"ليالي إيزيس كوبيا.. ثلاثمئة ليلة وليلة في جحيم العصفورية"، هو العنوان الذي اختاره الكاتب الجزائري واسيني الأعرج لروايته الصادرة عن دار الآداب في بيروت، وهو كتاب يقع في 351 صفحة من الحجم المتوسط، يروي فيه الكاتب جوانب خفية من حياة الأديبة مي زيادة/ إيزيس كوبيا التي تعرضت لعدة صدمات في حياتها؛ فقد توفي والدها في حضنها عام 1929، ومن ثم والدتها في عام 1932؛ أي بعده بثلاثة أعوام، وقبلها بعام توفي معشوقها الأديب جبران خليل جبران الذي كان يكبرها بثلاث سنوات، وهو ما دفع أصدقاءها إلى إقناعها بالتوجه إلى أقاربها في بيروت، الذين بدل أن يخففوا عنها مآسيها، أودعوها مستشفى المجانين، وخاصة ابن عمها جوزيف الذي قال عنه واسيني الأعرج إنه لو أسعفه العمر لكان "رفع شكوى قضائية ضده في المحاكم اللبنانية للجريمة التي ارتكبها بحق مي".
لم تنشر مي زيادة في أواخر حياتها أي مؤلفات؛ لذلك يعتقد واسيني الأعرج في بداية كتابه هذا أن لها مخطوطاتٍ مفقودةً سجلت فيها أحداث أيامها في العصفورية، وهو الأمر الذي سيشكل متن الرواية، غير أن هذا البحث ستعترضه حواجز وموانع وملابسات ومخاطر مختلفة سيتقاسمها الكاتب رفقة صديقته الباحثة روز خليل للعثور على مخطوط رواية مي المفقود "ليالي العصفورية".
يقول: "ثلاث سنوات من التنقلات المتتالية برفقة الباحثة الدكتورة روز خليل، بين مدن العالم، اقتفاء لأثر مي من بيروت، مدينة القلب وتربة الوالد، في عزّ مراهقتها، إلى القاهرة التي شهدت أهمّ الفترات التاريخية في حياتها وانتهت فيها أيضاً، إلى روما التي شكّلت مكاناً من أمكنة استراحتها، مثلها مثل برلين، ولندن، وفيينا، وباريس. وأخيراً مدينة الناصرة التي شكلتها منذ نعومة أظفارها، وجدنا صعوبة في دخولها، حاولنا مرتين بلا جدوى على الرغم من جوازينا الفرنسي والكندي، وكانت تنتظرنا، في كلّ مدينة من هذه المدن، سلسلة من المفاجآت، والهزّات المؤلمة والمفرحة أيضاً. اقتربنا منها أكثر، ولا هدف لنا من وراء ذلك سوى إنصافها بعد أكثر من قرن من مجيئها إلى هذه الدنيا التي لم تنصفها".
لقد اقتطع واسني الأعرج وقتاً مهماً من حياته لمي زيادة كما يظهر من خلال هذا المؤلف، فقد عمل جاهداً على إعادة قراءة كتاباتها كلها، بحثاً عما يمكن أن يسهل عليه مسالك البحث، ويدله على المخطوطة الضائعة "ليالي العصفورية"؛ الحلقة الأهم والناقصة في أعمالها، فهو في نهاية الأمر كان يريد معرفة دقائق فترة حجزها بمستشفى الأمراض العصبية والنفسية؛ العصفورية، الذي سجلت فيه يومياتها الموجعة، وأعطتها عنواناً موحياً بالألم والنسيان والظلم.
لقد انتصر واسيني الأعرج لمي زيادة من خلال مؤلفه هذا؛ انتصر على الغياب، وعلى جهنم البشر اليائسين أيضاً على حد قوله، انتصر على القتلة الذين حاولوا حرق مي زيادة من الذاكرة الجمعية، ليجعلوا منها مجنونة تسير وسط شوارع بيروت، متسخة، وأحياناً بلا لباس، حاولوا لجمها، كما يقولون، حتى لا تؤذي محيطها، فجنونها المفترض جعل الكثير من أصدقائها أو من ظنتهم كذلك، ينقلبون ضدها، وكأن الجنون جاء ليرضي أعماق جماعة مريضة، لا ترى في المرأة إلا أداة متعة لا اعتبار لها وجودياً، كل ما كان يبدو صداقة في الخارج، كان يخفي عقداً ذكورية لم تمحها للأسف لا الحداثة ولا الفكر التقليدي، الانقلاب ضدها، من طرف أقرب أصدقائها (العقاد، طه حسين، سلامة موسى...)، دليل قاطع على هذا التناسي الموجع.
لقد قادت الصدفة والإصرار واليقين واسيني الأعرج إلى المخطوطة التي بحث عنها طويلاً، ليكشف لنا السر الغامض الذي ارتبط بمي زيادة، وبكل ما قامت به بعد أن تخلى عنها أصدقاؤها، وأحبتها، وعشاقها، وحتى أهلها باستثناء أمين الريحاني الذي أعادها إلى القاهرة عام 1940، وبعد عام واحد عن تلك العودة لبت نداء ربها، حتى إنه لم يكن في وداعها من الأصدقاء ورواد الصالون والقراء إلا ثلاثة فقط، هم أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وأنطوان الجميل، لتنتهي رحلة حياة وصفها واسيني الأعرج بأنها: جزء من حياتنا العربية المقهورة اليوم، ومطية لنكون شركاء في زمن بدأته هي وجيلها بعدها، بشجاعة وسط ذكورة متسلطة خربتها الحروب والهزائم والخيانات المتعاظمة، وأتممنا نحن كل البؤس المؤجل، بل مددناه أكثر بدلاً من كسره نهائياً، ومنحناه كل سبل الاستمرار المتخلف والمتطرف أيضاً.
فعند قراءة رواية "مي: ليالي إيزيس كوبيا" إذن -كما هو مدون على الغلاف الأخير- تصبح مي زيادة الإنسانُ على مسافة نَفَسٍ منّا، فنسمع نشيجها وهي في قمَّة عزلتها في مستشفى المجانين، العصفوريَّة، الذي زُجَّتْ فيه ظلمًا، بهدف الاستيلاء على ميراثها العقاريّ والماليّ... ونُصغي إلى أنفاسها وهي تخبو بهدوء، قبل رحيلها الأخير عن دنيا حوَّلها الأهل والأصدقاء إلى جحيم.
لقد رحلت مي زيادة في صمت مخلفة وراءها تراثاً أدبياً كبيراً كانت آخر حلقاته مخطوطة "ليالي العصفورية" التي أزاح عنها الروائي واسيني الأعرج الغبار، ليظهر لنا ما كانت تعانيه هذه الأديبة من أوجاع وآلام، حتى إنها كتبت على ظهر هذه المخطوطة: "أخيراً دونتك يا وجعي وهم قلبي، أين أهرب بهذا الخوف الذي سيضيف لي رعباً جديداً؟ لأول مرة أجد الجرأة وأتحدث عن علاقاتي السوية وغير السوية بمقياس الآخرين، عن محيطي الخادع، عن الناس الذين عرفتهم وعرفوني. تحدثت عن الذين أحببتهم وأحبوني، عن الذين ركضوا ورائي حتى تدلت ألسنتهم، حكيت عن الذين زجوا بي في دهاليز الجنون، وجعلوا من العصفورية سجناً كبيراً أموت فيه بصمت، ولا أحد يسمعني، حتى النفس الأخير، وبلا قفازات، قلت بعض ما أحرقني، وحولني رماداً في ثانية واحدة، لم أنتقم من أي شخص، كيفما كانت درجة أذاه لي، أعرف نفسي جيداً، لا يمكنني أن أكون في رتبة من أخفق في أن يكون هو بحبه وسخائه، فانتحل صورة عدوه، وسكن في الضغينة والأحقاد، يحق لي اليوم أن أتلاشى كما الغيمة، داخل حبي الذي شكلني، وفي عمق وهمي الذي صنعته، وصنعني أيضاً، دعوني الآن أحلم فقط ولو في عمق الغياب، يحق لي ذلك، ولو لثانية واحدة، قبل أن أسير بخطى هادئة نحو أبدية الخلاص".