها يعود لتاريخ تأسيس المدينة قبل أزيد من 12 قرناً.

◄ حاجة الإنسان الفاسي إلى متطلبات ومواد وتجهيزات يستعملها بشكل شخصي وفي منزله، جعلته يبدع في صناعتها، ويتفنن في ذلك بأنامل ذهبية، ترسم خارطة طريق حرف وصناعة تقليدية رائدة وصامدة.

◄ لكن ما كل الحِرف الكثيرة التي ازدهرت بين أسوارها، صمدت في زمننا أمام المكننة وتطور الحياة اليومية، وعصرنة ما يستعمله الإنسان من مواد كان ينتج عينات كثيرة ومتنوعة منها، بنفسه.

◄ ظهور صناعات بديلة وأكثر تطوراً، "قتل" حرفاً أبدع فيها الفاسيون وعاشوا منها، ومن صناعة تقليدية متأصلة اندثر بعضها والباقي في الطريق للاندثار لعوامل وأسباب مختلفة.
 

◄ صناعة الأمشاط

صناعة "أمشاط الكرن" أو العظم، حرفة فاسية بامتياز. ازدهرت طويلاً بعاصمة العلم والثقافة، في ظل تزايد الحاجة الماسة إليها لا سيما لمشط الشعر وتنظيفه.. وفي استعمالات أخرى مختلفة. زنقة المشاطين بالمدينة القديمة لفاس، احتضنت طيلة قرون، عشرات الحِرفيين لم يتبق منهم إلا واحد يقاوم زحفاً جارفاً لأمشاط عصرية مشطت ما تبقى من أمل في إنقاذ حرفة تباهى بها الفاسيون.
صناعتها لم تكن تحتاج لغير قرون الأبقار، وفنية وحرفية صانعيها الذين تقلص عددهم تدريجياً بغزو المنتجات العصرية لسوق كسدت، ولصناعة لم تعد كافية لتوفير مستلزمات حياة ممتهنيها.
الإقبال على "مشط الكرن" كان كبيراً في زمن لم يكن فيه وجود لمختلف الأنواع الحالية من الأمشاط. ارتفاع الطلب أنعش دخل الحرفيين وازداد بشكل جعل منها مصدر عيشهم دون غيره من مصادر التمويل.
لكن هذا الوضع لم يصمد طويلاً أمام غزو الأشكال المختلفة والمتنوعة من الأمشاط، مما أثر سلباً على دخل الحرفيين، وجعل العشرات منهم يتخلون عن حرفة عاشوا منها وأبدعوا فيها سنوات طويلة.


◄ قرون أبقار

شكلت قرون الأبقار على مر العصور، مادة أولية لا غنى عنها في صناعة "مشط الكرن"، في عملية لم تكن سهلة أو بسيطة كما قد يتوقع، بل كانت متعبة للحرفي، وتحتاج إلى دقة متناهية وتركيز تام ونباهة أكبر.
يجمع الحرفي القرون من المجازر، وينظفها بدقة كبيرة في مرحلة يعقبها تسخينها فوق نار هادئة حتى لا تحترق ولكي تصبح أكثر ليونة. حينها يقسمها بألة ضاغطة، إلى أجزاء وصفائح بأحجام مستطيلة وصغيرة.
هذه الصناعة لا يتقنها غير موهوبين اشتغلوا في 16 محلاً متراسة بـ"رحبة المشاطين"، قبل أن يتقلص رقم المحلات والصناع، بعدما استعاض الناس عن هذا المشط بذاك البلاستيكي الأرخص والأقل جودة.
الكثير منهم توارثوها وورثوا عن آبائهم "صنعة يلا ما غنات، تستر" برأي المثل المغربي. "صنعة" تحتاج دقة تتجسد بالخصوص في رسم ونحت أسنان المشط بمنشار خاص، قبل صقله بسكين حاد من أجل تلميعه.

◄ موت سريري

قديماً كان مشط العظم مكوناً رئيسياً وأساسياً ليس فقط في الاستعمال الشخصي للنساء والرجال، بل ضمن ما تجهز به العروس من وسائل زينة وحلي وملابس، ما لم يعد حالياً ويتحسر عليه الجميع.
مآلها أبعد الكثير من صناعها عنها، لا سيما مع استعاضة الناس عن تلك الأمشاط بأخرى معصرنة مجاراة للموضة، ما ساهم في هزالة مدخول ممتهنيها منها، وعزوفهم عن تعليم أبنائهم وأقاربهم الحرفة.
الراحلون لدار البقاء منهم أو المبتعدون عنها، لم يعلموا أبناءهم هذه "الصنعة"؛ لأنهم لا يريدون إكراه أحد على شيء قد لا يرضاه أو لا يجد ذاته فيه، أو لم يعد "يوكل الخبر" في ظل ضعف الطلب.
حال الحرفة لا يرضي ويتحسر الجميع على مآلها، بعدما مات مشاطو ساحة المشاطين بالمدينة القديمة لفاس، دون أن يورثوها لأبنائهم النافرين منها لتقلص دخلها الهزيل وقلة الإقبال عليها.
هذا الواقع المر يتحسر عليه كل غيور على حرفة تعيش موتاً سريرياً، يحن للزمن الجميل حيث الرواج كبير والغيرة أكبر على قطاع يعيش ما عاشته قطاعات أخرى ماتت بوفاة آخر ممتهنيها.
"مشط الكرن" حالياً لم يعد سوى أداة للزينة، وتحول لمجرد "ديكور" أو تذكار يهدى لمن ما زال في قلبه حب وحنين للأصيل من تراثنا الزاخر، بعدما كان له "همة وشان" بتعبير الدارجة المغربية.
 

◄ آخر صانع

محمد السعيدي آخر صانعي مشط القرن متبق بفاس بعدما ضحى بالغالي والنفيس للحفاظ عليها. مارس الحرفة صغيراً بعدما لقنه أبوه أسرارها، وكبر في حضنها وعاش بمدخولها وعايش إشعاعها وأوج بريقها.
الرجل قضى أكثر من خمسة عقود في صنع أمشاط يتفنن في إبداع أشكالها بأنامل ذهبية خبرت الكثير في صنعها عايش طويلاً مع اندحارها التدريجي المستمر، ويتحسر على مآلها، ويتخوف على مستقبلها.
هذا الرجل اللبق البشوش المبتسم في وجه الجميع، هو صاحب آخر ورشات صناعة مشط الكرن، بعدما اندثر الباقي وانسحب أقران جايلهم وعاش معهم أزهى فترات من عمر صناعة لم تعد تسهوي إلا سياحاً.
محمد قاوم ويقاوم واقعاً لا يرضيه. ويتحسر على مآل صنعة "لم تعد الآن قادرة لا على الستر ولا توفير لقمة العيش"، في انتظار ما قد ينعشها على الأقل باعتبارها موروثاً ثقافياً عار أن ينمحي من واقعنا.

◄ حلم الانتعاش

عبثاً يحاول محمد إدخال تعديلات وتحسينات على هذه "الصنعة" الفاسية بامتياز، لعصرنتها وجعلها أكثر لفتاً لانتباه الزبناء أملا في إقبالهم عليها. لكن تحسين المدخول منها، حلم يتبخر يوماً عن آخر.
يبيع هذا الرجل المشط بـ50 درهماً في أحسن الأحوال، وإن كان الزبون سخياً وعطوفاً على هذه الصنعة، ما لا يغطي حتى تكاليف المواد الأولية، وساعات العمل الطويلة التي يقضيها في نحته وتزيينه وتلميعه.
الثمن لا يوازي أبداً حجم المجهود المبذول طيلة مراحل الصنع بدْءاً من شراء قرون الأبقار والأكباش، ومروراً بتسخينها وقطعها إلى صفائح تتشكل منها أمشاط بأحجام مطلوبة، وبدقة متناهية في عملية تطول.
الرجل ينتج بقدر استطاعته رغم كل الظروف والمثبطات وعمره وحالته الصحية، لكن من يشتري منه سلعة لم تعد صالحة إلا للتزيين وكديكور وهدية من سائح أجنبي منبهر ببراعة صانعها.
ولأمر اختلال التوازن بين العرض والطلب، وغياب الدعم المادي والتشجيع من طرف الجهات الوصية على قطاع الصناعة التقليدية، ما يفتح مستقبل "الصنعة" على فوهة مفتوحة قد تقبرها بوفاة آخر ممتهنيها.
 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها