لوحات تقبض على نبض الحارة

فاطمة عادل وإعادة إنتاج الأثر الشعبي

د. إنجي عبدالمنعم

في وقت يزداد فيه العالم اعتماداً على التكنولوجيا الرقمية التي تذوب معها الخصوصيات الثقافية، تأتي تجربة الفنانة التشكيلية فاطمة عادل في معرضها الأخير المعنون بـ"ما تبقى من الأمس" كمحاولة فنية جادة لاستعادة الهُوية والروابط الإنسانية الدافئة. ويتضح منذ البداية أن هذا العنوان يعبر عن مشاعر حية وبنية شعورية يمكن استدعاؤها لتطوير الحاضر والاشتباك معه. ومن هذا المنطلق، تفتح الفنانة نافذة واسعة على الذاكرة الشعبية المصرية والعربية، وهي في ذلك تُعيد ترتيب تفاصيل الحياة اليومية والموروث الشعبي وصهرها في قالب فني يمزج بوعي بين العفوية الساحرة والواقعية الخيالية ذات الطابع الشرقي الخالص.

وإذْ تشكل الرموز والموروثات في جوهرها شبكة متكاملة تصوغ العقل الجمعي؛ فإنّ الفنانة تقدم علاقاتٍ إنسانيةً وطقوساً ممتدة تجعل من مواسم الحصاد والزواج وجلسات السمر رموزاً ثقافية مشتركة تجمع الناس. ويتكامل هذا المنظور مع إحساس المكان الذي يحول المساحات الأليفة كالبيوت والسطوح والشرفات وسجاد الجلسات إلى فضاءات مليئة بالروح والمشاعر، بحيث يُعاش المكان بالوجدان قبل أن يُرى بالعين، مما يرفع التفاصيل العادية والعابرة في لوحاتها إلى مرتبة الجمال الرفيع والمطلق.

تبرز في اللوحات قضايا محورية تحتفي بالمرأة والطقوس الجماعية الحميمة، وخاصة في تلك الأعمال التي تصوّر التحام الفتيات واستعدادهن الحافل بالبهجة لليلة العرس. وتظهر العروس في مركز اللوحة بفستانها الأبيض الناصع، تُحيط بها فتيات بوجوه مستديرة وعيون كحيلة واسعة تستدعي على الفور ملامح الفن القبطي القديم وبورتريهات الفيوم الشهيرة، مما يمنح الشخصيات بُعداً تاريخيّاً عابراً للزمن الحالي. وفي ذات السياق الإنساني الدافئ، نرى مشهداً لامرأتين تجلسان على سجادة مزركشة لتصفيف الشعر بالأسلوب التقليدي وبجوارهما قطة مسترخية، وهو مشهد يجسد مفهوم الحياة الهادئة وآلية استبقاء الطمأنينة التي افتقدها إنسان العصر الحديث.

وفي المقابل، يتسع المشهد البصري عند فاطمة عادل ليشمل الفضاء الخارجي وعمارة الحارة الاجتماعية، حيث يذوب الحد الفاصل بين الخصوصية والعمومية في فضاء إنساني واحد ومدهش. ويتجلى ذلك بوضوح في لوحة بائع الفاكهة المتجول الذي يقف خلف عربته المزينة بالتمائم الشعبية كالعيون والكفوف لدرء الحسد، بينما تطل عليه امرأة من شرفتها العلوية لتدلي بسمتها التقليدي، وتبتاع منه في تفاعل حركي رائع يربط بين الأعلى والأسفل. ولا تقتصر هذه الحيوية على مناخات الحارة فحسب، بل تمتد إلى الفضاء الرحب في لوحات جني القطن، حيث تتداخل الشفافية الزرقاء للسماء مع بياض لوزات القطن الناصعة، وتتحرك الفتيات بحركات إيقاعية راقصة تبعد العمل عن مشقته البدنية وتدخله في إطار الاحتفالية المبهجة.

وتكمن القيمة الفنية والجمالية لهذه الأعمال في التكنيكات التشكيلية الصارمة والشاعرة التي اتبعتها الفنانة في صياغة عناصرها. إذْ تتعمد الفنانة ممارسة نوع من المبالغة المقصودة وتغيير نسب الأجساد، فتأتي الأيدي والأقدام ممتلئة وقوية لترمز إلى الخصوبة والنماء والوفرة، محاكية في ذلك تماثيل الآلهة الأم في الحضارات القديمة لتجعل من المرأة مركزاً للكون وصانعة للحياة. وعلاوة على ذلك، تتخلى اللوحات عن أبعاد المنظور الهندسي التقليدي لصالح المنظور الذهني أو منظور عين الطائر الذي يرى المشهد من الأعلى، وهو ما يظهر في لوحة جلسة السمر والعزف على العود، حيث نرى الطاولة الدائرية وإبريق الشاي من الأعلى بينما تبدو الوجوه من الأمام، في توليفة بصرية مميزة تشبه أسلوب المنمنمات الإسلامية القديمة.

وبناءً على هذا البناء البصري المزدحم، يميل التكوين الجمالي في المعرض إلى ملء كل مساحة في اللوحة بالزخارف النباتية أو التفاصيل الدقيقة، وهو ما يُعرف بـ"رعب الفراغ" الذي يمنح عين المشاهد حالة مستمرة من الاكتشاف والشغف. ويتوازى هذا التدفق الزخرفي مع تناغم لوني لافت يتأرجح بين الكثافة اللونية الناتجة عن ألوان الأكريليك في تفاصيل الملابس والحلي، وبين السيولة العالية للألوان المائية في الخلفيات، مما يخلق حواراً تشكيلياً ممتعاً بين مادية العناصر وأثيرية الفضاء المحيط بها. ونتيجة لهذا التباين، تبدو الأحداث الحياتية في اللوحات وكأنها تدور في فضاء سحري يقع تماماً بين حدود الواقع المرئي ومساحات الحلم اللامتناهي.

واتصالاً بهذا الفضاء الواقعي الخيالي الساحر، لا تبدو تجربة فاطمة عادل معزولة عن مسارات التشكيل العالمي، بل تتقاطع بوضوح مع اتجاهات فنية دولية ارتكزت على جدلية "التأثر والتأثير" في صياغة الشخوص والكتل الفلكلورية. ويبرز في هذا الصدد طيف الفنان الكولومبي الشهير فرناندو بوتيرو (Fernando Botero)، الذي جعل من تضخيم الأجساد والمبالغة في امتلاء الكتلة أسلوباً للاحتفاء بالحضور الإنساني والحيوي الصاخب في مواجهة برود الحداثة، وهو ذات المنحى الجمالي الذي توظفه الفنانة هنا لمنح شخوصها طاقة فطرية جبارة. كما تلتقي شاعريتها الشعبية مع عوالم الفنان السريالي الفطري مارك شاغال (Marc Chagall) في تحدي الأبعاد التقليدية وهندسة الأمكنة لصالح فضاء الذاكرة والحكايات، مما يؤكد أن المعرض ينخرط بوعي واقتدار في حوارية الفن العالمي، مع تمسكه الصارم بخصوصيته ومحليته وجذوره الشرقية الخالصة.

ومن ثم؛ فإنّ تجرِبة فاطمة عادل تعبر عن انحياز حقيقي للمهمشين والبسطاء وتحتفي بقدرتهم الفائقة على صناعة البهجة رغماً عن قسوة الحياة اليومية. فالمرأة في هذه اللوحات هي ذات فاعلة وقوية تدير شؤون البيت، وتجني المحصول وتقود الاحتفال بتضامن نسوي هادئ نابع من قلب البيئة المحلية دون استيراد نظريات جاهزة. وبذلك تنجح الفنانة في القبض على اللحظة الهاربة من قطار الزمن لتجعل من معرضها إضافة حقيقية لتيار الواقعية التعبيرية ذات الجذور الشعبية في الفن التشكيلي المصري، واضعة بصمتها بروح معاصرة تعيد إلينا تصالحنا مع هويتنا وذاكرتنا البكر التي كادت أن تطمسها الأيام.

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها