قاتلٌ دونَ أجرٍ!

مرفت شنودة

تسللتْ خطواتُه دون أن يهمس، حتى اقتربَ من باب الغرفة. كان يعرفُ المكانَ جيداً، كأنه زارَه من قبل، لكنه لم يكن مستعداً لما سيواجهُه هذه الليلة. من خلال كسرٍ في زجاج النافذة، دققَ النّظرَ حيث ترقد. وجدَها أمامه نائمةً تحت غطائها، يتسللُ نورُ القمرِ من بين فواصل النافذة. سرقتْ براءتُها الرقيقةُ عينيهِ للحظة، فأعطى نفسَه فسحةً قصيرةً من الوقت، يتأملُ ما بعد تنفيذ المهمة، وما قبل أن تغربَ شمسُها الأخيرة.

كان قد تلقى أمرَهُ منذ فترة: "ادخل إلى المنزل، اُقتل، خذ ما استطعت، ولا تترك وراءكَ أثراً". لم يسأل كثيراً عن السبب، فقد اعتاد أن ينفذَ ما يُطلب منه.

سكونُ المكانِ منحَه شيئاً من الطمأنينة. حدّقَ في زوايا الغرفة، حتى وقعَ بصرُه على صورةٍ لها وهي تحملُ باقةً من الزهور البيضاء في حديقة. لفتت انتباهَه زهرةٌ صفراءُ متمردةٌ بين الباقة، فسلطَ نورَ مصباحِهِ على الصورة. عندها رأى ظلاماً كثيفاً ينبعثُ منها ويتمددُ ببطءٍ في المكان، كبقعةٍ ثقيلةٍ تهيمنُ على ما حولها.

تراجعَ قليلاً، وكأن الصورةَ أعادت إليه شيئاً دفنَه منذ سنوات. اتجهَ بهدوءٍ ناحية الحمام، ثم صبَّ الماءَ الباردَ على وجهه. جلسَ القرفصاء، وظلَّ صامتاً، ثم أخرجَ من جيبه رزمةً من الأوراق النقدية الخضراء. حولَ نظرَه ببطء نحو غرفتها، ثم عاد إلى الصورة.

أخيراً انتصبَ في وقفته، وقد حسمَ قرارَه. تقدمَ بهدوءٍ باتجاه قدرِه، وتوقفَ أمام حجرتها من جديد. كانت قد تحركتْ أثناء نومها، فظهرتْ خصلاتُ شعرِها الأسود، واكتسبتْ من نور القمر لمعاناً خافتاً. أمسكَ المقبضَ وضغطَه إلى الأسفل، فأصدرَ البابُ صريراً مسموعاً.

تقدمَ إلى الداخل، وضغطتْ هي على زر الأباجورة، فامتلأت الحجرةُ بألوانٍ زاهية، لكنه قذفَ بها بعيداً. ارتجفتْ ثم صرخت. قفزَ بجوار السرير وأحكمَ قبضتَه على فمها. رمقتْه بعينيها الواسعَتين، ولم تملك فرصةً للمقاومة، فقدتْ وعيَها، وأمالتْ رأسَها في هدوء.

حدّقَ فيها بعينين قاسيتين، وهو يتحسسُ النقودَ في جيبه. أخرجَ مسدسَه، ودقّقَ النظرَ فيه من جديد، كأنه يمسكُه للمرة الأولى. استعدَّ بعدما أحكمَ قبضتَه على الزناد، ثم أسندَ رأسَها إلى صدره، ووضعَ فوهةَ المسدسِ عند مَفْرِقِ رأسِها. لكنه تراجع. لم يكن يعرفُ لماذا تذكَّرَ في تلك اللحظة صوتاً صغيراً كان يناديه قديماً: "أبي".

أعادَ المسدّسَ إلى مكانه، ثم نهضَ وفتحَ دولابَها، وراحَ يفتشُ في أغراضها. كان يبحثُ عن الصندوق الذي طلبوه منه، لكنه كان يبحثُ في داخله أيضاً عن إجابة. اصطدمتْ يداه بصندوقٍ في زاوية المكان. انقضَّ عليه، لكنه عجزَ عن فتحه.

في تلك اللحظة تحركتْ، ورمشَ جفناها. أسرعَ إليها، ورفعَ رأسَها بعنف. أمسكَ كأسَ الماء الموجودَ بجوارها وقدمَه لها، لكنها أبعدتْه. وقبل أن تصرخ، أسكتَها بكفيه، ثم أشارَ إلى الصندوق. فهمتْ ما يريد، هزتْ رأسَها دون أن تنطقَ بكلمة، ثم نظرتْ إليه بخوفٍ وقالت بصوتٍ مرتجف: "خذ الصندوق... فقط دعني أعيش".

تراجعَ قليلاً، ثم استقرَّ على ركبتيه فوق السرير، وأخرجَ خنجرَه ووضعَه أسفلَ فكِّها: "افتحيه فقط".

سادَ الهدوءُ المكان، وبقيَ ضوءُ المصباح ساطِعاً. فتحت الصندوقَ على مضَض، مدّت يدَها إلى داخله وأخرجت صورة، وضمتْها إلى صدرها قبل أن تصلَ إليه. اقتربَ منها وانتزعَها، وعندما تأملَ مَن فيها، توقفَ الزمنُ للحظة... سقطَ الخنجرُ من يده.

تراجعَ خطوة، ثم أخرى، وكأن البيتَ كلَّه ينهارُ حوله. نظرَ إليها، ثم إلى الطفلةِ في الصورة. صرخَ صرخةً هزّت أركانَ البيت، ثم غرسَ خنجرَه في جدار الغرفة. اقتربَ منها ببطء، ولم تعد في عينيه قسوةُ الرجل الذي دخلَ قبل دقائق. وقفَ أمامها طويلاً، ثم انحنى وحملَها بين ذراعيه.

فتحت عينيها قليلاً، ونظرت إليه دون خوف. احتضنَها، بينما كانت دموعُه تسقطُ منذ سنواتٍ خلَت.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها