الماءُ في الشِّعر العربي

نبضٌ للحياة ومرادفٌ للرَّقص

سفيان البرَّاق

كنت ذات صائفةٍ بمسقط رأسي بالجنوب أُجابِه قسوة الطقس بمسامرة كتابٍ من أطايب تراثنا: "البصائر والذخائر"، وهو كتابٌ مؤنسٌ خفف عنِّي ونقلني من بيتنا الطيني إلى دواليب تتعدَّى الواقع؛ فمنه متحتُ روعة اللفظ، واستأنستُ بالنَّفَس الفلسفي الممزوج بالبراعة الأدبية في الانتقال من مسألةٍ إلى أخرى، وتُهْتُ في حكاياتٍ لطيفةٍ استدعاها أبو حيان التوحيدي بدقةٍ عالية ووظفها بمهارةٍ لافتةٍ في سياقات محددة متنقلًا بين دررِ التراث العربي الإسلامي من شعرٍ وأخبارٍ ونوادر. وأنا أقلِّب صفحات هذا الكتاب وقع بصري على عبارة بليغة لابن عباس يصف فيها محاسن المطر، الذي نعدُّه نحن أبناء الأرياف والمداشر، نبض الحياة: "المطر بعلُ الأرض" (يُنظر: أبو حيان التوحيدي، البصائر والذخائر، ج9، تحقيق: وداد القاضي، بيروت: دار صادر، ط1، 1988، ص: 187).

لم أبالِ كثيرًا بالصورة الشعرية الزاهية التي يرشحُ بها هذا القول بقدر ما تصلبتُ في مكاني أتأمَّلُ الحياة بلا مطر في بيئة سِمتها صعوبة المناخ ووعورة التضاريس، وما إنْ فتحت باب الغرفة حتى رمقتُ صهريجًا صغيرًا غمره الخواءُ يحتلُّ بهو الدار لردح من الوقت دون أن تعبث به تصاريف الحياة. شُيِّد الصهريج لتُجمَّع فيه مياه الأمطار العذبة حتى لا يشملها الضياع، ويُوظف ماؤه في غسل الملابس والأواني، وإذا غزانا المطر وامتلأ يحفر والدي ثقبًا في الأسود فينزلُ الماء متدفقًا صوب النباتات المحيطة به.

ظلَّ هذا المشهدُ مرسومًا في تلابيب ذاكرتي، وتقوَّى عندي حينما زرتُ رِيَاضات (جمع رِياض) مدينة مراكش التي تزاوج بين الفخامة والعتاقة، وبين الأصالة والبراعة في الخلق والابتداع، وكانت جلُّها تؤثثها نوافيرٌ ترسمُ صورًا نضيرة يكون الماءُ نواتها. وكنتُ دائمًا أتساءلُ: "لماذا يتشبثُ الفردُ المغربي بهذه النوافير رغم تبدُّل الأحوال؟ وهل تغنى بها أدبيًا في سالف الأحقاب"؟ ظلَّ هذا السؤال لصيقًا بذهني إلى أنْ شرعتُ في مطالعة بحثٍ نقديٍّ عُنِيَّ بالغوص في صورة الماء كما تمثلها الشعر العربي في حقبتين رئيستين: ما قبل الإسلام وفترة المجد والحظوة في الأندلس قبل أن يلفَّنا التخاذل والانكفاء، وهو للناقدة السعودية رانية محمَّد العرضاوي التي كنَّتهُ بعنوان: "خطواتٌ فوق الماء: دراسة ظاهراتية لصورة الماء في الشِّعر العربي"، وقد صدر عن دار أدب بالرياض في طبعته الأولى عام 2023م، ويمتد على مساحة 415 صفحة من القطع المتوسط.

لا شكَّ أنَّ الكائن العربي يعد من أجلِّ من قرض حتى جعل اللغة خانعة أمامهُ، ومن ثمَّة فإنَّه صار يُطوعها ويشيِّد صورًا شعرية بسخاء متخذاً من الطبيعة مجالًا خصبًا لذلك، فكان يُقدِّس الماء ويُلاعبُ النار، ويحومُ حول الصحراء، ويتبذخ في وصف العيس، غير أن الماء اتسم بالفرادة، ولعل منبع ذلك هو أنَّه يُشكِّل صورة أصيلة، متنوعة، وفي غاية التركيب مع الصور الأخرى التي تُشكِّلها باقي مكونات الطبيعة. الراجح إذن أنَّ ما قد يُساور ذهن القارئ هو كيف يُمكن الاشتغال على تجربتين اهتمتا بصورة الماء في تباين واضح بينهما: الأولى كانت عطشى تُقاوم شظف العيش في صحراءٍ مترامية، بينما الثانية لم يغزوها الظمأ من قبل وكانت متنعمةً بلطافة الطقس واعتدال المناخ.

ومن ثمّ؛ فإنَّ النظر إلى الماء وقرض الشعر فيه سيكون في غاية الاختلاف، فضلًا عن أنَّ البحث قد استعان بآلية نقدية في غاية الأهمية تتمثلُ في الفلسفة الظاهراتية الجمالية لدى الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار الذي توغل في الصورة الشعرية وفككها أثناء انكبابه على تحليل حضور العناصر الكونية الأربعة في الشعر: الماء، النار، الهواء، والتراب. ومعلوم أنّها فلسفةٌ تقرأ جمالية الصورة وتعقد بينها وبين الوعي البشري أواصر متينة وتربطها بالأساطير والعادات والطقوس الدينية (ص18).

 إنَّ هذه المقالة ستبالي بالقصيدة التي وظَّفتها أستاذة الأدب والنقد بجامعة الملك عبد العزيز السعودية في سياق مقارنتها بين الفوارق الحاصلة بين التجربة الشعرية قبل الإسلام ونظيرتها زمن الأندلس، وهي قصيدة للشاعر المفلق ابن زمرك الذي قرض قصيدة وصفية خالصة بنفسٍ أنثويٍّ مغرٍ يتقصد من خلالها أنسنة الجامد وبثِّ الحياة في الثابت، ويتأكد ذلك في البيت الآتي:
وراقصة في البحر طوعَ عِنانها ~  تراجعُ ألحان القيان الأغانيا

يستنبط أنَّ هذه القصيدة قد جنحت إلى نسج علاقة بين الماء وحركة المرأة من خلال لغةٍ منمقة مشبعة بالتشبيهات والتقابلات والمفارقات رسمت حركة الماء المتدفق من الأسفل إلى الأعلى، ثم عودته التدريجية إلى منبعه، فيغدو، لشدة صفائه ونقائه، شبيهًا باللؤلؤ وهو ينزل بتمهل من السماء ليحتل الأرجاء:
إذا ما علتْ في الجو ثم تحدَّرتْ ~  تُحلّي بمرفضِّ الجُمان النواحيا

الظاهر في هذه القصيدة أنَّ الماء لم يعد عنصرًا حيويًا يخضعُ لحركة صعود ونزول بقدر ما غدا صورة راقصة يسمها التناغم مصدرةً صوتًا موسيقيًا يكسر صمت القصر-البيت، ومن ثمة قد يصير مادةً صوتية باعثة على الرقص والتموج مع نغمته وحركته، وما يدعم هذا الزعم هو البيت الثامن من القصيدة (ص352)، الذي جاء فيه:
تعوَّد في أفنائها الطير كلما ~  تجس به أيدي القيان الملاهيا

نلحظ في هذا البيت ربطًا ذكيًا بين حركة الماء وشقشقة الطيور وغناء القيان؛ حيث إن هذه حركة الماء حينما تنصهر في صوت الطير وتتزيَّن بغناء القانية؛ فإنها تتحول إلى نغمة موسيقية مكتملة تشنف الأذن وتأسر اللُّب وترجُّ وجدان السامع.

تكشف الناقدة، التي بذلت جهدًا محمودًا في العودة إلى النصوص المؤسِّسة في الشعر: نقدًا وإبداعًا في البيئتين العربية والغربية وتحليلها وتأويلها، أثناء تحليلها لنص ابن زمرك أنه تمكن بمهارة من الجمع بين الإنسان والجامد؛ حيث صارت الراقصة-النافورة تستكملُ الأغاني التي تخلقها القيان في القصر لتصنع جوًّا من الفرح والمتعة، وهذا الاستكمال الظريف يجعلها مشاركة بالقوة في الفرح؛ لأنها لا تفتر عن الترديد خلفهم، فهن قد يشملهن التعب والإنهاك بينما النافورة تواصل نشر نغمتها في القصر بلا بخل أو اقتصاد. جمع ابن مزرك بين صوت القيان الفاتن ونغمة الماء المتدفق نحو الأعلى والمتهادي صوب الأسفل في الآن نفسه؛ حتى إذا ركز الناظر في حركته عجز عن تمييز الجامد عن الجاري، وبين صوت الطير، وهي أصوات تنتج "جوقة غنائية" متناغمة ومنسجمة، ولعل هذا ما يدفعنا إلى استحضار ما سماه باشلار بـ"أصوات الكون المتحدة في الماء" (ص357)، ويعني بذلك أنَّ حركة هذا العنصر لم تكن يومًا حركة عادية، اعتباطية، طبيعية، بقدر ما كانت حركة تقرنُ بين الرقص والتموج والغنج الأنثوي المستنفر للمشاعر والباعث على الدهشة والتعجُّب، وهذا ما يفضي إلى جمعها لمختلف الأصوات التي تسمعها الأذن من غناء، وزقزقة، وطبطبة، وسُحٍّ حينما ينزل المطر بلا انقطاع ويعانق الأرض بقوة...إلخ؛ فالماءُ له أصواتٌ متعددة تختلفُ بتباين البيئة والتضاريس؛ فصوته المسموع في الشلال يختلف عن صوته وهو يعبرُ بتأنٍ ممرًا ضيقًا.

إنَّ فنَّ اختلاق النوافير ما كان ليُحرز في الأندلس لولا وجود فرشةٍ مائية منتعشة لم تنهك بعد، وهذا دليلٌ على وفرة المطر الذي يهطلُ معظم السنة بلا انقطاع، ومن ثمَّ؛ فإنَّ ما يرسم مخيلة الشاعر ويضع حدودها وأفقها ويتحكم في وعيه هو البيئة التي تحتويه؛ إذْ لا يُمكن لشاعرٍ لم يتعرف على لطافة الجو إلّا في فترات قليلة من السنة، ولا يغزوه المطر إلَّا لِمامًا، وقد تعوَّد على إبصار الفيافي والقفار، أن يبدعَ نصًّا مماثلًا لهذا يزخرفُ فيه العبارة ويُطوع الكلمة ويروض التشبيه محتفيًا بالماء احتفاءً يملأه الدلال والغنج والرقص الفاتن؛ ومن هنا نفهم الحضور الكبير للخمر مقابل الماء في مختلف الحِقب الشعرية ببلدان الشرق بوصفه "مادة مائية" (ص358)، فالأول غدا في وقتٍ معين أسَّ الشعر العربي لوفرته واحتفاء الشعراء والأدباء به، ولعلَّ شعر أبي نواس والأخطل وكتاب "قطب السرور" وجزء مهم من "العقد الفريد" هي خيرُ توكيد على ذلك، إلَّا أنَّ التشابه والتقاطع تجسد في أنَّ التجربتين الشعريتين ربطتا الماء والخمر بالرقص والغناء والموسيقى والزهو، بينما الثاني كان شحيحًا وضئيلَ المنسوب.

خلصت الناقدة، في كتابها هذا الذي دافع عن فكرة مضمونها أن الكائن البشري يعيش في تماهٍ مع الكون وفي وحدة معه ويعبر عنه من خلال الخيال والتعايش وهذه إيماءة إلى تقاطع التجربة الشعرية بالأندلس مع نظيرتها بأوروبا من خلال نقد باشلار لصورة الماء في الشعر الغربي (ص370)، خلصت إلى أنَّ التجربة الشعرية بالأندلس قد اتصفت بإمعان النظر في الجمال والسير صوب التفتيش عن مكامن الألق في الطبيعة؛ لأن الإنسان في ذلك الإبَّان لم يعد قلقًا ومهتجسًا بالغيب، والراجح أن المعرفة الدينية التي أتاحت له إجابات عن جملة من الأسئلة هي التي جعلته بمبعد عن هذا القلق والتهجس، فضلا عن أن وفرة الماء غيَّرت التكنيك الافتتاحي من البكاء على الأطلال إلى رثاء الموتى، ضف على ذلك انتفاء ما سمَّته الناقدة رانية العرضاوي بـ"الارتباط بالصورة البدئية الممتدة من أساطير وثنية" (ص364)، وهذا ينابذ الإسلام المنبني على التوحيد. إن التميز الذي لحق التجربة الشعرية بالأندلس أثناء احتفائها بالماء هو إيلاء الاهتمام لصوت الماء وللأصوات التي تصاحبه وتحيط به وتجعل صورته أبهى وأروع في الآن نفسه، علاوة على مبالاتها الواضحة بعنصر آخر يتمثلُ تقديم صورة الماء في شكل أنثوي -الرقص- رغم ذُكورته على مستوى الاسم.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها