كنتُ أراقبه منذ ساعاتٍ وأنا أحتسي قهوتي الباردة. كان صديقي نجم كرة القدم السّابق ديفيد نائمًا على كرسيه الهزاز، والأمواج تتكسر على حافة الشرفة مخلّفةً رذاذًا مالحًا كدمعٍ يتساقط على الرّمال. لم أكن أعلم حينها أن نومه لم يكن عاديًا، لكنني رأيت يده ترتجف على صدغه، وعينيه تتحركان تحت جفنيه المغلقين كمن يركض في مكانٍ بعيد. وحين استيقظ فزعًا، لم يقل لي شيئًا في البداية، ثم همس وكأنه يخبر نفسه لا يخبرني: "الحلم عاد"!
لم أفهم حينها ماذا يعني. لكنه حكى لي بعدها، وكأن الحكاية كانت تبحث عن أذنٍ تصدقها: رأى العرافة العجوز في كوخ الصفيح، دخان البخور يلتف حول وجهها كثعبان رمادي، وعيناها البيضاوان ترتفعان نحو سقفٍ وهمي. سمعها تقول: "أراه... داخل بقعة هائلة من الضوء. لكنه بعدها يتدحرج إلى حفرة من الظلام والنسيان". ثم صوت ضبعٍ بعيد، وجزع والديه الصامت. قال لي وهو ينظر إلى البحر: "لم تعد نبوءة يا صديقي. صارت موعدًا".
لم أعرفه طفلًا في تلك القرية، لكنني سمعت منه، بمرور السنين، عن عالمٍ صغير لم يخبر به صحفيي أوروبا: تسعة إخوة وأخوات ينامون متلاصقين كحزمة قشٍّ على حصيرة واحدة. أخته الصغرى "أمينتا" تركض خلفه في الحقل حاملةً كيسه البلاستيكي المحشو بالخرق، تصرخ ضاحكة: "لن تصير لاعبًا إن خسرت كرتك يا أخي"! وأخوه الأكبر "سيكو" حافيًا في التراب يصرخ فيه: "ارفع رأسك وأنت تركض، لا تنظر إلى الأرض". كنتُ أرى وجوههم تتشكل في ذاكرته وهو يحكي، أوضح من وجوه المدربين الذين صنعوا منه أسطورة.
وكانت "فاتماتا"، ابنة الجيران، تنتظره كل مساء عند بئر القرية بقدحٍ من الماء البارد. في ليلة رحيله، أمسكت بمعصمه على سلم الشاحنة وهمست: "عدني أنك ستعود، ولو على بعد الشمس والقمر معاً"! وعدها. وحمل صورتها المرسومة بالفحم على قطعة قماش طوال سنوات الغربة الأولى، قبل أن يبتلعها صندوقٌ منسي في زاوية شقةٍ أوروبية باردة، كما ابتلع النسيان كل شيء آخر.
لكن ما لم يحكِه لي إلا مرةً واحدة، وكأنه يخاف من ثقل الذكرى، كان اليوم الذي غيّر اتجاه الريح. كان يتدرب مع أطفال القرية في حقلٍ يملؤه التراب والحجارة، يركض حافيًا وراء كرةٍ مطاطية متسخة، حين توقفت سيارةٌ بيضاء عند حافة الطريق. نزل منها رجلان بنظارتين شمسيتين وقميصين أبيضين مطويي الأكمام، يحملان لوحًا إلكترونيًا بدا في تلك البقعة من العالم وكأنه قطعةٌ من سفينة فضائية. سألا المعلم عن "الفتى الذي يركض كالغزال على الحجارة"، ثم طلبا منه أن يركض مرةً أخرى، أن يقفز، أن يلمس كرةً تعلو عن الأرض. فعل، وهو لا يفهم لماذا تلمع عينا الرجلين كعيني صيادٍ يرى فريسته الأولى.
في تلك الليلة اجتمع والداه في الكوخ. كانت الأم تقطع الخضار بسكينٍ صدئة، والسكين ترتجف في يدها، وقالت للأب وهو يدخن غليونه بصمت: "الرجلان يأخذانه إلى مكانٍ بعيد. سمعتُ أن هناك بيوتًا من زجاج، وأرضًا من صخور لا ينبت فيها شيء". رد الأب وهو ينفث دخانًا كثيفًا: "لكنه سيعود غنيًا. سيبني لنا كوخًا من الطوب، وسيشتري لأمينتا حذاءً لا يُرمى". صمتت الأم، ثم قالت بصوتٍ أخف من همس: "وإن لم يعد"؟ لم يرد الأب. لكن ديفيد، الذي كان يسترق السمع من خلف الستارة الممزقة، رأى يد أبيه ترتعش على الغليون للمرة الأولى.
في الصباح وقف الأب أمامه حافيًا، ووضع يديه الخشنتين كقشرة شجرةٍ قديمة على كتفيه، وقال: "اذهب. لكن لا تنسَ من أين جاءت هذه الأرجل. الأرض التي مشيتَ عليها أول مرة هي التي ستبقى تحملك حين ينكسر كل شيء". أما الأم فلفَّتْ رغيفًا في قطعة قماش ووضعته في كيسه البلاستيكي، ومسحت وجهه بيدها وقالت: "لا تأكل بيديك في الطريق، هناك من سيظنك وحشًا". ضحك، لكنه رأى دمعتها تسقط على الرغيف قبل أن تلتفت. وكان سيكو واقفًا بعيدًا يتكئ على جدار الكوخ، صامتًا، حتى اللحظة الأخيرة حين ألقى إليه الكرة المطاطية المتسخة وصرخ: "خذها. هناك سيبيعون لك كراتٍ من ذهب، لكن هذه هي التي علمتك ألا تسقط". صعد ديفيد إلى الشاحنة، ونظر إلى الوراء مرةً واحدة، فرأى والديه صغيرين في الغبار، وأمينتا تلوّح بيدها، وسيكو متكئًا على الجدار، لا يعلم أن تلك كانت آخر مرة يرى فيها أباه واقفًا على قدميه.
رافقته في اليوم التالي لوصوله إلى أوروبا، ووقفتُ في زاوية غرفةٍ بيضاء معقمة أشاهد رجلًا يقيس طوله وعرض كتفيه كأنه يثمن مهرًا. ضحك المدير الرياضي مستغربًا، ومد يده ليلمس شعره المجعد دون استئذان: "يا للهول، كيف تقفز بهذه الأرجل الأفريقية؟ أكلتم الجوار في القرية"؟ ضحك ديفيد معهم، لكنني رأيت ضحكته تتكسر في حلقه، وسمعته يجيب بلهجته الثقيلة: "هذه الأرجل لا تأكل الجوار، بل تأكل الحجارة وتشرب التراب". سكت الرجل، وارتسمت على وجهه دهشةٌ مؤقتة، لكنني رأيت خلفها نظرة من يشتري أداة، لا من يتبنى ابنًا. تلك الليلة رأيته يكتب أول رسالة له إلى فاتماتا بحروفٍ متعثرة، لم أقرأها، لكنني عرفت أنه يخبرها أن المدينة باردة كقلوب أهلها.
بعد سنوات، كنتُ في غرفة الملابس بعد أن سجّل هدفًا تاريخيًا في شباك الغريم، والجمهور يهتف باسمه ويطلقون عليه "ابن البلد". لكنني رأيت زميله الألماني يمسك بكتفه ويهمس: "اهدأ يا فتى، لا ترفع رأسك كثيراً. هم يصفقون لرجلك، لا لعقلك. لو أهدرت الكرة القادمة، سيعيدونك إلى تلك القرية التي لا توجد على الخريطة". وسمعته يرد ببرود لم أتوقعه: "أنا أعرف من هم أكثر مما يعرفونني. فرقهم الوحيد أنني أنتظر الهتاف، وهم ينتظرون سقوطي". عندها، ولأول مرة، رأيتُ في عينيه حفرةً عميقة لا يراها سوى من وُلد فيها.
في تلك الليلة تحديدًا وصلته رسالة من سيكو، قرأها في الحافلة المتجهة إلى المطار وسط تصفيق الجماهير خلف الزجاج. لم يقل لي شيئًا، لكنني رأيت وجهه، وعرفتُ لاحقًا أن فاتماتا تزوجت من تاجر ماشية بعدما طال غيابه، وأن أمينتا صارت أماً بدورها. وظللتُ أسأل نفسي طوال الطريق: هل بدأ نجمه الساطع يتشقق تلك الليلة، أم أنني كنتُ أرى تشققًا بدأ منذ زمنٍ بعيد؟
لم تغب العرافة عن كوابيسه. بعد إصابة الرباط الصليبي التي قصمت ظهر مسيرته، رأى وجهها يتشكل من الضباب في غرفة الإنعاش، وسمعها تهمس: "الضوء بدأ يتلاشى. الحفرة لم تذهب، كانت تنتظرك تحت كل كأس ترفعها". استيقظ مصعوقًا، وفتح هاتفه وأنا جالسٌ بجانبه، فرأينا معاً التعليقات التي كانت بالأمس تمجده واليوم تتهمه بالانتهاء، من "أسطورة الجيل" إلى "أفريقي عجوز" في أشهرٍ قليلة. لم يبكِ، ضحك ضحكةً جوفاء، واتصل بوالده. لم يرد الأب، بل ردّت أخته باكية: "أبي فقد بصره وصار سمعه ثقيلاً يا أخي، لكنه لا يزال يلمس كرة القدم في التلفاز كل مساء، يظنها أنت". وأضافت بعد صمت: "وسيكو مرض في صدره من غبار المناجم، وأمينتا تسأل عنك أطفالها الذين لم يروك إلا في صورةٍ معلقة على جدار الكوخ". سألته يومها، بحذر، إن كان المال الذي أرسله طوال هذه السنوات قد عوّض عنه غيابه، فلم يجب.
أعلن اعتزاله وكنتُ هناك، في مدرجات نصف فارغة. سجّل هدفًا وداعيًا صامتًا كمن يلقي حجرًا في بئرٍ مهجورة، ثم انحسرت الأضواء والكاميرات كأنها لم تكن. لكن ما فاجأني لم يكن الاعتزال نفسه، بل الفرق بين "النجم" و"الإنسان" بعد أن أُسدلت الستارة. كنتُ أرافقه إلى مطاعم تُحجز له طاولاتها قبل أسبوع، وفنادق تُفتح له أبوابها الخلفية قبل أن يطرقها، فأراه يدخل غرفًا مليئةً بالضجيج ويخرج منها أفرغ من دخوله، وعيناه تبحثان في وجوه الحاضرين عن وجهٍ واحد يعرفه حقًا فلا تجدانه. ثم صار كل ذلك ذكرى: الهاتف لا يرن إلا لأخته، الصحف تتحدث عن لاعبٍ آخر أصغر وأخف ركضاً، والبيت المنيف يتحول إلى قاعةٍ واسعة من الصدى، أزوره فأجده يحدق في تلفازٍ مغلق ناسيًا أنه أغلقه، يطلب مني القهوة ثم ينساها حتى تبرد. قال لي ذات مساء ونحن على الشرفة: "كنتُ أظن أن الضوء يملأ الإنسان. اكتشفتُ أنه كان يخفي الفراغ فقط. حين انطفأ، وجدتُ نفسي أخف من ظلي".
في بيته المطل على البحر، وسط الكؤوس المذهبة والجوائز، جلسنا معًا ولم يعد أحد يبحث عنه. سألني فجأة: "هل تعرف ما يعنيه أن تزن حياتك كلها بلمسة قدم"؟ ولم ينتظر إجابتي: "لطالما ظننت أن الخسارة في الملعب هي الموت. لكن الموت الحقيقي هو أن تعود إلى قريتك وأمك ماتت منذ تسعة أعوام، ولم تَرَ جثمانها بل رأيتَ قبرها عبر صورةٍ في بريدك الإلكتروني، وأن تعرف أن الفتاة التي وعدتها بالعودة صارت جدةً لأطفالٍ لن يعرفوا اسمك".
نهض من كرسيه، ومشى حافيًا على الرخام البارد نحو الرف الزجاجي. التقط الكأس المذهبة، وجمدت عيناه على اسمه المنقوش عليها طويلاً، وسمعته يهمس وكأنه يقلّب في يده وجوه إخوته العشرة وصوت فاتماتا القديم معاً: "عدني أنك ستعود". ثم سألني، أو سأل نفسه، لا أعرف: "أين كنتُ حين أشرق الضوء؟ هل كنتُ أعيشه، أم كنتُ أعدّ العد التنازلي لسقوطي"؟ ضحك في وجه البحر وقلّب الكأس بين أصابعه: "ترى، هل أغرق هذا المعدن البارد لأشتري به ماءً لأمي الميتة، أم لأعيد بناء كوخٍ ما زال إخوتي يتقاسمون برده، أم أحتفظ به كدليلٍ على أنني كنت هنا"؟
ثم، ببطء شديد، وضع الكأس على حافة الشرفة بدل أن يقذفها، وتركها تتأرجح مع الريح. سقطت وحدها بفعل الزلزال الداخلي الذي هزّ جسده، فرأيتُ بريقها الذهبي يتلألأ للحظة في وهج القمر قبل أن تبتلعها الأمواج دون أن تصدر صوتًا.
التفت إليّ بعينين جاحظتين، وصرخ في وجه البحر بصوتٍ مبحوح: "أنا الآن عارٍ كيوم ولدتني أمي في الكوخ. لا جنسية حقيقية تحضني، ولا جماهير تسبحني. لكني لن أسقط في الحفرة وحدي، هذا الكأس في أعماق البحر رفيقي الآن". سقط على ركبتيه مرتعدًا، والنحيب يخرج من حلقه كزئيرٍ مكبوتٍ تحرر أخيرًا.
سقط جسده على الرخام، وارتخت يداه، وهدأ نحيبه شيئًا فشيئًا حتى صار أنفاسًا ثقيلة منتظمة، فعرفتُ أنه غاب في نومٍ آخر، ربما أعمق من كل أحلامه السابقة. لا أعرف ماذا رأى هناك؛ لم يخبرني، ولم أسأله حين استيقظ في الصباح. لكنني، وأنا أراقبه نائمًا بين الشرفة والهاوية، تذكرتُ الجملة الأخيرة التي قالها لي عن العرافة قبل سنوات، حين حكى لي كيف كانت تصف نهاية كل من رأت له تلك البقعة من الضوء: "كل البشر يدخلون حفرهم يا بني، لكن بعضهم يدخلها واقفًا على قدميه يظنها منصة، وبعضهم يدخلها منبطحًا فيعرف أنها النهاية، أو ربما بداية لا يعرف أحد شكلها بعد".
بقيتُ جالسًا وحدي، والبحر يواصل زئيره اللامبالي، لا أدري إن كان ما حدث تلك الليلة نهايةً لرجل، أم بداية شيءٍ آخر لم يتخذ اسمه بعد. أعرف فقط أن الكأس الذهبية تستقر الآن في قاعٍ مظلم، إلى جوار كيسٍ بلاستيكي قديم محشو بالخرق لم يره أحد منذ عقود، وأنهما هناك، في تلك العتمة، لم يعودا يعرفان أيهما كان الجائزة وأيهما كان البداية لكن صوت الضبع هنا كان أقوى!