ألحقت تكنولوجيا التواصل الراهنة بالمجتمع تحولات كبيرة، بحيث طفت على السطح وفرة من الهُويات الجديدة منها: المجتمع الافتراضي الذي يتموقع فوق المكان ولا يعترف بالزمان.. والحياة الافتراضية باعتبارها تجربة اجتماعية تسمح للمبحر في العالم الرقمي بالعيش بهوية متحررة من هويته الواقعية.. هوية افتراضية تقدم تعويضاً وإشباعاً لتواصل واقعي ناقص.. علماً أن المجتمع الافتراضي يتكون من أشخاص متباعدين جغرافياً ويتواصلون فيما بينهم عبر الشبكة العنكبوتية، وينتسبون لعالم افتراضي يعمل على تصغير الكبير "العالم قرية صغيرة"، وتكبير الصغير، حيث بات الحديث عن كون "الشخص الموصول بالإنترنيت يختزل الكل". إن لم نقل بتحوير طفيف للكوجيطو الديكارتي "أنا موصول بالنت إذن أنا موجود". مقولة تستمد مصداقيتها من كون ثلثي سكان العالم موصولين بالإنترنيت الذي ألغى الحدود والمسافات، وحمل الإنسان على عيش ثورة جديدة في عصر الرقمنة.
1. ماهية الهوية الافتراضية:
جاء في المعجم الوسيط أن الهوية: "هي حقيقة الشيء أو الشخص الذي تميزه عن غيره"، أما الهوية الافتراضية فهي السمات والمواصفات التي يقدمها الفرد للآخرين عبر الأنترنيت.. ويشترط في هذه الهوية التفاعل الرقمي المتواصل، وذلك عن طريق المشاركة والتعليق والتعقيب.. وبشكل أدق يمكن القول إن الهُوية الافتراضية تتشكل من ثلاث مستويات:
1-1 الهوية المصرح بها، أو لنقل الهوية المعلنة وهي التي تبرز من خلال المعلومات التي يجري إدخالها من قبل صاحب الحساب مثل: الاسم، وتاريخ الميلاد، والصورة الشخصية، وما إليه من البيانات الذاتية التي قد تكون بعيدة عن الحقيقة في أحيان كثيرة.
1-2 الهوية النشيطة : تبرز في الأنشطة التي يقوم بها المبحر في العالم الافتراضي وآثاره المتبقية به.
1-3 الهوية المحسوبة: تتمظهر في عدد الصداقات والتفاعلات والمتابعين والتعاطفات والتعليقات وما إليه.
أول ملاحظة يمكن تسجيلها على هامش هذا التعريف هي أنه إذا كانت الهوية الواقعية تنحاز للثبات؛ فإن الهُوية الرقمية متغيرة باستمرار وتشجب الاستقرار.. هوية تصنع أولا في اللامكان واللاواقع.. وتتأسس على حرية واسعة في تشكيل الذات وفق أهواء المبحر؛ الأمر الذي يجعل من التواصل الافتراضي آلية للتفريغ وتعويض نقص الواقع. وبسبب هامش الحرية الواسعة التي تمنحها الهُوية الافتراضية للمبحر يمكن القول إنها تخلصه نسبياً من الرقابة والمتابعة، وتفك عنه العزلة الاجتماعية.. لكنها بالمقابل لهذا، تفكك أواصر العلاقات الأسرية، وتضخم من الفردانية بحيث كل فرد أصبح بعنوانه الخاص، ورقمه الشخصي وهاتفه الخلوي.. بعد أن كان للأسرة كاملة رقم هاتفي واحد، وعنوان بريدي واحد.. بل إن البعض يذهب أبعد من هذا بالقول إن العالم الافتراضي وإن ألغى الحدود بين الأوطان والثقافات واللغات، أنتج عزلة جماعية على الرغم من الصحبة الافتراضية التي تزيد الفرد وحشة وانفراداً.
نخلص إلى أن الهُوية الافتراضية هي وليدة انضمام الأفراد والجماعات إلى العالم الرقمي الذي بدأ يمارس سلط قهرية على المستعملين بحيث يمكن القول ألا شيء يخيف المبحر أكثر من انقطاع الكهرباء، أو الصبيب أو عطل الحاسوب أو الهاتف الخلوي.. هوية تتشكل من الآثار الرقمية للمبحر ومعدل تردده على العالم الرقمي؛ عالم يمنح المبحر حلم تكوين هوية كاملة ومتحررة من أصناف القيود الاجتماعية، هوية قوية بحريتها لكن الواقع غير ذلك يكفي أن نستحضر انتهاك خصوصيات الهوية الرقمية التي ما لبث المبحرون يراجعون مزايا المجتمع الشبكي بكثير من التوجس والارتياب.
2. خصائص الهوية الافتراضية:
إذا كانت الهوية الشخصية عموماً تستمد معناها من الوعي بالذات والتميز الفردي عن الآخرين.. فإن الهوية الافتراضية لا تتكئ على الحضور الفيزيائي (مظهر خارجي، لباس، لون، جنس...) بقدر ما تستند على الصورة الرمزية أو الاسم المستعار وما شابه ذلك.. أمر يساعد على تجلية الهوية الداخلية للفرد ويحقق الأنا الأعلى.. ويعود ذلك لهامش الحرية الواسع الذي يعطى لتقديم الذات في العالم الرقمي؛ كأن يقدم الفرد نفسه باسم أحد المشاهير أو قلب هويته الجنسية أو باسم نبتة أو هيئة أو منظمة.. وإن كانت هذه الحقائق الزائفة تولد بداخله أحياناً حرباً بين الهوية الواقعية والهوية الرقمية، أو على الأقل حمله على عيش نوع من الاغتراب عن أناة الفعلية.
بالنتيجة، الخاصية الأولى للهوية الافتراضية هي عدم الاستقرار والثبات وتغيرها المستمر. فهي نتاج الدينامية الرقمية. الخاصية الثانية هي تشكلها خارج المكان والزمان؛ الأمر الذي يجعلها تتصف بالغموض والالتباس.
والخاصية الثالثة هي تمتعها بحرية واسعة في التواصل مع من شاءت، وساعة شاءت، وكيف ما شاءت.
أما الخاصية الرابعة فهي ميل الهوية الافتراضية بشكل مفرط لاستعراض الذات وجعل الحميمي مشاعاً على الملأ؛ إن لم نقل إنها تفضح البعد النرجسي المتخفي في الواقع..
خامس خاصية للهوية الافتراضية أنها هوية مفتوحة على الثقافات العالمية واتصافها أكثر بليونة أوسع في تفهم الآخر.. أمر جعلها تتجرد من الخصوصية وتفك الارتباط مع رموز الذاكرة المشتركة وتغير من لغة تواصلها.. لكل هذه الاعتبارات يبدو العالم الرقمي عالم كشاف وفاضح، لكن لأصحاب العيون اللاقطة للشارد.. يكفي أن نقول إن هناك من يتواضع في الواقع لكن العالم الرقمي يفضح عنترياته الزائفة. فكم من مدعي التواضع في الواقع يتباهون رقمياً بالسفريات واللباس والأكل وما إليه.. لكن نعود ونقول إذا كان تضخم الذات مرضاً، فالأغلبية فينا تقيم في مرستان كوني؛ لأن لكل منا سقطاته وهناته.. ولعلها مفارقة حقاً أن المبحر إذا ما فكر في التقليل من تواجده بالشبكة العنكبوتية أو التوقف عن الممارسة الرقمية؛ فإنه حين ذاك يعتبر ميت افتراضيا ويلزمه تأبين رقمي!
نخلصُ إلى أن التحولات المتسارعة في مجال التكنولوجيا خلقت أزمة في الهُوية، إذْ كلما تزايدت سرعة التحول طرح سؤال الثابت والمتحول في الهوية.. علماً أن التحول الذي خلقه الفضاء الافتراضي هو أنه قدم لنا عالماً مطابقاً لعالمنا الواقعي، لكنه غير محسوس ويقوم على تقنيات الاتصال الرقمية. عالم قادر على إعادة تشكيل الحدود بين العام والخاص، ومجترح للكائن التواصلي بدل المثقف. عالم أنتج هوية افتراضية متغيرة باستمرار وليست أبداً ماهية ثابتة، هوية تتغذى بعملية النفي المتتالية ومستقلة تماماً عن الحدود الجغرافية والتاريخية.. أو لنقل الزمانية والمكانية، فهي لا تنتمي إلى أي زمن ولا إلى أي موقع جغرافي إذْ بمجرد ولوج الفرد العالم الافتراضي، وتقمص الهوية الافتراضية يصبح لا يعرف لا ليل ولا نهار، ولا بعيد ولا قريب..
قدرة هائلة تمتلكها الهوية الافتراضية في جعل الأفراد مستقلين كلياً عن أي ارتباط بالأبعاد الكلاسيكية الواقعية.. فقط يلزم التذكير هنا أن أحد مفارقات الهوية الافتراضية أنها من فرط تواصلها وكشف خصوصياتها تصير ملكا للعموم يكفي كتابة اسم الشخص على محرك البحث حتى يتعرف الجميع على ميولاته وقناعاته وأفكاره وآثاره الشخصية، وبذلك فهي توهم المبحر أنها في ملكيته والحال أنها في ملك الجميع.. دون الحديث عن تعرض الهُوية الرقمية للتجسس الالكتروني، أو السرقة كليا، أو استعمال بعض خصوصياتها ضد المالك الفعلي لها. هذا إلى جانب أن المبحر قد يعيش أحياناً تمزقاً وغربة بسبب صراع هويته الحقيقية مع الهوية الافتراضية.. لكن مع كل هذه الإكراهات فالهوية الافتراضية تمثل عند الغالبية فسحة لتعديل خيبات وهزائم الهوية الواقعية وبذلك هي تمثل تعويضاً وترميماً لخدوش مرفوضة تظل عالقة بالذاكرة، وتحول دون تصالح المبحر مع ذاته، يكفي أن نسبة مهمة من الأشخاص يسمون أنفسهم بأسماء جديدة تعني لهم الكثير.. ويضعون تواريخ ميلاد أقل من أعمارهم الحقيقية؛ ربما لأن لا شعورهم يحدس وهو يتجه نحو المستقبل أنه يتجه نحو الحذف والمنية، ولذلك يعمل الجنسين معا على تصغير أعمارهم.