
ثمة في تاريخنا الثقافي عدد من المغيبات التي طواها النسيان لأسباب عدة، لعل منها بُعد الشُّقة الزمانية بين عصرنا الحالي -المطبوع بالسرعة والتنامي السريع لمختلف مظاهر التطور التكنولوجي- وما عرفته الساحة الثقافية في أواخر القرن التاسع عشر، وفي النصف الأول من القرن العشرين. لذلك لم تتبلور لدى المتلقي العربي المعاصر رؤية واضحة لما كان يعتمل في تلك الأيام في الساحة الثقافية من توهج وإشعاع، ولاسيما بعد أن تعرف عدد من المثقفين العرب على معالم الثقافة الأوروبية فكراً وأدباً وفنوناً... عندما ارتحلوا إليها في طلب العلم وأملا في مصادفة الجديد. لقد كان هذا ديدن عميد الأدب العربي "طه حسين"، وشيخ النقاد العرب "محمد مندور"، والناقد والمترجم المتميز "لويس عوض"، والناقد والكاتب والممثل والمخرج المسرحي "زكي طليمات"، والمفكر الفلسفي "عثمان أمين" وغيرهم كثير.
في هذا السياق، وتوخياً لبعث عَلَم عربي من أعلام الثقافة والفن من غياهب النسيان، ورغبة في تقديم وجه آخر من أوجهه لم يتح للكل التعرف عليه، تروم هذه الورقة البحث في مرحلة التكوين الفني والأكاديمي للفنان المصري المتعدد "فتوح نشاطي" (1901-1974)، الذي عُرف لدى أغلب المشاهدين بأدواره السينمائية والمسرحية، بيد أن وجهه المثقف كان متوارياً خلف حضوره الفني؛ فقد درس الإخراج المسرحي ومختلف الفنون المسرحية الأخرى في فرنسا لمدة قاربت ثلاث سنوات (ابتداءً من 11 فبراير 1937)، وترجم عدداً هائلاً من المسرحيات الأوروبية إلى اللسان العربي، وأخرج عدداً كبيراً آخر. ويعد كتابه يوميات فنان في باريس 1938، الصادر عن دار الهلال في النصف الأول من القرن العشرين (جميع الإحالات إلى هذه الطبعة)، مصدراً على قدر كبير من الأهمية، يَحكي فيه المؤلف على مدى اثني عشر فصلا تحمل عناوينها أسماء أشهر السنة، يومياته في عاصمة الأنوار خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 1938، إلى 30 ديسمبر من نفس السنة. ولن يختلف اثنان في أن العنوان الأبرز لهذه الرحلة الدراسية والسياحة الثقافية في بلاد الأنوار، لن يكون سوى "في عشق الفن المسرحي".

فعلى امتداد أكثر من مائة وستين صفحة، ينقلنا "فتوح نشاطي" بسلاسة تفوق الوصف إلى عالم "الكوميدي فرانسيز"، ومسرح "الأوديون"، ومسرح "مونبرناس"، ومسرح "الأتيلييه"... مباشرة قبل الحرب العالمية الثانية، وإلى ما كانت تعرفه -وغيرها من مسارح باريس- من دينامية مدهشة على مستوى تقديم الأعمال المسرحية، وتداريب العروض، والسهرات الفنية المبهرة؛ فنحضر معه مختلف تلك الفرجات، ونستمع وإياه إلى آراء النقاد، وحواراتهم مع المبدعين والمخرجين...
ولم يكتف "فتوح نشاطي" بهذا الأمر فقط، بل إنه ضمن يومياته بعض إبداعاته الشعرية والقصصية، ومساهماته الفنية والنقدية، مما تأتي عفو الخاطر، أو تتفتق لمناسبة معينة، أو لحدث يخلف في نفسيته أثره البالغ. ومن ذلك مثلا قصيدته النثرية النخلة والصفصافة؛ فبسبب رداءة الأحوال الجوية في باريس، تذكر فناننا لمحة من شبابه؛ حيث قال: "استمر الجو العاصف الممطر طوال الليل (...) فتذكرت جلساتي الأثيرة في مطلع شبابي على ضفاف النيل بالجزيرة، وبيدي كتاب أقرأ فيه وقد أسندت ظهري إلى جذع نخلة تجاور شجرة صفصاف" (ص: 10). ومن ذلك أيضاً أنه ضمَّن يومياته الحوار المثير الذي أنجزه مع مؤلف مسرحية القبلة القاتلة "لوك لجويادك"، والتي كان قد نقلها في وقت سابق (سنة 1929) إلى اللسان العربي، ومُثلت على مسرح رمسيس، ببطولة يوسف بك وهبي، وأمينة رزق (ص: 16). ومن ذلك كذلك مقال على هيئة مونولوج وطني مطول حول سعد زغلول بعنوان وصية سعد الأخيرة (ص: 35)، وكذا نقله لإحدى قصص الكاتب الفرنسي الكبير "أناتول فرانس" إلى العربية، بعنوان جزيرة البنجوين (ص: 91-96)، أو تعريبه لإحدى قصائد الشاعر الفرنسي "رونسار" نثراً (ص: 154)، وغير ذلك كثير.
بيد أن ما يثير الانتباه بالفعل في هذه اليوميات هو شيئان من الأهمية بمكان: أما أولهما فيرتبط بالكم الهائل من المسرحيات التي شاهدها "فتوح نشاطي" خلال هذه الفترة، وما أفرزه ذلك من آراء ووجهات نظر شكلت أفقه الفني، وأثرت نظرته الإبداعية. وأما ثانيهما فيتصل بمجموعة هامة من الكتب النقدية المسرحية التي كان يدرسها "نشاطي"، والتي لم يعد لها ذكر أو مجرد أثر في أيامنا هذه؛ بالإضافة إلى عدد من المحاضرات التي حضرها آنذاك، والتي تقدم مادة خِصبة تتيح للمتلقي فرصة للتعرف على طريقة تدريس فنون المسرح، وطرائق تعامل الأساتذة وكبار المؤلفين والمخرجين مع مختلف مكونات الفعل المسرحي؛ مكتوباً كان أو معروضاً، فضلاً عن الوقوف على أفكار مسرحية جديدة، بما يضمن وصلا للحاضر بماضيه الغابر غير المطروق. وهذا بيان موجز للأمرين معا:
✧ مسرحيات ومسرحيات.. في تشكل الذائقة النقدية ✧
شاهد "فتوح نشاطي" خلال سنة 1938 عدداً يتعذر إحصاؤه من المسرحيات التي أديت على خشبات مختلف مسارح باريس، وهو ما كان يدخل في صميم دراسته لفن الإخراج المسرحي. لهذا فقد حضر مسرحيات معاصرة تعرض للمرة الأولى خلال سنة 1938، كما شاهد مسرحيات كلاسية من أمهات المسرح العالمي: الفرنسي والإنجليزي والإيطالي، والإسباني من أجل التعرف على طريقة تعامل المخرجين المسرحيين معها في ظل تطور أدوات الاشتغال المسرحي آنذاك، على مستويات الإنارة والصوت والديكور والملابس والماكياج...
فمن مسرحيات النوع الأول نذكر على سبيل التمثيل مسرحية المتوحشة لـ"جان أنوي" على مسرح بتيوئيف (ص: 13)، ومسرحية خبز العائلة لـ"جول رينار"، ومسرحية الخصام لـ"جان نيلدراك" (ص: 25)، ومسرحية بلوتوس أو الذهب لـ"أرسطوفان" اقتباس لـ"سيمون جوليفيه" (ص: 33)، ومسرحية جنون الحب لـ"بيريه شابوي" بمسرح شارل دي روشفور (ص: 33)، ومسرحية أهل اللامبالاة لـ"ستيف باسور" (ص: 47)، ومسرحية سبتمبر لـ"كونستانس كولين" (ص: 66)، ومسرحية شقاوة الآباء لـ"جان كوكتو" (ص: 150).
ومن مسرحيات النوع الثاني نذكر على سبيل التمثيل -لا الحصر- مسرحية أسمودية للكاتب الفرنسي "ليساج" (ص: 10-11)، ومسرحية سافو لـ"ألفونس دودي" (ص: 27)، ومسرحية إيفيجينيا لـ"راسين" (ص: 31)، ومسرحية مفاجأة الحب (ص: 31) ومسرحية المسارات المزيفة (ص: 58) ومسرحية المشاجرة لـ"ماريفو" (ص: 73)، ومسرحية هملت (ص: 42) ومسرحية يوليوس قيصر (ص: 45) ومسرحية تاجر البندقية لـ "شكسبير" (ص: 81)، ومسرحية شاترتون (ص: 52) ومسرحية فيم تحلم الفتيات (ص: 56) ومسرحية نزوة لـ"ألفريد دي فيني" (ص: 98)، ومسرحية البورجوازي النبيل (ص: 65) ومسرحية طرطوف لـ"موليير" (ص: 98)، ومسرحية الزفاف الدامي لـ"لوركا" (ص: 83)، ومسرحية السيد لـ"كورني" (ص: 104)، ومسرحية ماري تيودور لـ"فكتور هوجو" (ص: 105).
ولم يكن "فتوح نشاطي" يكتفي بوصف العرض المسرحي الذي شاهده؛ وإنما كان يحاول تلخيص مضامين أغلب ما شاهده من مسرحيات، وتقديم وجهة نظره في حبكتها ونمط صراع الشخصيات فيها، وطريقة الإخراج والإضاءة، بل إنه أحياناً يستعرض حتى أسماء الممثلين، والممثلات، وفنيي المسرح.
فعن مسرحية المشاجرة لـ"ماريفو" – مثلا – قال: "لجأ راسم المناظر فيرتيس إلى حيلة مبتكرة في إخراج المسرحية في الكوميدي فرانسيز؛ فالستار لا يرتفع في هذه المسرحية عن المنظر كما هو معتاد، بل يتقدم قزم رمزي من مقدمة المسرح وبيده مقص هائل يقص به الستار إلى أعلى؛ كي يكشف للنظارة عن منظر كله شعر وخيال. وهذه طريقة مبتكرة... وعصرية" (ص: 73-74)، مستفيداً بذلك بشكل عملي وتطبيقي من طريقة فريدة في الإخراج المسرحي سيوظفها في إخراجه لمسرحياته الخاصة في مصر. وعن مشاهدته لمسرحية مدام كابيه قال: "شاهدت للمرة الثانية مدام كابيه بمسرح مونبرناس بعد أن حضرت بعض التدريبات عليها. ما زلت معجباً بتمثيل مارجريت جاموا، لما تودعه من إنسانية عميقة في دور الملكة ماري أنطوانيت، خاصة في الجزء الأخير خلال اعتقالها في سجن التامبل (...) لن يكون المسرح عظيماً إن لم يرتفع تارة إلى القمم النبيلة، ويهبط تارة أخرى إلى دركها السحيق من أهواء النفس البشرية" (ص: 26-27)؛ مبدياً في ذات الوقت إعجابه بواحدة من أهم ممثلات فرنسا خلال النصف الأول من القرن العشرين – ومن ثمة فهو يحيلنا إلى التعرف عليها والبحث عنها، نحن أبناء القرن الحادي والعشرين، والاطلاع على ما أنجزته – ويقدم تصوراً عميقاً لما يجب أن يروم المسرح تحقيقه من خلال عروضه الجماهيرية.
ولم تكن تعليقاته على المسرحيات التي شاهدها كلها مدح وتقريض وإعجاب، بل إنه في كثير من المناسبات وجه لما شاهده نقداً قوياً، يشي بخلفيته الأكاديمية الرصينة ومواكبته للجديد في مجال تخصصه. فبعد مشاهدته لمسرحية سبتمبر للكاتبة "كونستانس كولين"، أكد أن "موضوع المسرحية مكرر مستهلك، بيد أنه يمتاز في رأيي بتصوير صادق للجيل الحاضر، وخاصة للطلبة والمراهقين، يصورهم في خشونة طباعهم وألفاظهم، في أنانيتهم وقحتهم (...) إن النفوس في هذه المسرحية عارية" (ص: 66). فعلى الرغم من أنه لم يستسغ موضوع المسرحية من حيث غياب الجدة فيه، إلا أنه لم يبخسها حقها من جانب واقعيتها التي قد تنحو نحو المذهب الطبيعي (نسبة إلى الكاتب الفرنسي "إميل زولا") في تصويرها الدقيق والفوتوغرافي لشباب ثلاثينيات القرن العشرين. إلا أنه يعود في نفس الصفحة إلى إعجابه – هذه المرة – بالممثلين الشباب الذين أدوا أدوارهم في هذه المسرحية؛ حيث أبدى إعجابه خصوصاً بالممثلة الشابة "بوريل حفيدة الممثلة العظيمة ريجان" (ص: 66).
ومن خلال مشاهداته المتعددة للعروض المسرحية، فقد تكونت لديه بعض الآراء حول بعض المخرجين؛ فهو يرى أن "المخرج فيرمين جيمييه يميل إلى استكثار المجاميع على المسرح وتحريكها وكأنما يخضع بطريقة لا تنبيهية إلى مزاج داخلي خاص يجعله يؤثر الخطابة وحماس الجماهير"(ص: 106)؛ وفي هذا النقد ما فيه من مخايل لتحليل نفسي وليد لفعل الإخراج، ولما قد يشوبه من نوازع النفس البشرية، مما قد يتفق معه النقاد أو يختلفون. في حين أنه يرى أن المخرج "كوبو تغلب على إخراجه مسحة من التقشف والمنطق الديكارتي، ويجاريه في ذلك لويس جوفيه؛ فهو يؤثر الوضوح والذكاء والدقة"؛ مبرزاً بذلك الطابع "الفرانسيسكاني" –إن جاز لي القول– لمسرح كوبو، والمباشر لمسرح جوفيه، مقابل الطابع النفسي الحماسي لمسرح جيمييه. إلا أنه على الرغم من أن النقاد الفرنسيين قد عابوا على "جاستون أنه عارض فترينات" (ص: 106)، وكأنهم اعتبروه مصوراً لا روح في صوره ومشاهده، إلا أن "فتوح نشاطي" كان له رأي آخر؛ حيث قال: "كنت لا أكتم إعجابي بألوانه [يقصد المخرج جاستون] وأناقته ولوحاته الجميلة" (ص: 106).
تنم هذه المقارنات وغيرها على حس نقدي مرهف، وعلى ذائقة جمالية عالية، وعلى خلفية معرفية محترمة؛ وهو ما يتيح –لا شك في هذا – أن يكون المخرج المسرحي على درجة كبيرة من الإتقان في عمله.
✧ في النقد المسرحي المعتّق ✧
ضمَّن الكاتب يومياته مختلف الدروس والمحاضرات التي تلقاها، وأهم التدريبات التي خاضها على مسرحيات عالمية، بالإضافة إلى ملاحظات ومقتطفات مستقاة من صفوة الكتب والمقالات المسرحية التي قرأها وتركت في نفسه عظيم الأثر، وساهمت بقسط وافر في تكوينه الفني والأدبي.
والملاحظ أن هذه اليوميات تبدو وثيقة تاريخية عظيمة الأهمية؛ وذلك بالنظر إلى أن هذه الدروس مفقودة ولا نتوفر على أصولها حاليا، إلا أن الكاتب ترك لنا في أحايين كثيرة ملخصات لها، وذكراً لمن ألقوها. وقس على ذلك مختلف الكتب والمقالات التي قرأها ولخص أغلبها في يومياته، وناقش أفكارها. وهو ما يتيح للمتلقي، اليوم، تشكيل فكرة عن المصادر التي كانت تغذي أفق المبدع المسرحي في النصف الأول من القرن العشرين، وتتيح له (أي للمتلقي) في نفس الوقت أن يعود إلى بعض من هذه الكتب المتوفرة أحياناً إما في بعض المكتبات العامة، أو بشكل إلكتروني بصيغة (PDF)، غير أنها لم تعد –في أغلبها– تطبع طبعات جديدة.
ومن هذه المصادر الدفينة، سنقصر حديثنا على أهم الكتب النقدية والمحاضرات الأكاديمية:
1. الكتب النقدية:
نشير إلى أن "فتوح نشاطي" كان يكتفي أحياناً بذكر عنوان الكتاب دون اسم مؤلفه، أو العكس. وقد حاولت –ما أمكنني ذلك– أن أبحث عن عناوين هذه المؤلفات لإثباتها والإشارة إليها في أفق العودة إلى استكشافها باعتبارها أصولا للممارسة المسرحية اليوم، تنظيراً وإبداعاً؛ وذلك من خلال تتبع الأفكار التي يستقيها من الكتاب والبحث فيها لتحديد معطياته الكاملة. وبالنظر إلى العدد الهائل للكتب التي قرأها خلال سنة 1938، نكتفي بذكر موجز لأهمها، مع تحديد مركز لأهم موضوعاتها:
أ- أثينا ومسرحها، لـ"أندريه بلسور – André Bellessort" (ص: 12)، (1866-1942)، الذي صدر سنة 1934، وهو عبارة عن مجموعة من المحاضرات التي ألقاها الكاتب في جمعية الندوات، وقد ركز فيها على مواضيع من قبيل ديكور المسرح الإغريقي، وممثليه، وشعرائه، وعلاقة التراجيديا بالنزعة الوطنية... (وهو متاح للعموم في موقع المكتبة الوطنية الفرنسية GALLICA).
ب- فن الإخراج المسرحي، لـ"بيك دو فوكيير – Becq de Fouquières" (ص: 13) (1831-1887)، الذي صدر سنة 1884، وهو عبارة عن دراسة رصينة يستعرض فيها الكاتب أهم معايير نجاح الإخراج المسرحي ومختلف آلياته ووسائله؛ وذلك منذ العصر الإغريقي... (متاح في نفس الموقع السابق). وقد كان "نشاطي" معجباً بهذا الكتاب، إلى درجة أنه قال: "كتاب رائع في فلسفة الجمال المسرحي، أقبلت على مطالعته بنهم، وأعتقد أنه سيكون مرجعي الأثير". (ص: 25)
ت- حول مسرح ه. ر. لونورمان، لـ "دانييا روبس- Daniel Rops" (ص: 32)، (1901-1965) والذي صدر سنة 1926، وهو عبارة عن ثلاث مقالات مطولة حول مسرح المسرحي الكبير "لونورمان"، تتمحور أساسا حول علاقة المسرح بالقلق، والشخصية المسرحية المجردة، والتوظيف الأدبي للفرويدية لدى هذا المسرحي. (Daniel Rops, sur le théâtre de H. R. Lenormand, Ed des cahiers libres, Paris, 1926, p: 153). وقد وصفه "نشاطي" بـ "الدراسة النفيسة" (ص: 32)، لما فيه من "آراء عن العقل الباطن، شفافة الوضوح" (نفس الصفحة). وهو إنما يشير إلى القسم المخصص من هذا الكتاب للتوظيف الأدبي للفرويدية التي كانت –آنذاك- في بداية استكشاف إمكانات توظيفها في الأدب.
ث- نحن والمسرح، لـ "فورتينا ستروفسكي - Fortunat Strowski" (ص34)، (1866-1952) والذي صدر سنة 1934؛ بحيث يركز فيه هذا المؤرخ الأدبي على أهم مكونات الفن المسرحي وعلاقتنا به. وقد كان لهذا الكتاب وقع كبير على "نشاطي"، إلى درجة أنه استشهد بمقاطع مطولة منه، مبديا أهميتها في تكوينه الفني. ومن بين ما أثاره في هذا الكتاب: "يستجيب المسرح لغريزة عميقة في الطبيعة البشرية؛ لذلك فلا خطر عليه من الفناء" (ص: 34).
ج- أربعون عاما من المسرح، للناقد المسرحي الشهير في تلك الفترة "فرانسيسك سارسي – Francisque Sarcey" (ص: 43)، (1827-1899) والذي صدر في ثمانية أجزاء خلال سنتي 1901 – 1902. وتكمن أهمية هذا المصدر المسرحي الأساسي في أنه يشتمل على دراسات نقدية لعدد هائل من المسرحيات التي شاهدها "سارسي" "خلال أربعين عاماً لم ينقطع خلالها ليلة واحدة عن مشاهدة التمثيل" (ص: 43). وقد اعتبر "نشاطي" هذا الكتاب كتاباً نفيساً، ولاسيما أنه يستعرض من خلاله مسيرته وعصارة تجاربه بوصفه ناقداً مسرحياً ومتذوقاً للتمثيل المسرحي على مدى أربعة عقود. ويتضمن هذا الكتاب –المفقود على نطاق واسع في المكتبات العربية للأسف– على تحليلات معمقة تقدم للقارئ نظرة واضحة حول المراحل التي مر منها تطور المسرح الفرنسي خلال الأربعين سنة الأخيرة من القرن التاسع عشر؛ بحيث ركز على أهم المسرحيات الكلاسية، وعلى توجهاتها الأسلوبية والجمالية واتجاهاتها التمثيلية، كما أفرد حيزا هاما للمسرحيات المستندة في نصها إلى روايات عدد من الكُتَّاب الفرنسيين البارزين، من أمثال: "إميل زولا - Emile Zola"، و"جول لوميتر - Jules Lemaitre "، و"فرانسوا كوبي - François Coppée" وغيرهم كثير، مع تأكيده على فكرة أن دور المسرح الأساس هو التعبير عن الصورة الحقيقة للمجتمع. وقد كان "نشاطي" مؤمنا - مثل "سارسي" ومن قبلهما معا "أرسطو" – بأن أهمية المسرح تكمن في قيمته التطهيرية، ودوره في انتشال الناس من واقعهم المرير، وتخليصهم من مشاعرهم السلبية وتشكيل نَفَس جديد لحياتهم؛ بل والرقي بأفكارهم وعواطفهم: "أليس تهذيبا للناس أن ننتزعهم لمدى ساعات من مشاكلهم اليومية الحقيرة وأن نجبرهم على رفع أذهانهم نحو آراء جليلة..." (ص: 48).
ح- دراسات إيطالية، للصحفي والكاتب الألماني الفرنسي "ألفريد مورتْيِي" (1865-1937) (ص46)، والتي ناقش فيها مواضيع أدبية وفنية متعددة؛ وذلك من قبيل: شاعرات الحب (الإيطاليات "أدا نيغري"، و"أماليا غوغليلمينيتي"، و"سيبيلا أريلامو")، كما قدم دراسة تحدث فيها عن بعض أهم الكتاب، من أمثال: "ف. جيراس"، و"م. بونتومبيلي"، و"س. جيارديني" وغيرهم. بالإضافة إلى تطرقه إلى كل من الشعر المعاصر والمسرح الحديث، وختم دراساته بمساحة هامة للمسرحي الإيطالي "لويجي بيرانديللو – Luigi Pirandello" ينظر الموقع الإلكتروني التالي:
https://www.abebooks.com/Etudes-italiennes-Alfred-Mortier-Albert-Messein/878805648/bd
ولا شك أن إعجاب "نشاطي" بهذا الكتاب إنما يعود إلى تركيزه على أن "مأساة الإنسان تتركز في استحالة أن يعيش حياته دون أن يفكر فيها. وهكذا يشعر بحاجته الماسة إلى تكوين رأي عن نفسه وعن الآخرين..." (ص:46)؛ باعتبارها مبدأً مسرحياً وحياتيا في ذات الآن، كان صاحبنا يدرك عميقاً أهميته ومحوريته في واقع يفرض التعرف على الذات قبل التعرف على الآخر لتجنب سوء التفاهم؛ ومن ثمة الوقوع في الخلاف عوض الاكتفاء بالاختلاف المرغوب والمطلوب.
2- المحاضرات الأكاديمية:
أ- محاضرة من تقديم الناقد الفني الأستاذ "أندريه بلسور - André Bellessort" (1866-1942) حول الغيرة في مسرحية عطيل لشكسبير؛ حيث فهم "فتوح نشاطي" أن الغيرة في هذه المسرحية لا تقتصر على البطل عطيل؛ بل إن الغيور الحقيقي هو ياجو؛ "فهو يغار من سيده لأنه يتصوره قد اندس في فراش زوجته، وهو غيور من رودريجو لأنه موسر ولأنه يعشق ديدمونة، كما أنه يغار من كاسيو؛ لأنه ضابط شجاع" (ص: 13). وستولد هذه الغيرة كل المآسي التي ستعرفها المسرحية.
ب- محاضرة للكاتب الناقد "روبير برازياك - Robert Brasillach" (1909-1945) حول إغراء الخيال عند الكاتب المسرحي الفرنسي كورني. وهي محاضرة هامة من حيث إنها تتوسل بالأمثلة الدقيقة والملموسة المستقاة من مسرح "كورني"، ولاسيما من بعض مسرحياته الأقل شهرة (ص: 32).
ت- محاضرة للشاعر والكاتب الفرنسي الكبير "إدمون هاركور – Edmond Haraucourt" (ص39)، (1856-1941) حول رواية دون كيخوتي للإسباني "سيرفانتس"؛ حيث إنها فتحت عيني "نشاطي" على فكرة أن كلا من دون كيخوتي وسانشو إنما يمثلان نصفين متممين لبعضهما البعض؛ فهما "كياننا بأجمعه من جهة الآمال التي نصبو إليها، ومن جهة الغريزة التي تذكرنا بواقعنا المادي" (ص: 39). ومن ثم، يمكن اعتبار أن دون كيخوتي هو بمثابة "إنجيل الغرب" (نفسه) الذي يحدد مبادئه القائمة على حب الضعيف واحترام الضمير الإنساني على حد تعبيره.
ث- محاضرة للكاتب الفرنسي الشهير "أندريه موروا - André Maurois" (1885-1965) (ص: 48) على مدرجات السوربون، حول العلاقة بين المؤلِّف والمؤَلَّف والقارئ؛ حيث اعتمد فيها على دراسة دقيقة للأدب الفرنسي من خلال منهجية "الإنسان – الإنتاج الأدبي"؛ مركزاً على جوانب من حياة المبدعين ومدى تأثيرها في إبداعهم، وكيف يمكن لها أن تفسره أحياناً؛ فـ"الرجل السعيد حقاً في غير حاجة إلى الكتابة" (ص: 48): لقد كان "مارسيل بروست" تعيساً في حياته، وكان "جوستاف فلوبير" مصاباً بالصرع، بينما عانى "ستاندال" من الذمامة وضخامة الكرش... ومن ثمة يكون الفن "تعويضاً عن النقص" (ص: 49). فليس ثمة إبداع ولا فن – حسب "نشاطي" - إلا من أجل تنظيم فوضى حياتنا وبعثها من جديد.

لم يكن المسرح بالنسبة إلى "فتوح نشاطي" ممارسة مهنية وحسب، بل كان مسيرة حياتية عشق فيها المسرح وعاشه بكل جوارحه؛ دراسة، ونقداً، وتأليفاً، وترجمة، وتمثيلا... وقد كانت يومياته شاهداً على هذا العشق، وتجسيداً لحياة كالحلم، بين المسارح ووسط الممثلين وبجوار النقاد والمخرجين... في باريس؛ عاصمة الفن والنور. ولا مراء في أن هذه المسيرة الغنية، أثْرَت الساحة الثقافية العربية، أدبياً وفنياً، ومكنت الأجيال اللاحقة من ربط الصلة بعروض وفنون كانت ستبقى في حكم المجهول، لولا ما تركه لنا "فتوح نشاطي" وأمثاله ممن وثقوا رحلاتهم الدراسية، ومسيراتهم الإبداعية والفنية، وأبوا إلا أن يتركوا بصمات ناصعة على ذلك التلاقح المثمر والبناء بين الأصالة والمعاصرة؛ بين تراثنا الصميم ومظاهر الحداثة الغربية.