
بادئ ذي بدء، فقد يتساءل كثير منّا:
مَنْ هو (ابن رشد)؟ ومِنْ أيّ بلد هو؟ ولماذا طبّقَت شهرته الآفاق؟
◂ في الجواب
هو: أبو الوليد محمّد بن أحمد بن رشد، واشتُهِر باسم "ابن رشد الحفيد".. هو فيلسوف أندلسيّ مسلم، درس الفقه والأصول والطبّ والرّياضيات والفلسفة وعلم الفلك، وبرع في علم الخلاف.. تولّى قضاء قرطبة.. أمّا عن تاريخ ميلاده، فقد وُلِد في قرطبة بالأندلس في 14/ إبريل / 1126 م، وجاءت وفاته في مراكش / المغرب بتاريخ 10/ ديسمبر/ 1198م، وكان يُلقّب بـ"قاضي قرطبة، والشّارِح، والمعلّم الثّاني".
وعلى الرّغم من اختلاف المؤرّخين في عدد مؤلفاته، فإنّها لا تقلّ عن السّبعين مؤلّفاً، ضاع أصل الكثير منها، وبقيت ترجماتها محفوظة باللّغتين العبريّة واللاتينيّة.
تأثّر ابن رشد بأرسطو، وأفلاطون، وأفلوطين، وسواهم..
نشأ في أسرة من أكثر الأسر وَجاهةً في الأندلس، و"يُعدّ من أهمّ فلاسفة الإسلام"، أقبل على تفسير وشرح آثار "أرسطو": "فيلسوف اليونان العظيم" (384 ق.م - 322ق. م)، تلبيةً لرغبة الخليفة الموحّدي "أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن"، وكان الطبيب الخاصّ للخليفة أبي يعقوب، وهذا الأخير كان يستعين بابن رشد للقيام بمهام رسميّة عديدة.
ولمّا توفي أبو يعقوب، وخلفَه ابنه "المنصور" الموحّدي، زادت مكانة ابن رشد في عهده، لكنْ كادَ لهُ بعض المقرّبين من الأمير، فأمر بنفيه وتلامذته إلى قرية "أليسانه"، ) وهي إحدى بلديات قرطبة) التي كان أغلب سكانها من اليهود، كما أمرَ بإحراق كتبه.
بقي ابن رشد بهذه القرية عامين، وبعدما تأكّد الأمير من بطلان التّهمة السياسية، التي كانت وراء تلك المحنة، عفا عنه واستدعاه من جديد إلى مراكش، وأكرم وِفادته، كأحد رجال كبار الدولة.. لكنّ ابن رشد لم يهنأ بهذا العفو الأميري، لأنّه أصيب بمرضٍ لم يمهله سوى سنة، مكث بها بمراكش، حيث تُوفِي فيها، العام 1198) م)، كما دُفِن فيها قبل نَقْل رفاته إلى مسقط رأسه في "قرطبة".
وعندما نقترب من فلسفة ابن رشد، فإنّنا نجد في كتاباته "ذلك العقل الرّزين المُقنع الثّابت الجأش، الذي يلبث في تلك الجبال المتدحرجة روحاً حيّة تتضوّع منها رائحة النّزاهة والاعتدال".
ويقول المؤرّخ اللغوي والناقد الفرنسي المستشرق: "أرنست رينان"، ( 1823 م1892 - م)، في مجلة "الجامعة"، التي كانت تصدر بالقاهرة، لصاحبها "أنطون فرح":
"ويُؤخَذ من رأي ابن رشد في المملكة، أنّ استغناءها عن القضاة والأطبّاء، كان عنده خير دليل على انتظام شؤونها، أمّا الجيش فلا وظيفة له غير حماية الشّعب وحفظه". أمّا رأيه في النّساء، فهو يتطابق تمام التّطابق مع رأي الكاتب والباحث المصري "قاسم أمين"، مؤلّف كتابي "تحرير المرأة"، و"المرأة الجديدة"، فإنه يرى أنّ الاختلاف الذي بين النساء والرجال، إنما هو اختلاف في الكمّ لا في الطّبع، أي أنّ النساء طبيعتُهنّ شبيهة بطبيعة الرجال، لكنهنّ أضعف منهم في الأعمال، والدليل على ذلك مقدرتهنّ على جميع أعمال الرجال كالحرب والفلسفة، وغيرهما، لكنهنّ أضعف من الرجال فيها.. على أنهنّ قد يتفوّقن على الرجال في بعض الأعمال كفنّ الموسيقى، على سبيل التّمثيل لا الحصر.
ومن المعلوم أنّ "الفلسفة أمّ العلوم"، أي أنها العلم الذي كان الأساس للعلوم جميعاً، وأنّ كلمة "فلسفة" يونانيّة الأصل، وهي مشتقّة من كلمتين: "فيلوس"، ومعناها "محبّة"، و"سوفيا"، ومعناها "الحكمة"، فالفلسفة معناها إذن: "محبّة الحكمة"، وهل في عالم الفكر –الذي هو أشرف العوالِم– شيءٌ يستحقّ أن يسمّى "حكمة" غير البحث في أصل "الحكمة"، ومصدرها الأعلى؟
وقد كان شرح ابن رشد قريناً لفلسفة أرسطو.. وذلك يدلّ على أنّ العصور الماضية كانت تُفضّل التلخيص على التّطويل والإطناب، ولا غرابة في ذلك؛ فإنّ المُلخِّص الماهر؛ إنّما هو بمنزلة الغائِص على الدّرر واللآلئ، يلتقط منها الأنْفَسَ فالأنْفَسَ، ويهجر الحَشْوَ المُمِلّ.
وقد "عُرِفَ ابن رشد في الغرب بتعليقاته وشروحه لفلسفة أرسطو وكتاباته"، والتي لم تكن متاحة لأوروبا اللاتينية في العصور الوسطى المبكّرة.. والفلسفة من شأنها، توسيع مدارك العقول، ومن خلالها يتمّ تمييز ونقد ومقارنة الخطأ والصّواب.
وتتلخّص فلسفة ابن رشد بأنّ الشّريعة الإسلاميّة حقّ، وأنّ البراهين العقليّة حقّ أيضاً، والحقّ لا يُناقض الحقّ، فلا تضادّ بين الفلسفة والشّرع، والمرجع الأساسي له هو (العقل).. و"الفلسفة تبحث عن الحقّ المطلق، بينما الدّين ينصرف إلى إصلاح الناس، بأخذهم بالطاعة والأعمال، حتى تتحقّق السعادة في المجتمع، وأنّ الحكمة هي صاحبة الشريعة، والأخت الرّضيعة لها"1.
إنّ فلسفة ابن رشد وموقفه من أمر العلاقة بين الحكمة والشريعة "أي بين الفلسفة والدّين"، هو موقف مهمّ جدّاً ومتفرّد، وردَ ذلك في كتابه (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتّصال)، وقد ميّز في كتابه هذا بين الدّين والفلسفة، لكنّه جعلهما على ارتباط وتواشُج.
يقول ابن رشد بهذا الصّدد: "إنّ الشّرع دعا إلى اعتبار الموجودات، والنظر فيها عقلياً، وهناك آيات كثيرة في ذلك، مستمدّة من القرآن الكريم، كقوله تعالى: {... فاعتبِرُوا يا أولِي الأبصار}2، وفي قوله تعالى: {أفلا يَنظرُونَ إلى الإبلِ كَيفَ خُلِقَت}3".
ولا شكّ أنّ فكر ابن رشد يمثّل مجالاً فسيحاً للبحث الفلسفي، ولابن رشد مكانته المشهودة في تاريخ الفكر الفلسفي، فهو في الفلسفة العربية بمنزلة أرسطو من الفلسفة اليونانية، واقتفى ابن رشد أثر "المعلّم الأوّل" من حيث المنهج، أو من حيث المبادئ الأرسطيّة، التي اعتنقها ودافع عنها.. أمّا أسلوبه، فيمتاز بالجانب العلمي الرّصين، الذي ينطوي على الدقّة والعمق.
و(يُعدُّ ابن رشد نموذجاً مرجعيّاً فريداً في تاريخ الفكر الفلسفي، كما يُعدّ من أشهر فلاسفة الإسلام، قدّمه صاحب رواية "حيّ بن يقظان": "ابن طفيل"، أبو بكر محمد بن عبد الملك، 1110)– 1181م)، لأبي يعقوب يوسف، خليفة الموحّدين، وقد مثّل ابن رشد فكرة قناة هامّة، ربطت بينه وبين العالَم الغربي)4.

وللتوضيح أكثر؛ فإنّ ابن رشد في حقيقة الأمر لم يكن مُلْحِداً، كما اتّهمه البعض، بل كان صاحب عقليّة تلتزم بالمنطق.. وشهرته من شهرة أرسطو، أي أنّ شهرته قامت على إنتاجه، لا على ضخامته، فشرحُهُ لإلهيات أرسطو من أرقّ الشّروح، وقد بقي مرجعاً لدارسي فلسفة أرسطو.. وسرّ عظمته، ليس في شرحه أرسطو وحسب، بل في تفهّمه لروح أرسطو، كذلك انتقد فلاسفةَ العرب؛ لأنّهم خرجوا عن مبدأ أرسطو، كما فهمه هو.
وعلى الرّغم من تقديره الكبير لأرسطو -كما هو واضح من شروحه، "وهذا التقدير لا يعني أنّه يعتبر أرسطو سلطة لا تُمَسّ"- فإنّه يعارضه، وينقده في كثيرٍ من الأمور.
وقد (عُرف ابن رشد في أوروبا بـ"أرسطو العرب"، فهو الذي وضع للعقل منهجه وأسسه وفلسفته)5. بل إنه يُعَدّ من أكبر فلاسفة العصور الوسطى في الشرق والغرب، حتى امتدّ تأثيره في العقل الأوروبي، حتى صار أشدّ من أرسطو ذاته، وفلسفته عقلانيّة الطابع والمنهج، فهو يعبّر عن النّزوع العقلي في كلّ ما عُرِض له من مسائل الفلسفة وقضاياها.. و"العقل عنده قادر على استنباط الأحكام، واستخدام البراهين للوصول إلى الحقيقة".
ويُعَدّ ابن رشد أيضاً من الفلاسفة التّوفيقيين، الذين أجهدوا أنفسهم للتّوفيق بين الدّين والفلسفة، أو بين "النّقل"، و"العقل"، فهو يرى (أنّ ثمّة توافقاً قائماً بين "الحكمة" وبراهينها العقلية، وبين "الشّريعة" المُستنِدَة إلى الوحي والنصّ، وفي هذا المنهج، تتآخى "الحكمة"، و"الشريعة"، ويتزامل "العقل"، مع "النّقل").. ويؤكّد ابن رشد هذا بقوله: "إذا كانت الشّريعة حقاً، وداعية إلى النظر المؤدّي إلى معرفة الحقّ، فإنّا معشرَ المسلمين، نعلم على القطع، أنّه لا يؤدّي النّظر البرهاني إلى مخالفة ما وردَ في الشّرع، فإنّ الحقّ لا يُضادّ بالحقّ، بل يوافقه، ويشهد له"، وقد وردَ كلّ هذا في كتبه: "فصل المقال وتقرير ما بين الحكمة والشريعة من الاتّصال"، و"الكشف عن مناهج الأدلّة في عقائد الملّة"، و"تهافت التّهافت".
ويتّضح لكلّ متتبّع واعٍ، أنّ فهم ابن رشد الذي يقوم على التوفيق بين "الشّرع"، و"العقل"؛ إنّما وردَ لإثبات وحدانيّة الله تعالى، وألوهيّته الحقّة، وأنّه استخدم المجاز اللّغوي، والتّأويل المُنضبط، لتفسير النصوص القرآنيّة المقدّسة تفسيراً واعياً دقيقاً.
وقد أبطلت فلسفة ابن رشد الاتّهامات التي وُجِّهت في حقّه، بأنّه أنكر وجود الله، فقد استدلّ على وجود الخالق بموجوداته وخلْقه، وقد أكّد "أنّ القياس موجود في الفقه"، ولم يقل عنه إنه "بِدْعَة"، فبذلك "يكون القياس العقليّ له الحكم ذاته".. وميّز ابن رشد بين الأقيسة: كالقياس البرهاني، والقياس الجدلي، والقياس الأصولي.
وأمّا الحكمة برأي ابن رشد، "فما هي إلّا درس الموجودات بالقياس العقليّ، فليس هناك فرق بالطريقة بينهما، وأنّ الشريعة والحكمة تلتقيان في وحدة جوهريّة من حيث هما وجهان لحقيقة واحدة، وأمّا الدليل النّقليّ، فهو أنّ الشريعة هي دراسة صانِع العالَم"6. ومثل قوله تعالى: {أوَلَمْ ينظرُوا في مَلكُوتِ السّماواتِ والأرْضِ وما خَلقَ اللهُ مِنْ شيء...}7.
ومن مبادئ ابن رشد، "أنّ الدين الإسلامي حقّ، والفلسفة حقّ، وأنّ الحقيقة لا يمكن أن تنقسم على نفسها، وأنّ الدين يستهدف قبل أيّ شيء آخَر: حثّ الناس على عمل الفضيلة، ذلك بتقريب الحقائق على اختلافها من الأذهان، والوصول إلى هذا الهدف، أمّا هدف الفلسفة فهو معرفة الحقيقة"8.
وكي يكون الكلام منطقيّاً ودقيقاً، فقد كان تأثير ابن رشد كبيراً في الغرب، حيث اهتمّ الفلاسفة الغربيون بشروحاته لفلاسفةٍ كبارٍ كأفلاطون وأرسطو، وكان فلاسفة الغرب حينها يبحثون عن الفكر العقلانيّ، ليقفوا في وجه الفكر اللاهوتيّ المسيحيّ المسيطر على كامل الحياة اجتماعياً وسياسياً بأوروبا في العصور الوسطى، وقد حارب رجالُ الكنيسة والدّين المسيحي الفلسفةَ والمنطق، ودعوا الناس إلى محاربتهما في ذلك الوقت.
على الضفّة الأخرى، كان العرب قد كفّروا ابن رشد، وأحرقوا كتبه، واستنكروا كلّ أفكاره، كالأخذ من ثقافات الحضارات الأخرى كالإغريق، ومالَ فلاسفة الغرب إلى آرائه الفلسفية، التي لم يتخلّ عنها، برغم معاداة رجال الدين الإسلاميين والمسيحيين واليهود لها.
◂ قصارى المبحث
يتضح لنا فيما وردَ مكانة ابن رشد في تاريخ الفلسفة، وأنّ له مميّزات انفرد بها عن غيره من أكبر فلاسفة العرب، وأشهر فلاسفة الإسلام، كـ"الكندي، والفارابي، والغزالي، وابن سينا"، ثمّ إنه أعظمُ أثراً في التفكير الأوروبي، في القرون الوسطى عامة، بما قدّمه لهذا الفكر من شروح على كتب أرسطو، ولقد كرّس كلّ حياته، وكلّ جهده لشرح قضايا الفلسفة الأرسطيّة وتفسيرها.
وابن رشد هو واحد من الفلاسفة الذين اتخذوا موقفاً صريحاً من العقل والدّين، فعيّن لكلّ واحد منهما مجاله الخاص به، (فالحقائق الدينية في نظر فيلسوف قرطبة "ابن رشد"، ليست مناقضة للعقل، ولا العقل يُناقض الدّين؛ لأنّ الدّين حقّ، وباستطاعة العقل أن يعرف الحقيقة).
وإنّ اعتماده على العقل، هو الذي جعل آراءه وأحكامه واضحة، والعقل عنده هو "إدراك المعقولات"، أو "إدراك صور الموجودات"، من حيث هي بلا هيولى مجرّدة من المادة.. والفلسفة عنده هي النظر في الموجودات لمعرفة مُوجِدِها، والحكماء من الفلاسفة يطلبون الحقّ، أمّا الشريعة، ومقصدها الأوّل، هو تعليم الجمهور، والوصول إلى السعادة.
ختاماً.. هذه ثلّة من أقوال "ابن رشد" على سبيل التّمثيل، مُقتبسَة من بعض كتبه:
1. إنّ الحكمة، هي النّظر في الأشياء بحسب ما تقتضيه طبيعة البرهان.
2. إنّ الحكمة، هي صاحبة الشّريعة، والأخت الرّضيعة لها، وهما المُصطحبتان بالطّبع، المُتحابّتان بالجوهر.
3. العلم في الغربة وطن، والجهل في الوطن غربة.
4. فسادُ القضاء، يُفضِي إلى نهاية الدولة.
5. لو سكت مَنْ لا يعرف، لَقلّ الخلاف.
6. علّمْ ابنك أنْ يقبّلك على رأسك لا على يدك، حتى يتعلّم الشّموخ والعزّة، بدلاً من أن يتعلّم الانحناء والإذلال.
7. مجالسة الصالحين، تُحوّلك من ستّة إلى ستّة:
من الشكّ إلى اليقين، من الرّياء إلى الإخلاص، من الغفلة إلى الذِّكر، من الرّغبة في الدّنيا، إلى الرّغبة في الآخرة، من التكبّر إلى التّواضع، من سوء التّيه إلى النّصيحة.
8. إنّ المرأة كفءٌ، لأن تُمارس أعمال الحرب وأعمال السّلم معاً، وإنّها قادرة على دراسة الفلسفة.. وإنّ المجتمع العربي لن يرقى إلّا إذا كفّ الرّجل عن استعمال المرأة لِمُتْعَتِه، وقصرَ نشاطها على أعمال المنزل.
المراجع والإحالات: 1. زينب محمود الخضري، "أثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى"، دار التّنوير، بيروت/ لبنان، ص: (121). ┋ 2. سورة "الحشر"، الآية 2)). ┋ 3. سورة "الغاشية"، الآية (17). ┋ 4. رمزي نجّار، "الفلسفة العربية عبر التاريخ"، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1977 (ص 279 + ص 281).. ┋ 5. مراد وهبة، "المعجم الفلسفي"، النّاشر: دار قباء/ القاهرة/ مصر، 2007 ص: (15). ┋ 6. كمال اليازجي، "معالم الفكر العربي في العصر الوسيط"، ط 3، بيروت، 1961، ص: 239)). ┋ 7. سورة "الأعراف"، الآية ((185. ┋ 8. محمود حمدي زقزوق، "الدِّين والفلسفة والتّنوير"، ص: (50).
صورة المقال: تمثال ابن رشد - مدينة قرطبة، إسبانيا.