تُشَكِّلُ المرآة محوراً أساسياً في كتابات عميد الأدب العربي، "إذ لا يكاد المرء يقرأ كتاباً من كتب طه حسين - ابتداءً من "تجديد ذكرى أبي العلاء (1914) وانتهاءً بكتابي "خواطر" و"كلمات" (1967)- دون أن يفرض عليه التشبيه نفسه"(1). فلا مراء، أن نجد المرآة ماثلةً وحاضرةً في السياق الكليّ لنشاطه الأدبي والنقدي، وهو حضورٌ يستقي أهميته من كون المرآة تلعب دوراً مهماً في الربط بين العمل الأدبيّ في اشتباكه مع المجتمع والفرد والإنسان. يقول طه حسين في كتابه السير_ذاتيّ "أديب": "زعموا أن من أظهر خصائص الأديب حرصه على أن يصل بين نفسه وبين الناس. فهو لا يحس شيئاً إلا أذاعه ولا يشعر بشيءٍ إلا أعلنه.. ذلك لأنه مريض بهذه العلة التي يُسمونَّها الأدب"(2).
تغدو المرآة إذن، علةً للمعلول وصورة للموضوع وصدى للصوت، ووسيلة من وسائل "تحديد طبيعة الأدب، من حيث هو ظاهرة اجتماعية، نشأت عن علاقة حتمية بين فرد مبدع وجماعة تستجيب إليه"(3)، وإذ تتحدَّد أهمية المرآة وفق هذا المنظور، فلأنها صلةُ وصلٍ بين مجموعةٍ من المرايا، تتجاور فيما بينها، وتنسرب في سياقات مغايرةٍ ومختلفةٍ، ووجب التأكيد هنا، أن تكرار لفظة المرآة في كتابات طه حسين، حتى أضحى دالاً مهيمناً، ينم عن نشاطيةٍ كتابيةٍ تتَّصلُ اتصالاً وثيقاً بالتجربة الإنسانية في كلياتها، خاصةً، فيما يتعلَّقُ بقران المرآة مع الذات في مكاشفاتها وفيوضاتها وإنصاتها لنبض الفرد والمجتمع والعالم. معنى ما سلف: أن "التفكير ظاهرة اجتماعية لا فردية، بمعنى أن الفرد لا يفكر ولا يقدِّر ولا يروي إلا من حيث هو عضو من أعضاء الجماعة التي يعيش فيها، والتي يستحضرها في نفسه استحضاراً ملحوظاً أو غير ملحوظ حين يُفكر أو يقدر أو يروي"(4)، لذلك، قلتُ، إن هذه "الصيغة التكوينية" في فكر طه حسين، تنطوي على مجموعةٍ من الأنساق والدلالات والقيم مُتَّصِلَةً ودائبةً بعضها في بعض، وهذه الدلالات تَتَحَدَّدُ أساساً، انطلاقاً من تجاوب وتجاور وتطابق المرايا الثلاثة، في تأثير واضح بـ"نظرية الانعكاس"، فهي جوانب ثلاثة إذن، "ينطوي عليها العمل الأدبيّ. ويتشكَّل منها الأدب عند طه حسين. وأعني الجانب الاجتماعي الذي يتَّصلُ بالمجتمع الذي يعيش فيه. فيجعل من العمل الأدبيّ مرآة للمجتمع، والجانب الفردي الذي يتَّصل بالأديب المبدع، فيجعل من العمل الأدبي مرآة لصاحبه، والجانب الإنساني الذي يتجاوز الفرد والمجتمع، فيجعل من الأدب مرآة للإنسانية(5)، ووجبتِ الإشارة هنا، إلى أنَّ العمل الأدبيّ يوجد في قلب هذا الثالوث، باعتباره المحور الأساسي في هذه العلاقة، وما نتقصَّدُه من هذه العلامات، هو أن نشاطية النقد الأدبيّ عند طه حسين، هي نشاطية تجاور واتَّصالٍ وتطابق بين عددٍ من الأقانيم، نحصرها فيما يلي:
1. المرآة والمجتمع
تنهض المداخل القرائية لسوسيولوجيا الأدب على مطافات فهم العلاقة الملتبسة بين الأدب والمجتمع والفرد وتحليلها، وكيف يُؤَثِّرُ أحدهما في الآخر؟ لقد بدا بالملموس منذ ظهور التحليل السوسيولوجي في صورته الأولى، ونقصد به التَّصور الاختزاليّ التبسيطيّ الذي بَرَزَ بشكلٍ لافتٍ مع الباحث الفرنسيّ هيبولت تين، ويُشير إلى الانعكاس الآليّ التناظريّ بين الظاهرة الأدبية والواقع، فهذه "العلاقة بين الأدب والمجتمع قائمة بالفعل وبالقوة، فالأدب لا يكون أدباً إلا في ظل شروط اجتماعية محددة، ذلك أن الأديب المنتج للعمل الأدبي، هو في البدء والختام فاعل اجتماعي قادم من مجتمع معين. والمتلقي المفترض لهذ المنتوج الأدبي/ الاجتماعي هو فاعل اجتماعي آخر، والنسق العام الذي يحتضن هذه العملية يظل هو المجتمع بفعالياته وأنساقه الأخرى"(6). نفهم من هنا، أن الإنتاج الأدبيّ مشتبك ومتشابك مع المجتمع، ولا يُمكن أن نتصوَّرَ أدباً خارج حواضن المجتمع من منظور الدرس السوسيولوجي، "فكلُّ نص أدبي ليس سوى تجربة اجتماعية عبر واقع ومتخيَّل"(7)، كما أن الأديب/ المبدع "هو كائن اجتماعي منغرس في طبقته الاجتماعية يحمل طابعها وينطق على لسانها، لذلك اعتبروه صورة "لإيديولوجية مؤلفه"، ولقيم الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها"(8). وقد أكدَّ عصفور في دراسته أن طه حسين، يعتبر "الظواهر الثقافية -ومنها الأدب- ظواهر اجتماعية أساساً. ذلك لأن الطبيعة للإنسان ترد كل أشكال الثقافة التي يُنتجها إلى عصره وبيئته"(9). وتَتَّصِلُ هذه الحتمية الاجتماعية في نظر عصفور، من خلال مجموعةٍ من العلاقات التي يُقيمها المجتمع مع الواقع الاجتماعي، البيئة، الإنتاج، النُّظم السياسية، العصر، المناخ الفكري السائد، البيت الأسريّ، الوضع الطبقيّ العام، فهي كلها مُنفردةٌ أو مُجتمعةٌ تُسْهِمُ في تفعيل هذه العلاقة المُعَقَّدَة والاستجابة لها، وقد ظهر هذا النزوع نحو (الحتمية الاجتماعية) عند طه حسين في تجربته الكتابيّة: "تجديد ذكرى أبي العلاء"، يقول بهذا الصّدد: "إن الحياة الاجتماعية إنَّما تأخذُ أشكالها المختلفة، وتنزل منازلها المتباينة، بتأثير العلل والأسباب، الَّتي لا يملكها الإنسان، ولا يستطيع لها دفعًا ولا اكتسابًا، ذلك رأي نراه وسنثبته في موضعه من الكتاب. وإنَّما نقول هنا: إن هذا الرأي سيلزمنا أن نسلك في البحث عن حياة أبي العلاء طريقاً خاصة، ربما لم يألفها المؤرخون؛ ذلك أنَّا لا نعتقد انفراد الأشخاص بالحوادث؛ وإنَّما نعتقد أن الحوادث أثر لطائفة من المؤثرات، وعلى هذا لا نستبيح لأنفسنا أن نُضيف أثراً من الآثار إلى شخص من الأشخاص، مهما ارتفعت منزلته وعلت مكانته، ومهما عظم أثره وجل خطره؛ وإنَّما كلُّ أثرٍ ماديّ أو معنويّ ظاهرة اجتماعية أو كونيّة ينبغي أن تُردَّ إلى أصولها وتُعاد إلى مصادرها، وأن تُستَقَى من ينابيعها وتُستخرج من مناجمها؛ وهي جماعة العلل التي أشرنا إليها آنفاً. فليس المأمون وحده هو الذي ابتدع فتنة القول بخلق القرآن، وإنَّما تلك فتنةٌ أحدثها عصره، واندفع المأمون بحكم المؤثرات المختلفة إلى أن يكون مظهرها، كما اندفع خلفاؤه من بعده إلى ذلك بحكم هذه المؤثرات. إنَّما الحادثة التاريخية والقصيدة الشعريَّة والخطبة يُجيدها الخطيب، والرسالة يُنَمِّقُهَا الكاتب الأديب، كل أولئك نسيجِ من العلل الاجتماعية والكونية، يخضع للبحث والتحليل، خضوع المادة لعمل الكيمياء"(10).
ومن هذا المنظور، يرى طه حسين، أن الأدب تَصَوُّرُ الجماعة قبل أن يكون تصوُّرَ الفرد، ويَتَمَثَّلُ في كتاباته بجملةٍ من رموز الثقافة العربية، شعراء، فلاسفة، مفكِّرون، وخلفاء، ورجال دين. فأبو نواس مثلاً ما هو إلا مرآة لعصره وبيئته، وصورة من صور زمنه، وقِسْ على ذلك بقيَّة الشعراء، فليس أصدق من الشعر العربي في تصوير حياة الأمة وترجمة قضاياها وأفكارها وطرق عيشها الذي هو مرآتها الصادقة، بل يُمكن أن نرى عصراً واحداً يَجمعُ بين صورتين متناقضتين اثنتين كالقرن الثاني الهجري مثلاً، "فلم يكن العصر كما هو مشهور عنه عصر مجون وخلاعة فحسب؛ وإنما كان المجون والخلاعة وجها من وجوه الحياة التي اتَّسعت فشملت إلى جانب المجون والزندقة، الزهد وهو نقيض الوجه السابق الذي كان سبباً في خلق الوجه الآخر للحياة، في هذا القرن حتى (إن الزهد) لم يكن –كاتجاه مجرد ميل فطري إلى الزهادة وتقوى الله"(11). وما يُقال عن أبي نواس وغيره من الشعراء، يُقال عن الشعر العربي برمّته، وفي مختلف تحولاته وانعطافاته، بدءاً من الشعر الجاهلي وانتهاءً بفضاء الشعرية العربية المتراحبة في الفضاء والزمان، ونُلاحظ أن طه حسين في هذه المرآة الأولى، ينحو في اتِّجاه (الجبر التاريخي)، وهو منحى يُعطي للتاريخ أهميَّة بالغة لعوامل التنشئة الاجتماعية في ربطِ الصلة بين الأثر الأدبي والعصر الذي أَنْتَجَهُ، وهنا، يبدو العميد متأثِّراً بمقولات هيبولت تين، في هذا المجال، في إشارةٍ إلى سمة التناظر الذي يسعى العمل الأدبيّ إلى تَشَيِيدها مع الواقع، فلا غرابة، أن يَتَأَسَّسَ نقد طه حسين في هذه المرحلة، وفي المرحلة التي تليها، خصوصاً أن سفره إلى فرنسا، كان له بالغ الأثر في تطوُّر عدَّته النقدية، وفي ذلك، "مُحاولة لتوفيق آخر بين هذه المعطيات (المحدثة) ومعطيات التراث النقدي العربي الذي كان طه حسين يعرفه. وكل مُحاولة للتوفيق تقوم على تعديل للأصول الأساسية التي يتم التوفيق بينها. والتعديل يعني تكييف الأصول المتعارضة والمتضادة، على نحو يمكنها من التجاوب في بناء جديد"(12). ونعتقد أن ثمة علاقة انعكاسية بين الأدب والمجتمع، على نحوٍ يجعل الأدب نفسه مرآة للفرد والمجتمع، ذلك أن الفرد جزء من المجتمع، والمجتمع يَتَكَوَّنُ من أفراد، يؤثِّرون فيه، وهي علاقة تنطوي على نوعٍ من الآنية، وليس على مبدأ التعاقب والزمنية، حيث إن وجود الطرفين يَتَحَقَّقُ انطلاقاً من وجودهما معاً في نفس الوقت، في كينونةٍ واحدةٍ مشتركةٍ، لا تقبل التجزيء ولا تكتمل إلا عن طريق التجاور والتجميع.
إن جابر عصفور ينطلق في دراسته لنقد طه حسين من خلال مبدأي: (الحتمية الاجتماعية) و(الجبر التاريخي)، في محاولة فهم وتحليل العلاقة بين الأدب والمجتمع، فـ"ليس الأدب ممارسة فردية خالصة متحررة من الاجتماعي، أو ممارسة غير واعية بلا خلفيات ثاوية وراء انكتابها، ثمة عوامل متداخلة تنفتح على النفسي العميق والثقافي والتربوي والسوسيولوجي أيضاً، هي التي تصنع الواقعة الأدبية، وتنتجها على هذا الشكل أو ذاك. ليس الأديب في النهاية إلا لسان حال نفسه ومجتمعه، وإن كان الكثيرون من الأدباء يتبرمون من حمل هذه الصفة أو الاعتراف بها، فإن العلوم الاجتماعية تفضح وتكشف هذه الصفة معتبرة المنتوج الأدبي وثيقة علمية تساعد في قراءة الأفراد والجماعات"(13). هكذا لا يَتَأَتَّى للعلاقة بين الأدب والمجتمع -بحسب عصفور- أن تكون مُجديةً إلا عن طريق (التفسيرات العليّة)، وهي كل تفسير يكون بمقدوره إعادة الأدب إلى أصوله ومصادره، وهذا التَّصور يُفضي بنا إلى ضرورة نسج علاقة متوازنة بين الفرد (الأديب) والمجتمع، خصوصاً فيما يَتَعَلَّقُ بمسألة الالتزام بقضايا هذا المجتمع، والتفكير به والتَّحدّت باسمه بضمير يكشف عن حركيته وأفكاره ومواقفه.
2. المرآة والأديب (الفرد)
تأتي هذه الاستجابة الثانية من استجابات طه حسين المرآوية، في ظلِّ المبدأ التَّجاوريّ الذي مَيَّزَ المرايا الثلاث، تتجلّى خصوصية هذه العلاقة (المرآة والأديب)، في استكشاف الرغبات والنوازع والإحباطات التي يعكسها إبداع الفنان أو الأديب، فهذه العلاقة منظور إليها "كآلية التعبير عن هذه الهموم في وسائل فنية عديدة تحقق التأثير في المتلقي"(14). ويشير هنا جابر عصفور إلى ضرورة التمييز بين المؤرخ والأديب، فكلاهما يلعبان الدّور نفسه، لكنهما يختلفان في طريقة نقل الوقائع والأخبار، فالمؤرخ "يُعيد ترتيب الوقائع لإبراز صورة العصر الذي يتحدث عنه، وعلى نحو يُظهر فهمه للتاريخ ولحركة وقائعه. ولكن الأديب يظل مختلفاً عن المؤرخ؛ لأن عنصر الذاتية هو العنصر الغالب على عمله. إن هذه الذاتية هي التي تبرز الخاصية لعمل الأديب، ذلك لأن الخيال إلا يتحرك إلا تحت قدرة انفعال بالأشياء أو الأحداث"(15).
إن الأمر هنا يتعلق بوجدان الأديب، وقدرته على التمييز بين جملةٍ من المعارف والمعطيات والوقائع، من حيث هي مُثيرات وبؤرٌ للتصوير والتمثيل، بيد أن الأديب حين يَتَوَجَّهُ إلى قطاعٍ من المجتمع أو فرد منه؛ فإن مرد ذلك إلى الوقع النفسي الذي ينتهي بالأديب نحو الانتقاء والاختيار، غير أنه "ليس بوسعنا أن نتمثل تماماً شخصية فردية تختلف عن شخصياتنا الفردية الخاصة. إن إعادة نفس (soul) معينة تتحدد دوماً بالتشابه معها، على الرغم من أن ذلك لا يعتبر الشرط الوحيد للمعرفة النفسية"(16)، فالمعرفة تَتَحَقّقُ من هذه الزاوية من القدرة على التصوير الوجداني للمجتمع. وهذه هي وظيفة مرآة الفرد، فهي تتَصفُ بالذاتية، غير أنها تتصل وثيقاً بالجماعة، أو لِنَقُلْ -في هذا السياق- إنها مرآة "تعكس المجتمع ولكن من خلال الأديب. والعمل الأدبي صورة ذاتية للمجتمع، تعكسه من منظور ذاتي لفرد متميز، يتأثر أكثر من غيره بكل ما يقع في الحياة الواقعة للمجتمع"(17). وقد طرح طه حسين في هذا الصدد، جملةً من الأمثلة التي تعكس علاقة الأديب بالمجتمع، ومدى اختلاف وبراعة الأدباء في تصوير وتمثيل مجتمعاتهم، على نحوٍ نلمسُ هذه الفوارق في تصوير الحياة العامة والخاصة، من هذا المنظور، فالأدب "يقوم في جزء منه على خصائص جمالية وقيم فنية تتفاوت من نص إلى آخر، بحسب قدرة كل مؤلف على الخلق والإبداع. لذلك فإن استكشاف الصفات الفردية التي يختص بها كل مؤلف عن غيره يستدعي من الدارس الاعتماد على حدسه الخاص والتسلح بذوق مدرب"(18). ويقودنا هذا القول مباشرة إلى مقولات جوستاف لانسون وسانت بوف اللذين عَمِلا على إعمال الذوق في الحكم على المؤلفين. والظاهر، أن طه حسين، وقع تحت تأثير المدرسة الفرنسية ذات التوجه التاريخي في تقييم الأعمال الأدبية واستثارة ذوق الجمهور في هذا المجال. ويعني هذا، أن ثمة تحولاً في زاوية نظر المرآة، بين الخارج والداخل، بين المجتمع والفرد، وما يُمَثِّلُه هذا التحول من مفارقةٍ وتناقضٍ، ونخرج من بوتقة الانعكاس الآلي للواقع الاجتماعي، إلى نظرية التعبير بما تنطوي عليه من إعمال للعواطف والمؤثرات الخفيّة المُتَكَوِّمَة في داخل كل فرد.
3. مرآة الإنسانيّة
حَرِصَ عصفور على الربط بين مرآة المجتمع ومرآة الأديب، لكونهما تأسَّستا على مبدأ العلة والمعلول، إذْ "هذه العليّة تجعلُ من مرآة الأديب وجهاً آخر لمرآة المجتمع"(19)، فالمحاكاة بمفهومها الواسع هنا، هي أساس التَّجاور بين المرآتين، أو لنقلْ بداءةً، حالة من التوازي بين المحاكاة في صورتها الاجتماعية ووضعها الفردي، وكأن المرآة هي تعبير صادق وحيّ لمرآة الأديب من حيث، هي مرآة للمجتمع في الآن نفسه. فمن جميع هذه الصور المتعارضة للمرآة، يصوغ طه حسين مراياه النقدية، وهي لا تخرج دائرة الانعكاسات الثلاث، فثمة قران بينها يُسهم في عملية البناء، "فيصبح الأدب مرآة للمجتمع في جانب، ومرآة لصاحبه في جانب ثانٍ، ومرآة للإنسانية أو تمثيلاً لقيمها المشتركة في جانبٍ ثالث"(20). ويظهر أن المرآة هي العنصر الفاعل في الخطاب النقدي عند طه حسين، وهي أيضاً، من يُعطي لهذا النقد هذه الدينامية، وهذه التّطورية، فرغم أن ثمة استقلالية كل مرآة عن المرايا الأخرى، إلا أن هناك تجاوراً ومنحى تطوريّاً تاريخياً لهذه الدراسات. ونعتقد أن البعد التاريخي حاضر بشكل مُكثَّف في هذه المنظومة. إن الأدب يَتَوَجَّهُ إلى الإنسان، بل إن الإنسان يقعُ في صلبِ الآداب الكونية، "وإذا صح أن الإنسان هو جوهر هذه الحياة -وهذا لا ريب صحيح- فإن الصحيح أيضاً أنه ديمومة متغيرة ونفس متفردة ليست تنازعها في أمر فرديتها نفس أخرى. وبسبب من هذه الفردية رأينا العلم يعجز عن اكتناه حقيقتها على وجه من الدقة واليقين، وهي، في الحق في هذا التغير المستمر، أشبه بهذا الكون الرحيب الذي يتسع ويتغير في كل لحظة وآن. ولعل الشاعر القديم لامس مثل هذا حين راح يسائل الإنسان بالقول:
أتحسب أنك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر"(21)
***
يُمكننا القول؛ إن الإبداع بإمكانه أن يضيءَ جوانب مركزية في الإنسان، بل يُمكن أن يَتَّجِهَ بالعمليّة الإبداعية نحو التفاعل مع محطيها، ومع الوقائع والمثيرات الذاتية، في تأكيد صيروريّ على أن "الإنسان ما يزال المحور الذي يدور حوله اهتمام الإنسان، فتتأكد مرة جديدة صحة اتجاه الفلسفة اليونانية بالتركيز على القول: "إن الإنسان "عالم صغير". وفي الواقع كلما تقدَّم العلم رأينا دراسة الإنسان هي خلاصة لدراسة الكون"(22). إن هذا الميل نحو الإنسان، هو ما يجعل الأدب أكثر ثراءً وأرحب قدرة على ربط الإنسان بالمجتمع، وبحركة التاريخ في الآن نفسه، كما أنّه يُعَمِّقُ الرؤية حول رحابات العالم والوجود والحياة، ويُترجم المشاعر التي تستعرُ في النفس البشرية.
هوامش الدراسة: 1- جابر عصفور: المرايا المتجاورة، دراسة في نقد طه حسين، الهيئة المصرية العامة للكتاب، د ط، 1983، ص: 22. ┇ 2- حسين طه: أديب، دار المعارف، القاهرة، ط 7، د. ت، ص: 7. ┇ 3- المرجع نفسه، نفس الصفحة. ┇ 4- حسين طه: ضمن مقال: "مع أدبائنا المعاصرين" فصول في الأدب والنقد، منشورات مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، د ت، القاهرة، ص: 7. ┇ 5- المرايا المتجاورة: ص: 47- 48. ┇ 6- العطري عبد الرحيم: سوسيولوجيا الأدب، من النص إلى المجتمع، مرجع سابق، ص: 9. ┇ 7- علوش سعيد: معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، مطبوعات المكتبة الجامعية، الدار البيضاء، ط 1، 1984، ص: 125. ┇ 8- الواد حسين: في تأريخ الأدب، مفاهيم ومناهج، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط 2، 1993، ص: 5. ┇ 9- المرايا المتجاورة، ص: 69. ┇ 10- حسين طه: تجديد ذكرى أبي العلاء، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، د ت ط، ص: 20. ┇ 11- عشماوي أيمن محمد زكي: خمريات أبي نواس، دراسة تحليلية في المضمون والشكل، دار المعرفة الجامعية، 1998، د ت ط، ص: 27. ┇ 12- المرايا المتجاورة، ص: 49. ┇ 13- العطري عبد الرحيم: سوسيولوجيا الأدب، من النص إلى المجتمع، مرجع سابق، ص: 19. ┇ 14- البنداري حسن: مرايا التجلي، رؤى نقدية كاشفة، مكتبة الأنجلو أمريكية، ص: 218. ┇ 15- المرايا المتجاورة: ص: 139. ┇ 16- زيمل جورج: الفرد والمجتمع، المشكلات الأساسية للسوسيولوجيا، مرجع سابق، ص: 86. ┇ 17- المرايا المتجاورة: ص: 143. ┇ 18- مساعدي محمد: تاريخ تلقي الشعر العربي القديم، نماذج من تلقي شعر أبي نواس، النايا للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، ط 1، 2014، ص: 38-39. ┇ 19- المرايا المتجاورة، ص: 213. ┇ 20- المصدر نفسه، ص: 55. ┇ 21- ويس أحمد محمد: الانزياح من منظور الدراسات الأسلوبية، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط 1، 2005، ص: 14. (مع الإشارة إلى أنه لم يتم الاهتداء إلى النسبة الصحيحة للبيت). ┇ 22- اسكاربيت روبير: سوسيولوجيا الأدب، تعريب: آمال أنطوان عرموني، عويدات للنشر والطباعة، بيروت، ط 3، 1999، ص: 5.