الخيول الأسطورية في الموروث المغربي

الزبير مهداد

يُعد فن تشكيل الرّسوم والمشاهد بالفسيفساء إبداعاً رومانياً بامتياز. يعتمد هذا الفن في مادته على قطع صغيرة من زجاج ملون وحصى ورخام وصلصال مشوي ومصبوغ، تركب وفق تصميم محدد بتثبيت القطع بعضها إلى جانب بعض وفق تخطيط يقتدي به الفنان لتشكيل رسوم ومشاهد معينة، وتتميز الأعمال الفنية المشكلة بالفسيفساء عن غيرها الملونة بالأصباغ العادية بقدرة كبيرة على الدوام، ومقاومة عوامل القدم والتآكل والعوامل المناخية الأخرى التي تؤدي إلى انمحاء الرسوم العادية، لذلك واعتباراً لهذه القدرة الفائقة على المقاومة والتحمل، استعملت الفسيفساء بوجه خاص في تزويق الطرق والجدران العريضة وأرضيات الغرف بالقصور والمعابد.

واشتهرت المدن الرومانية المغربية مثل وليلي، لكسوس، وبناصا بمنازلها الحاوية للفسيفساء البديعة التي تزين فضاءات دورها. وقد تم الكشف في هذه المدن على منازل وحمامات وبنايات متعددة تتوفر على مشاهد وزخارف شكلت بالفسيفساء، ومن بين هذه المواقع منازل فخمة اشتهرت بما تضمه غرفها من أعمال فنية رائعة قمة في الجمال والإبداع، نذكر منها في وليلي دار أعمال هرقل، ودار ديونزيوس والفصول الأربعة، ودار أورفي ودار موكب فينوس، حملت هذه المواقع هذه الأسماء نسبة للوحات الجميلة التي تميزها عن غيرها من الدور والمواقع. تتجمع المنازل المزينة بالفسيفساء في الحي الشمالي الأرستقراطي بمدينة وليلي، حيث تقف شاهدة على درجة الثراء والغنى الذي تتمتع به هذه الأسر، وبمستوى النضج الثقافي والذوق الفني لساكنة المدينة، فضلا على مستوى المهارة التي يتمتع بها الفنان الذي صاغ تلك اللوحات الجميلة.

بعض اللوحات تشخص قصصاً مستوحاة من الميثولوجيا اليونانية والرومانية ما اقتضى تمثيل الشخصيات الأسطورية التي تشكل أبطال هذه القصص، إلى جانب الكائنات الخرافية التي تؤثث هذه الحكايات، ولهذا نجد رسوماً تمثل فينوس، وأورفيوس، وتريتون، وأكتيون، وديان، وهرقل، وصديقه هيلاس، جنباً إلى جنبٍ مع رسوم تصور عروس البحر، وحورية الغابات، والخيول الأسطورية. فقد كانت الخيول مصدر إلهام فني لسكان المنطقة منذ أقدم العصور، جسدوها في نقوشهم الصخرية المتبقية آثارها في المناطق الصحراوية، بعض النقوش جسدت الحصان كحيوان أسطوري طائر، إعجاباً بسرعته المذهلة، قادر بقوائمه القوية على ربط المسافات باتساع الصحراء الواسعة، مثلما تفعل الطيور في السماء، بفضل أجنحتها العريضة.

الخيول الأسطورية

تقول الأسطورة إن «بوسيدون» رب البحار، المتحكم في العواصف والرياح، هو الذي وهب الحصان للبشرية، وذلك عندما تنازع مع أثينا على امتلاك مدينة أثينا، وحسم الأرباب النزاع بأن تعطى المدينة لمن يستطيع أن يهب البشر أعظم فائدة، فضرب «بوسيدون» صخرة برمحه المشهور ذي الثلاث شعب، فظهر الحصان في الحال، في حين أوجدت أثينا شجرة الزيتون، فكسبت الرهان، واستحقت امتلاك مدينة أثينا. وقد صور هيرودوت بوسيدون كرب يتنقل في أعماق البحار حاملاً رمحه، يمتطي عربة تجرها أحصنة بحرية أسطورية ذهبية.

وإلى جانب الأحصنة البحرية الأسطورية، كانت هناك الكثير من الخيول الأسطورية ارتبطت ببعض الثقافات القديمة، وكان المغاربة قديماً يعتقدون بوجودها، فجسدوها في كثير من اللوحات الفنية الفسيفسائية، من هذه الخيول:

حصان البحر هيبوكمبوس Hippocampus

نصفه العلوي لحصان والسفلي لسمكة بذيل الدولفين أو ثعبان البحر، وكان هذا الحصان يجر عربة آلهة البحر «بوسيدون».

توجد عدة لوحات فسيفسائية في وليلي تشخص هذا الحصان، ففي دار موكب فينوس، لوحة فسيفساء تصور موكب فينوس، تمثل اللوحة فينوس ربة الحسن في الميثولوجيا اليونانية والرومانية تمتطي مركباً بحرياً بجوار الحوريات الثلاث اللواتي يمسكن المجاديف، بجوار السفينة تبدو ست من عرائس البحر يخفرن المركب، إحدى عرائس البحر تبدو بارزة أكثر من الأخريات لاحتلالها موقعاً متميزاً في الرسم في وسط اللوحة، تمتطي فرساً بحرياً، وتمسك بيدها اليمنى سلة مليئة بالفاكهة الطازجة كناية عن سنة الخصب والعطاء والرخاء.

وفي دار أورفي لوحة فسيفساء ثنائية اللون يبدو أنها أقدم صنعاً، وتمثل تريتون إله الموج والريح يمتطي فرساً بحرياً، تحيط به من جانبيه وأسفله حيوانات مائية كثيرة منها رأسيات أرجل وقشريات كبيرة وأسماك مسطحة وأخرى إلى جانب أسماك أخرى مختلفة الأحجام والأشكال.

وفي جانب آخر من المنزل نجد لوحة أخرى من الفسيفساء متعددة الألوان دقيقة الرسوم، تصور شخصيات بحرية من الميثولوجيا الرومانية، يخترق اللوحة في وسطها خط أفقي يشطرها إلى شطرين أو لوحتين، اللوحة العليا تصور تريتون المجنح إله الموج يمخر عباب الماء على ظهر مركبة يجرها فهد بحري ويخفره فهد آخر، وفي اللوحة السفلى رسم الفنان عروس البحر تمتطي عربة يجرها حصان بحري، بينما تمسك بيدها حبلًا وقد شدت إليه فهداً بحرياً. رسمت اللوحة بألوان متعددة وبفسيفساء لامعة.

البراق، أو بيجاسوس Pegasus

الحصان الأسطوري المجنح في الميثولوجيا الإغريقية، أنشأه بوسيدون، وكان له دور كبير في الأساطير. ذكر بيجاسوس في أسطورة هرقل ابن زيوس، تروي الأسطورة أنه خلق من جسد ميدوسا بعد أن قطع بيرسيوس رأسها، وأنه ما إن وُلد حتى طار إلى السماء.

يقال إن بيجاسوس ضرب الأرض بحافره فانبثقت «نافورة هيبوكريني» التي تعني: نافورة الحصان. وأصبحت مصدراً للإلهام الشعري لكل من يشرب من مياهها، وأن هذه هي الصلة الوحيدة التي تربط بيجاسوس بالشعر.

في إحدى دور مدينة وليلي الأثرية الرومانية بالمغرب، توجد لوحة فسيفساء تمثل مشهد ديانا ربة الغابات تستحم، وقد فاجأها أكتيون، اللوحة بديعة جداً رسمت بحجارة تحمل ألواناً حارة ولامعة، ديانا في وسط الرسم تضع قدماً خارج حوض السباحة، تستعد لمغادرة المسبح بعدما فاجأها أكتيون في هذا الوضع الذي لا تحب أن يراها فيه أحد، تستقبلها إحدى حوريات الماء والغابات تحمل رداء لسترها، والماء المقدس يتدفق من أعلى من فم حصان البيجاسوس الذهبي، وحركة الماء مَثَّلَها الرسام بخطوط بيضاء وزرقاء داكنة متقطعة، متجهة نحو المسبح، ومتدفقة منه بقوة.

القنطور Centaur

إن السنتور ليس حصاناً تماماً؛ وإنما أيضاً نصف بشر. ولد حسب رواية الأسطورة الإغريقية من »أكسيون» ابن إلهة الحرب »آريس». وتمتلك هذه المخلوقات النصف العلوي من إنسان والسفلي لحصان. وفي قصص أخرى تمتلك قروناً أو أجنحة، أو الاثنين معاً. عاشت هذه الخيول المتخيلة، بحسب الأساطير الإغريقية في منطقة تدعى» ثيساليا»، كانت تأكل اللحم، وكثيرة الشغب. وترمز للظلام وقوى الطبيعة العاصفة. وكانت من أتباع رب الخمر «ديونيسوس».

تُظهر هذه الصورة جزءًا من فسيفساء رومانية تُصوّر قنطورًا، يُشارك في موكب ديونيسوس (الثياسوس). يحمل القنطور في يده اليمنى إناءً كبيرًا من الكراتير أو الكانثاروس (جرة نبيذ)، المرتبط باحتفالات ديونيسوس، وفي يده الأخرى عصا راع.
 

خيول ديوميديس

تمثل أعمال هرقل الأسطورية أقصى درجات الشجاعة والبطولة في الميثولوجيا الرومانية ذات الأصول اليونانية، اقتضى العمل الثامن من هذه الأعمال، مواجهة بين هرقل والملك "ديوميديس" ملك تراقيا، وأسر خيوله الأربعة الأسطورية العملاقة، والتي كانت بخلاف سائر الخيول، لها فك نحاسي، وتدربت على أكل لحوم البشر فكانت ترعب الناس.

 وقع الملك "ديوميديس" في شر أعماله، حين دعاه «هرقل» إلى المصارعة داخل حظائره. فتغلب عليه، وقدمه طعامًا لخيوله وهو ما كان كفيلًا بتهدئتها ليربط أفواهها، ويقودها إلى الملك يورسيتوس ليقرر في أمرها ما يريد.

الامتدادات الرمزية في الثقافة المغربية

لم تندثر هذه العناصر الثقافية من الذاكرة المغربية، بل ما تزال رواسبها حاضرة في التراث والمخيال الشعبي إلى اليوم، وإن كانت قد اتخذت أشكالًا جديدة، وارتدت تأويلات مختلفة تتلاءم مع السياقات الثقافية المعاصرة. فالخيل لا تزال تحتل مكانة رمزية عميقة في الثقافة الشعبية المغربية، حيث تتقاطع دلالاتها مع الموروث الديني والتاريخي والأسطوري، وتتجاوز وظيفتها المادية لتصبح جزءًا من منظومة من المعتقدات والرموز المتوارثة.

ومن أبرز مظاهر هذا الحضور ارتباط الخيل بالأولياء الصالحين؛ إذْ تُنسب إليها في بعض المناطق صلة بـ«رجال البلاد»؛ أي الأولياء الذين يحظون بمكانة خاصة في الذاكرة المحلية. ولذلك تُقام عروض الفروسية التقليدية، ولا سيما التبوريدة، في محيط أضرحتهم ومواسمهم، في سياق يجمع بين الاحتفال الشعبي والتعبير عن التوق إلى البركة والوفاء للذاكرة الجماعية.

كما تستمر في الذاكرة الشعبية حكايات ذات طابع خارق وأساطير متصلة بالخيل والأولياء. فتتحدث بعض الروايات المتوارثة عن خيول ذات قدرات استثنائية، يُقال إن أصحابها من الأولياء كانوا يمتطونها لقطع مسافات بعيدة في زمن وجيز، بل إن بعض الحكايات تمنحها قدرة أسطورية على التحليق فوق الجبال والتنقل بين الأمكنة بطرق تتجاوز المألوف.

في الحكايات الشعبية المغربية، يُستبدل "البيجاسوس" بما يسمى بالعامية "العَوْد الطَّيَّار"، أو "الحصان المجنح". غالبًا ما يكون حصانًا سحريًا يمتلكه بطل الحكاية. يُستدعى الحصان عن طريق حرق بعض من شعرات عرفه، ليظهر في الحين، وينقل البطل عبر "سبعة بحور وسبعة جبال" لإنقاذ محبوبته أو الهروب من الغول. هذا الحصان الأسطوري يمثل السرعة الفائقة والوفاء المطلق للبطل، وهي السمات الوظيفية نفسها لـ"بيجاسوس" في الأساطير اليونانية.

ومن صور هذا الموروث أيضًا ما يُعرف في بعض المناطق بـ«حافر فرس النبي»؛ وهي صخور أو تجاويف صخرية تتخذ أشكالًا تشبه آثار حوافر الخيل، فيربطها الخيال الشعبي بمرور الخيول الطائرة التي يمتطيها الأنبياء أو الصحابة، فتتحول بذلك من مجرد ظواهر طبيعية إلى علامات ذات دلالة دينية ورمزية، وقد تحاط أحيانًا بممارسات التبرك والاحترام.

ومن أوجه استمرار هذه المعتقدات أيضاً، أن أهل أيير بآسفي، مشهورون بإنتاج أجود الخيول، وبإتقانهم للفروسية، ومعرفتهم بقواعد ضبط أنساب الخيول، وتربيتها وتدريبها، تروج حول خيولهم أسطورة، تزعم أن الفحول الملقحة لأفراسهم الإناث، كانت تخرج من البحر المحيط المجاور للقصبة في الليالي المقمرة.

وهكذا، تكشف هذه المعتقدات والحكايات عن استمرار حضور الخيل في المخيال المغربي بوصفها أكثر من مجرد حيوان ارتبط تاريخياً بالحرب والفروسية؛ فهي تحمل طبقات متراكمة من القداسة والبطولة والبركة والذاكرة الجماعية، وتُظهر كيف يمكن للموروث القديم أن يستمر في الثقافة الحديثة، لا بصورته الأصلية دائمًا؛ وإنما من خلال إعادة تأويله وإدماجه في منظومة الرموز والمعتقدات الشعبية المتجددة.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها