يُواجه الفن التشكيلي في سورية تحديات كبيرة تتعلق بالإنتاج، والدعم، وفرص الانتشار، وبين هذه المعوقات، يواصل الفنانون العمل للحفاظ على حضورهم وتطوير أدواتهم رغم محدودية الإمكانات.
في هذا اللقاء، يقدّم د. محمد صبحي السيد يحيى، رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين في سورية، قراءة حول واقع الفن التشكيلي في سورية، ويستعرض أبرز التحديات والجهود المبذولة لدعم الفنانين، إضافة إلى رؤية مستقبلية.
● كيف تصف الوضع الحالي للفن التشكيلي في سورية؟
يمكن القول إن الفن التشكيلي السوري يقف في منطقة وسطى بين الصمود والتراجع، هو ليس في حالة انهيار، لكنه أيضًا بعيد عن المستوى الذي نطمح إليه، هناك صعوبات حقيقية يمر بها، لكن في المقابل لا يزال هذا الفن محافظًا على جذوره العميقة وتاريخه الغني. ما يميز التجربة السورية هو هذا الإصرار على الاستمرار، حتى في أصعب الظروف، وكأن الفنان هنا يرفض أن يتخلى عن دوره.
● هل هناك دعم كافٍ للفنانين المحليين؟
للأسف، لا يمكن الحديث عن دعم حقيقي بالمعنى المؤسسي، الفنان السوري يعمل اليوم بجهوده الفردية، وغالبًا دون أي مساندة من جهات حكومية أو خاصة.
هذا الغياب يترك أثرًا كبيرًا على تطور الحركة التشكيلية؛ لأن الإبداع يحتاج إلى بيئة حاضنة، وليس فقط إلى موهبة، عندما يغيب الدعم، يصبح الاستمرار بحد ذاته إنجازًا.
● ما أبرز التحديات التي تواجه الفنانين التشكيليين؟
التحديات كثيرة ومتشعبة، لكن في مقدمتها الجانب الاقتصادي، هناك ضعف كبير في السيولة المالية، وقيود تحدّ من قدرة الفنان على إدارة موارده أو تطوير أدواته، إضافة إلى ذلك؛ فإن العائد المادي من العمل الفني لا يكفي لتأمين حياة كريمة، ما يدفع كثيرين إلى البحث عن مصادر دخل أخرى، أو حتى مغادرة البلاد.
هناك أيضًا مشكلة تتعلق بالبنية التحتية، إذْ لا تتوفر مقرات للفروع في عدد من المحافظات، وهذا يحدّ من انتشار النشاط الفني ويضعف التواصل بين الفنانين.
ولا يمكن إغفال أثر السياسات السابقة التي أبقت الفنان في حالة عدم استقرار، منشغلًا بتأمين معيشته بدل التفرغ لإبداعه، وهو ما أدى إلى تراجع الحضور الفني في بعض المناطق.
● كيف تعملون على اكتشاف المواهب الجديدة وتشجيعها؟
نحن نولي اهتمامًا خاصًا بالمواهب الشابة؛ لأنها تمثل مستقبل الفن التشكيلي في سورية، نحرص على حضور المعارض التي تقيمها هذه المواهب، ونعمل على متابعتها وتقديم التوجيه اللازم لها. كما نشجعهم على الانتساب إلى الاتحاد، حيث يمكنهم الاستفادة من البرامج التدريبية التي نقدمها.
لدينا مكتب متخصص للتأهيل والتدريب، إضافة إلى ورش عمل ودورات شبه مجانية تهدف إلى صقل مهارات الفنانين الشباب. ومن المبادرات المهمة أيضًا الدروس الأسبوعية التي تُقام في "الرواق العربي"، بإشراف الفنان الأستاذ عدنان حميدة، حيث يتلقى المشاركون تدريبًا مستمرًا يساعدهم على تطوير أدواتهم الفنية.
● ما الدور الذي تلعبه المعارض المحلية والدولية في تعزيز الفن السوري؟
المعارض المحلية تشكل منصة أساسية لعرض الأعمال الفنية، وهي فرصة للفنانين للتعريف بأنفسهم وبأعمالهم، من خلالها يمكن جذب انتباه المهتمين بالفن، سواء كانوا نقادًا أو مقتنين.
أما المعارض الدولية، فهي تمثل خطوة متقدمة، إذْ تتيح للفنان السوري الوصول إلى جمهور أوسع، والتواصل مع تجارِب فنية مختلفة، كما تفتح الباب أمام فرص اقتناء الأعمال من قبل جهات دولية، ما يساهم في دعم الفنان ماديًا ومعنويًا، لكن الوصول إلى هذه المعارض لا يزال محدودًا، ويحتاج إلى دعم أكبر.
● هل هناك برامج أو ورش عمل تهدف إلى تطوير مهارات الفنانين؟
نعم، هناك مجموعة من البرامج التي يعمل الاتحاد على تقديمها، رغم محدودية الإمكانات، مكتب التأهيل والتدريب يلعب دورًا مهمًا في هذا المجال، حيث ينظم دورات وورش عمل تستهدف مختلف المستويات.
كما أن الدروس الأسبوعية في "الرواق العربي" تشكل مساحة تعليمية مهمة، حيث يتلقى الفنانون تدريبًا منتظمًا على يد الأستاذ عدنان حميدة، هذه المبادرات تساهم في رفع مستوى الأداء الفني، وتمنح الفنانين فرصة للتطور المستمر.
● كيف يتم التعامل مع قضايا الملكية الفكرية وحقوق الفنانين؟
نحن نولي هذا الموضوع أهمية كبيرة، ونعمل على توثيق الأعمال الفنية من خلال الاتحاد، بهدف حماية حقوق الفنانين. التوثيق يشكل خطوة أساسية في مواجهة أي تعدٍ على الملكية الفكرية، ويساعد في تثبيت حق الفنان في عمله.
لكن هذا المجال لا يزال بحاجة إلى تطوير أكبر، سواء من حيث التشريعات أو آليات التنفيذ، لضمان حماية فعالة وشاملة.
● ما موقفكم من دمج الفن التشكيلي السوري بالاتجاهات العالمية المعاصرة؟
نحن منفتحون على مختلف الاتجاهات الفنية المعاصرة؛ لأن الفن بطبيعته حوار مستمر مع العالم. لكن في الوقت نفسه، نؤكد على أهمية الحفاظ على الهوية الفنية المحلية، الانفتاح لا يعني الذوبان، بل التفاعل الواعي الذي يضيف إلى التجرِبة ولا يلغي خصوصيتها.
الفنان السوري يمتلك إرثًا غنيًا يمكنه أن يكون أساسًا لأي تجربة معاصرة، شرط أن يتم التعامل معه بوعي واحترام.
● كيف تؤثر الظروف الاقتصادية والسياسية على قدرة الفنانين على الإنتاج؟
التأثير واضح وكبير، الظروف الاقتصادية الصعبة تحدّ من قدرة الفنان على تأمين المواد اللازمة لعمله، وتقلل من فرص عرض أعماله، كما أن الواقع السياسي ينعكس على الحالة النفسية للفنان، وهو ما يؤثر بدوره على العملية الإبداعية.
في مثل هذه الظروف، يصبح الإبداع تحديًا مضاعفًا؛ لأن الفنان لا يواجه فقط صعوبات فنية، بل أيضًا ضغوطًا حياتية يومية.
● هل هناك دعم لترويج الفن السوري خارج البلاد؟
حتى الآن، لا يوجد دعم كافٍ في هذا المجال، سواء من المؤسسات الحكومية أو الخاصة، الترويج للفن السوري يعتمد في الغالب على جهود فردية، وهو ما يحدّ من انتشاره على المستوى الدولي.
نحن بحاجة إلى استراتيجية واضحة للترويج، تشمل المشاركة في المعارض الدولية، وتنظيم فعاليات خارجية، وبناء علاقات مع مؤسسات فنية عالمية.
● ما رؤيتكم المستقبلية للفن التشكيلي في سورية؟ وكيف يمكن للشباب المساهمة فيها؟
رغم كل التحديات، نحن نؤمن بأن الفن التشكيلي السوري بخير، وأنه قادر على التعافي تدريجيًا. التاريخ الفني لهذا البلد ليس طارئًا، بل هو نتاج عقود من العمل والتجربة.
أما بالنسبة للفنانين الشباب، فدورهم أساسي في هذه المرحلة، عليهم أن يكونوا منفتحين على التجارب الجديدة، وأن يقدموا أعمالًا مبتكرة تعكس واقعهم وتطلعاتهم. التجديد هو الطريق إلى الاستمرار، لكن دون قطع الصلة مع الجذور.
● اخترتم قصر العظم لإقامة محاضرة، ما دلالة هذا الاختيار؟
لأنه رمز من رموز دمشق، يحمل قيمة فنية وتاريخية كبيرة، اخترناه لأنه يمثل حاضنة حقيقية للإبداع، ويعكس روح الفن الإسلامي في أبهى صوره. هذا المكان يشكل جزءًا من الذاكرة السورية، والحديث فيه عن الفن يحمل بعدًا خاصًا؛ لأنه يربط الماضي بالحاضر، ويؤكد على استمرارية الهوية الثقافية.
● هل ستستمرون في هذا النوع من الأنشطة مستقبلًا؟
بالتأكيد، بحكم تخصصي في الفن الإسلامي، سأواصل تقديم محاضرات وأنشطة تركز على التراث؛ لأنني أؤمن بأهمية هذا الجانب في تشكيل الهُوية الفنية.
سنعمل على توسيع هذه المبادرات، وتعزيز حضورها؛ لأن الفن لا يعيش فقط في اللوحات، بل أيضًا في الحوار، في المعرفة، وفي إعادة اكتشاف ما نملكه من إرث غني.