عرفت الحضارة المغربية مواطن الجمال والذوق الرفيع منذ آلاف السنين، وشواهد الاحتفاء والاهتمام به تحفظها المتاحف المغربية. ويعتبر الحلي عنصراً مهماً من عناصر الثقافة المغربية النابعة من الموروث الثقافي المغربي الأصيل، الذي يعكس اعتناء المغاربة والمغربيات بالجمال والتجمّل. في هذا السفر التاريخي سنقرب القارئ من المتحف الوطني للحلي بقصبة الأوداية بالرباط عاصمة المملكة المغربية، الذي حقق إقبالاً منقطع النظير من طرف الزوار، سواء المغاربة والأجانب منذ افتتاحه؛ لما يحتويه من تُحفٍ تُراثية نادرة، تُحيل على تطور الحلي واللباس بالمغرب.
قبل الدخول للمتحف، تجولت بالحديقة الأندلسية الموجودة بالقصبة، واستمتعت بالنظر إلى خضرتها ومائها المنبعث من نافوراتها، وجمال ورودها ودقة تنسيقها، لنلج بعدها بوابة المتحف وبها ندخل عالماً من الحلم والجمال، ورحلة في دروب تاريخ الزينة والتجمّل في المغرب عبر بوابتَيِ الحُلي واللّباس.

من دار المخزن إلى المتحف الوطني للحلي
يوجد المتحف الوطني للحلي ببناية بقصبة الأوداية يعود تاريخ بنائها للقرن السابع عشر في عهد السلطان مولاي إسماعيل العلوي، فهو في الأصل إقامة أميرية لابنه مولاي أحمد المنصور الذهبي والي جهة الرباط وسلا.
إقامة المتحف في قلب القصبة وبجانب ملحقاتها الأخرى كالمقهى الموريسكي والحديقة الأندلسية، والحي السكني بأزقته الضيقة التي يغلب عليها اللون الأبيض والأزرق، وأبواب منازلها الخشبية التي تحتفي بتاريخ العمارة المغربية، له دلالات رمزية وتاريخية باعتبارها أول نواة حضرية في مدينة الرباط.
يتميز مبنى المتحف بشكله المربع، وتصطف على جنباته ملحقات، ومجهز بفناء في الهواء الطلق استغل كمسكن للسلطان أثناء إقامته بمدينة الرباط –دار المخزن- والحديقة الأندلسية الحالية كانت تستغل كمشوار.
يتألف المسكن من فناء مركزي محاط من جوانبه الأربعة بغرف كثيرة مستطيلة، تركز زخرفة المتحف على الحجر والخشب، وعلى زخارف هندسية ونباتية تعكس براعة الحرفي المغربي، وتشكل نموذجاً للفن المعماري العلوي خلال القرن 17.
ويتوزع المعرض على خمسة أقسام كبرى رئيسة، تقدم نظرة شمولية حول التطور التاريخي للحلي، ومختلف مراحل صياغتها سواء الحلي الرجالية أو النسائية، أو المجوهرات الأمازيغية، إضافة إلى الحلي القروية والحلي الحضرية وخصائصها، وتاريخ الزي المغربي، ومستلزمات الخيل، ومراكز الإنتاج الرئيسة للحلي المغربية، ذلك على الشكل التالي:
الغرفة الأولى: خصصت للتطور التاريخي للزينة وعملية التصنيع.
الغرفة الثانية: مخصصة لتاريخ الزي المغربي.
الغرفة الثالثة: مخصصة للحلي والعدة الرجالية.
الغرفة الرابعة: مخصصة للمجوهرات الأمازيغية.
الغرفة الخامسة: تم التركيز فيها على التعريف بالخصائص الإقليمية لمراكز الإنتاج الرئيسة للمجوهرات الحضرية.
عرف مبنى المتحف عدة ترميمات، أولها خلال فترة الحماية الفرنسية للمغرب، وذلك سنة 1915 من طرف قسم الفنون الجميلة، وحمل المتحف عدة أسماء منها: "متحف الحرف والفنون الأصلية"، "متحف الفن الإسلامي"، "متحف بروسبريكارد". وتحول اسمه سنة 2006 إلى المتحف الوطني للمجوهرات، وأسندت إدارته سنة 2014 لمؤسسة المتاحف الوطنية، ليصبح اسمه المتحف الوطني للحلي. وافتتح رسمياً كمعرض دائم سنة 2023. ليقدم تجربة دالة وغنية وخاصة، تعرض فيه حلي تزينت، وما تجملت به المغربيات. ويعطي المتحف نظرة شاملة عن تاريخ تطور الحلي واللباس بالمغرب عبر العصور، حيث تأخذ زيارته الزائر في رحلة تثقفية ماتعة وشيقة، تجعله يتساءل عن مدى عمق الحضارة المغربية في التاريخ، وعن إبداع الصانع التقليدي المغربي في تشكيلاته للحلي.

معرض دائم وتحف ملكية نادرة
يضم المتحف الوطني للحلي بقصبة الأوداية أزيد من 8000 قطعة أثرية معروضة، لعل الأهم والأبرز والأكثر إثارة للاهتمام في هاته المعروضات هي 350 قطعة من المجوهرات الأمازيغية، التي تعود ملكيتها لملك المغرب محمد السادس، والتي جعلها متاحة للعرض بالمتحف لتعزيز مكانته في السياحة التراثية.
وتم عرض الحلي وفق مقاربتين:
- مقاربة تاريخية تحقيبية، تتعرض لسيرورة تطور الحلي بالمغرب منذ فترة ما قبل التاريخ والفترة الممهدة للتاريخ، مروراً بالفترة الرومانية والوسيطية إلى اليوم والأدوات المستعملة في صناعتها.
- مقاربة مونوغرافية، اعتماداً على دراسة الحالة باعتماد تقسيم رجالي نسائي قروي حضري، سواء بالنسبة للحلي أو الأزياء. وهاته المقاربة تساعدنا في عملية المقارنة، فمثلاً فيما يخص الحلي الحضرية، فتتميز بالدقة في الإنجاز والاعتماد على الذهب كمادة أولية في صناعتها، والاعتماد على زخارف ذات أصول أمازيغية وأندلسية وتشكيلات نباتية وهندسية مرصعة بالأحجار الكريمة من ياقوت وزمرد... واشتهرت فيها عدة حواضر مغربية كفاس التي تعد مركز الحلي الذهبية، حيث أبدع صناعها في التذهيب والتخريم والتفصيص والحفر. في حين انفرد صاغةُ مدينة تطوان شمال المغرب، بالتفصيص والترصيع بالفضة والطلاء في تمازج فريد بين الثقافة المغربية والأندلسية. أما الحلي القروية، فتصنع من الفضة كمادة أولية وتطعم باللبان الأصفر والأسود والقهرمان والمرجان الأحمر، ويعتمدون على تقنيات تميزهم كالطلاء والفتل والنقش، والتسليك الذي هو عبارة عن تشكيل خيوط ملتوية وحبيبات من المعدن، تلحم للحصول على زخارف للقلادات والخواتم والدمالج وأبدع صاغة تالوين والصويرة وتزنيت في هذا المجال.

ختاماً؛
يشكل المتحف الوطني للحلي بقصبة الأوداية بكل ملحقاته دلالةً رمزيةً كبيرة على غنى وتنوع فن الصياغة المغربية وعمقها التاريخي، ونافذة تمكن من دراسة التراتبية السياسية للمجتمع وبنياته الاجتماعية، ووسيلة للاحتفاء بمهارة الحرفي والصانع المغربي الذي شكلت أنامله هاته التحف الفنية من الحلي والأزياء المختلفة في أشكالها والمواد والتقنيات المستعملة في صناعتها، وتعكس البعد الثقافي. فالحلي ليست مجرد وسيلة للزينة وإبراز الجمال، بل هي فن عريق له تجلياته وجمالياته، إضافة لما يكتنفه من دلالات رمزية وثقافية.