الكتابة الشعرية.. معاناة بين الواقع والإبداع

حوار مع الشاعر المختار عبد الله صلاحي

حاوره: هشام أزكيض



انكب الشاعر الموريتاني المختار عبد الله صلاحي المولود سنة 1985م المذرذرة، على متابعة دراسته بكلية الآداب والعلوم الإنسانية (جامعة انواكشوط)، كما نال شهادة الكفاءة لوظيفة مدرس من المدرسة العليا للتعليم 2014م، ثم نال شهادة ماستر في مناهج البحث في اللغة والأدب/ مسلك ماستر الدراسات العربية/ جامعة انواكشوط 2022م. وقد حصل على المركز الثالث من مسابقة شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم في الموسم الرابع 2024م الذي تنتجه التلفزة الموريتانية، وعلى المركز الخامس من برنامج أمير الشعراء الموسم الحادي عشر الذي تنظمه هيئة أبو ظبي للتراث في دولة الإمارات العربية المتحدة 2024/2025، وللشاعر مختار إصدار شعري بعنوان(همسات الروح) الصادر عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة 2024م، وللتعرف عليه أكثر أجريت معه الحوار التالي:

 

 في البداية حدثنا عن طفولتك، متى بدأت تتجه لكتابة الشعر؟ وهل البيئة البدوية ساعدتك على ذلك؟

في البداية أشكركم على إجراء هذه المقابلة، كانت طفولتي كأي طفولة طفل تربّى في جوٍّ طفولي تسوده البداوة في الغالب، إذْ تربيت في تلك البيئة الطافحة بالجمال والعوامل الملهمة، فقد بدأت دراستي في الكتاتيب بداية بالتهجية مروراً بدخول الابتدائية، ثم عدت إلى الكتاتيب لأدرس القرآن الكريم، وبعد حفظ القرآن الكريم بدأت بدراسة المتون الأولية في المحظرة الشنقيطية، فتعلقت بالشعر العربي، وخاصة الشعر الجاهلي الذي درست أغلب الدواوين المقررة في المحظرة، وفي سنة 1998م، بدأت كتابة الشعر تأثراً بمحاكاة الشعراء الأقدمين، وقد كان للمطالعة دور كبير في تجربتي الشعرية، كما ساعدتني البيئة البدوية على كتابة الشعر، حيث كانت الأجواء البدوية ملائمة لكتابة الشعر، وخاصة الصحراء الموريتانية المتسعة اتساعاً يجعل الشاعر يبدع، فكم كانت الصحراء ملهمة للشعراء، وخاصة الرمال الذهبية التي تنعكس عليها أضواء الشمس في جو شاعري بديع.

 

 عند قراءتي لقصائدك لاحظت أنك تستخدم لغة وأسلوباً مميزين. هل الشاعر هو اللغة والأسلوب؟

لكل شاعر أوكاتب أسلوبه الخاص به، نتيجة للاختلافات الجوهرية التي تجعل كل فرد يختلف عن غيره، كما تختلف البصمات الوراثية لكل شخص، فأنا لا أدعي أن لي أسلوباً ولغةً مختلفين بقدر ما أحاول أن تكون ذاتي مختلفة عن ذوات الآخرين، حتى أضمن لنفسي خطاً شعرياً، يضمن لي خصوصيتي الأسلوبية.

 

 من هم أهم الشعراء الموريتانين الذين تأثرت بهم؟

قرأت لأغلب الشعراء الموريتانيين منذ نشأة الشعر الموريتاني القديم حتى شعراء العصر الحديث، فكانت المدونة الشعرية الموريتانية تراثاً شعرياً أتأثر به وأعجب به، ومن بين الشعراء الموريتانيين الذين تأثرت بهم الشيخ سيد محمد بن الشيخ سيدي، والشاعر محمد ولد أبنو في الزمن القديم، والشاعر أحمدو ولد عبد القادر، والشاعر فاضل أمين في الحديث.

 

 تخرجتَ من جامعة انواكشوط في مسلك اللغة العربية. ما الذي أضافت لك هذه التجربة العصرية؟

أفادتني الدراسة في جامعة نواكشوط كثيراً، حيث ازدادت قراءتي النقدية، وتعرفت على مدارس النقد، وشعراء الحداثة، فقد كانت المقررات الجامعية تجمع بين دراسة التراث العربي القديم، ودراسة الأدب الحديث، مما خلق تجانساً بين العصور الأدبية، وجعلني أتفاعل مع شعر الحداثة.


 شاركت في برنامج أمير الشعراء الموسم الحادي عشر، ما أكثر قصائدك التي لاقت تقديراً لدى لجنة تحكيم المسابقة؟

قدمت على مستوى برنامج أمير الشعراء الموسم الحادي عشر أربعة نصوص ببحور مختلفة وموضوعات متعددة، حتى أتفاعل مع آراء لجنة التحكيم الموقرة، ولأجل أن تتنوع التجربة الشعرية، حتى لا تحصر في بحر واحد أو رَوي واحد، أو أسلوب واحد، وقد اختلفت النصوص من ناحية التقدير وفقاً للدور، كما هو مقرر في برنامج أمير الشعراء الموسم الحادي عشر، ومن أكثر النصوص تقديراً نص تحت عنوان (تمثال لأبي الطيب) في الحلقة السادسة من هذا الموسم.

 

 نجحت أكثر من مرة فيما يسمى التصويت عبر رسائل الجمهور، ما تعليقك حول هذه الطريقة؟

تجاوزت إلى الدور الثاني والثالث بواسطة تصويت الجمهور، وهي فرصة كبيرة لأشكر الشعب الموريتاني العظيم الذي دعمني بكل ما أوتي من قوة في كل الأدوار حتى الحلقة الأخيرة، فله مني كامل التقدير والاحترام، فالشعب الموريتاني شعب أبي، يدعم ممثليه بالتصويت بكثافة، وبالحضور إلى مسرح شاطئ الراحة، مما يجعل الشاعر يحس بدفء الاحتضان والدعم.

 

 نلت المركز الخامس بجدارة واستحقاق، عن قصيدتك الختامية بعنوان "أُوركَسِتْرَا الْخُلُودِ... نشِيدُ الْخِتَامِ"! حدثنا عن مضمونها، وهل أضاف لك هذا اللقب أي جديد؟

نعم، إن المنافسة على الوصول إلى الحلقة الختامية وحدها تتويج وظفر، فحينما تشارك في مسابقة كبرى، لها صدى إعلامي، واهتمام دولي وعربي، وتمر تلك المنافسة بمراحل، ثم تصل إلى الحلقة الختامية ممثلاً بلاد المليون شاعر في برنامج أمير الشعراء الموسم الحادي عشر في أبو ظبي عاصمة الشعر والثقافة العربية، فتلك منحة يحمد الله تعالى عليها، أما من ناحية المركز الخامس، فقد أضاف إلي الكثير من الأشياء السارة في حياتي.

مضمون قصيدة "أوركسترا الخلود... نشيد الختام"، محاولة رسم صورة لأمل التتويج في الحلقة الختامية، حيث يتحدث النص عن حكاية الشعر والأمل الذي يحدوني منذ زمن بعيد إلى شاطئ الراحة بأبو ظبي، تلك المدينة التي تحتضن الشعراء والأدباء، وتبعث الأمل في نفوسهم، فتختصر مسافات الحنين، وتخضرُّ أحلام المبدعين في جو بديع، يجمع بين روعة المشهد، والتفنن في إخراج النصوص الشعرية بصورة تتناسب مع المأمول، وقد بدأت النص بالتحليق في عوالم الشعر:
السَّمَاوَاتُ... دَرْبُك الْمُتعَالِي
أَيُّهَا الطَّائِرُ الَّذِي فِي خَيَالِي!

لأطلق سراح هذا الطائر الشعري من قلبي باتجاه مسرح شاطئ الراحة، ليعانق الحلم، ويحلق بعيداً في فضاءات الجمال والإلهام، ولم تكن الانطلاقة في عوالم الجمال إلا فرصة للتحليق بعيداً بريشة الفن في مخيال ذلك الطائر:
حَلِّقِ الْآنَ...أيُّهَا الشِّعْرُ
حُرّاً
فِي طُمُأْنِينَةِ الْمَسَاءِ الْمِثَالِي!

فالتحليق في شاطئ الراحة ليلة التتويج يحتاج إلى طمأنينة وهدوء؛ لأن المساء المثالي يدعو إلى الراحة النفسية والاطمئنان اللذين يضفيان على ذلك المشهد روعة وإدهاشاً.

لَمْ تَزَلْ سَارِيَاتُ غَيْمِكَ
تَحْدُو هَوْدَجَ الشَّكِّ
فِي ظُعُونِ السُّؤَالِ..

وتستمر رحلة الألق الشعري في حقول الرحلة حقيقة ومجازاً، لتطل من مرفإ الغيم على هودج الشك، ليعانق ظعون السؤال في سفر شاعري، تلوح فيه الآمال من بعد للشاعر، ليرسمها في لوحة شاعرية ملهمة بديعة.

فَالْبَسِ الْمَاءَ؛
إِنَّ ذَاتَكَ شَفَّتْ عَنْ صَدَى الْعُشْبِ
فِي خَيَالِ الرِّمَالِ..

يتوجه الأمر من الشاعر إلى ذاته باعتبارها المسافر في هذه الرحلة، لترتدي الماء، حيث شفت ورقت عن صدى العشب، ولم تعد تحس بعالمها الطبيعي.

ليتوجه النداء من جديد تحت ضرورة الكتابة الشعرية:
وْاكْتُبِ الصِّرْفَ
مِنْ كُرُومِكَ زُلفَى لِتَدِبَّ الْحَيَاةُ
فِي الْأطْلاَلِ..

فالموقف موقف دهشة، وبذل الطاقة والوسع من أجل كسب الرهان في هذا العرس الشعري البهيج.

وبعد تلك الرحلة والاستعداد تبدأ الأوركسترا في عزف نشيد الختام على نغمات التتويج:
أُورْكَسِتْرَا الْخُلُودِ
مُشْرِعَةٌ أَحْضَانَهَا فَوْقَ مَسْرَحِ الْآمَالِ

فمشهدية النص لم تعد متوقعة بقدر ما أصبحت واقعاً فوق مسرح الآمال (مسرح شاطئ الراحة) في أبو ظبي، فرهانات التحدي تحددت، وتمثلت في الصعود على خشبة المسرح، وبدأت المنافسة بين الشعراء.

فبدأت أبو ظبي تعزف أنشودة الحب في مشهد ختامي بديع:
لَنْ يِجِفَّ الْغِنَاءُ
فِي أَيِّ لَحْنٍ
فَأَبُوظَبْيُ مَنْبَعُ الْمَوَّالِ...

هنا تتشكل اللوحة الفنية التي ترسم الواقع الإبداعي في العصر الحديث من خلال الدور الكبير الذي تقوم به أبو ظبي في حفظ الشعر والاهتمام والاحتفاء به، وهذا الاحتفاء والاصطفاء يمثله برنامج أمير الشعراء.

هَذِهِ اللَّيْلَةَ اصْطَفتَكَ رَسُولاً
وَحْيُكَ الْحُبُّ لِاعتِنَاقِ الْجَمَالِ..
الْمَجَازَاتُ فِي يَدَيَّ
تَلاَوِينٌ لِأَحْلاَمِ لَوْحَةِ الْأَطْفَالِ!

وهذا الاصطفاء هو ما جعل المجازات ترتمي في يدي الشاعر على شكل ألوان ترسم لوحة الأطفال في هذا المشهد الشعري، لينتقل الشاعر من تجربته الشعرية إلى حاضر في الأذهان، وهو الشيخ زايد بن سلطان آل انهيان رحمه الله تعالى، إذْ تتحول تلك الرحلة إلى مشهد ختامه مسك:
هَكَذَا أَحْفَظُ الْوَصَايَا
وَصَايَا زَايِدِ الْخْيْرِ... فِي ضَمِيرِ اللَّيَالِي.

 

 يقال: إن بعض الشعراء يكتبون القصيدة، وأن البعض الآخر تكتبه القصيدة.. أين أنت من هؤلاء؟

الكتابة الشعرية معاناة بين الواقع والإبداع، فلا بد من حضور الشاعر في تشكيل الواقع الشعري، وقد يكتب الواقع مع الشاعر القصيدة تحت ضغط نفسي، إلا أن ذلك لا يجعلنا نلغي مكانة الشاعر باعتباره المحرك الأول لكل عملية فنية، فأنا أكتب القصيدة، ولا تكتبني هي.


 صدر لك ديوانك "همسات الروح" عن دائرة الثقافة بالشارقة 2024، هل يمكن أن تعرّف القراء على المضامين التي يعالجها هذا الديوان؟

ديوان (همسات الروح) ديوان شعري يطرق موضوعات شعرية حديثة، منها ما يتعلق بالوجدان، ومنها ما يتعلق بالموقف من قضايا الأمة، فهو متنوع الموضوعات، حيث يتجلى فيه موضوع الالتزام الأدبي باعتباره فكرة فنية.

 

 ما انطباعك حول واقع الشعر الموريتاني الحالي؟

الواقع الشعري في موريتانيا واقع مبشر، حيث تتفتق الذائقة الأدبية جيلاً بعد جيل، ويتجدد الاهتمام بالشعر الموريتاني باعتباره غصناً وارفاً من شجرة الشعر العربي، فالدواوين تصدر، والدراسات الأدبية تركز على الجوانب الإبداعية في الشعر الموريتاني، وتوليه أهمية كبيرة.

 

 هل تتوقع أن تؤثر الهجمة الرقمية سلباً أو إيجاباً في مستقبل الثقافة؟

التطور المتسارع في التكنولوجيا لن يؤثر على مستقبل الثقافة بقدر ما سيخدمها، إن حصل تفاعل بين الواقع الثقافي والواقع التكنولوجي، حتى لا تطغى التكنولوجيا على الثقافة، فلا بُدّ من توجيه التكنولوجيا لخدمة الثقافة.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها