
في السجال الحضاري ما بين الشرق والغرب كانت الرحلات من وإلى الغرب والشرق هي أحد مظاهر هذا السجال، والتي دونت لاحقاً مثل رحلات المستشرقين إلى بلاد الشرق، والتي كانت في جزء منها لا تخلو من أهداف عسكرية استكشافية للمستعمر الغربي، لكن في أجزاء منها كانت لاستكشاف الشرق وتدوين عاداته وتقاليده ومعارفه وعلومه، مثل الرحلات التي اشتهرت لكبار الرحالة المستشرقين وعلى رأسهم جولدتسهير وماسينون وغيرهم.
وهو نفس السجال الذي دار في الرحلات الشرقية إلى بلاد الغرب الأوروبي أو بلاد الشرق الأكثر تمدناً مثل اليابان أو روسيا. من هذه الرحلات؛ رحلة الشيخ رفاعة الطهطاوي إلى باريس، والتي نتج عنها كتاب "تلخيص الإبريز في وصف باريز" الكتاب المعروف ذائع الصيت، لكن هناك رحلات أخرى لم يكتب لها الذيوع والانتشار لمجايليه، مثل رحلة الشيخ محمد عياد الطنطاوي إلى بلاد روسيا، وربما يعزى عدم الذيوع والانتشار هذا إلى العلاقة المتوترة بينه وبين الوالي محمد علي.
تعد أهمية هذه الرحلة تحديداً في أنها كاشفة لطبيعة روسيا القيصرية، وكيف كانت تنظر إلى الشرق بوصفه مكوناً من مكوناتها الفكرية والإنسانية، تسعى للامتداد معه، وذلك عكساً للرؤية الاستشراقية لأوروبا الغربية التي كانت –غالباً- في حالة عداء مضمر في ثنايا خطاباتها الأكاديمية. لذا شهدت الأروقة العلمية الروسية اهتماماً بالآداب والعلوم العربية والإسلامية في فترة مبكرة، ما استلزم وجود قسم لتدريس اللغة العربية في جامعاتها، لاسيما جامعة سان بطرسبرغ، هذا القسم الذي اعتلى أستاذيته عدد من الوجوه العربية في القرن التاسع عشر، منهم الشيخ الأزهري "محمد عياد الطنطاوي" الذي لا تزال سيرته حاضرة بقوة في السرديات العلمية الروسية، ولا تزال وللحظة تتوالى عنه الدراسات والتقريظات في إسهماته بسد فجوة معرفية بين الآداب العربية والروسية. وعند بحثي عن تراث الشيخ وترجمته -التي اهتتمت بها بشكل شخصي فترة- لم أجد أوفى مادة من كتاب "أغناطيوس كراتشوفسكي" المعنون بـ(حياة الشيخ محمد عياد الطنطاوي، ترحمة؛ كلثوم نصر عودة، ومراجعة وتحقيق عبد الحميد حسن، ومحمد عبد الغني، مع مقدمة لسامح كُريِّم) ما يدل على غزارة المادة المقدمة في الكتاب، وتمام الاعتناء بها ودقتها، وهو ما ينقصنا حقيقة في مكتباتنا العربية، التي تُطبع فيها أحياناً كتب التراث والترجمة بلا تحقيق، ولا مراجعات جادة، وهو ما سيجبرنا في هذا المقال على عرض قراءة مكثفة، ومركزة ومختزلة لمادة الكتاب يتطلبها سياق المقال المحدود، مع إيراد عدد من ملاحظتنا الخاصة على متون الكتاب.
◄ سيرة حياته
وُلد الشيخ الطنطاوي في بلدة محلة مرحوم التابعة الآن لمحافظة الغربية في الدلتا المصرية، والتي كانت عاصمة الأقليم في ذلك الوقت، فيما تتضارب الآراء حول التاريخ الفعلي لمولده، إذْ هناك ثلاث روايات تتحدث عن تاريخ ميلاده، نظراً لطبيعة العصر التي لم يكن هناك اهتمام كبير بتوثيق المواليد فيها، لكن الراجح بتأكيد الشيخ نفسه أنه ولد عام 1810 لأب ميسور الحال يعمل بالتجارة، ويمتلك عدة بيوت في طنطا والمحلة، ونجريد، (صار اسمها الآن نجريج). تلقى الطنطاوي في بداياته العلم في مدينة طنطا، التي كانت تشتهر في هذه الآونة بكثرة محفظي القرآن الكريم، فحفظ القرآن الكريم كاملًا وسنه دون العاشرة، وعدداً من متون الكتب اللغوية والحواشي الشرعية التي كان يُشترط حفظها قبل الانتساب إلى الأزهر، الجهة العلمية الوحيدة في مصر في هذا التوقيت، التي انتسب لها الطنطاوي في الثالثة عشر من عمره مجايلا لعدد من الطلبة النابهين، منهم رفاعة رافع الطهطاوي. بدأ الطنطاوي بعد مرحلة التلمذة عمله كمدرس مساعد لعلوم اللغة العربية وآدابها في الجامع الأزهر مبكراً. ويبدو أن ظروف الشيخ الاقتصادية بعد موت والده تضعضعت ما دفعه إلى العمل في مدرسة لتعليم غير الناطقين بالعربية دقائق النحو العربي وآداب اللغة، فكان من نصيبة جوقة المستشرقين الروس الذين كانوا في مصر في هذا التوقيت، ما أهله بعد ذلك ليرشحه تلميذه وصديقه فيما بعد "موخين" مترجم السفارة الروسية لدى إسطنبول؛ لكرسي اللغة العربية بجامعة سان بطرسبرغ، وعلى عادة الوقت، كان لا بد أن يتلقى الإذن بالرحيل من الباشا والي مصر، محمد علي، الذي تأخر في الرد عليه ما يعد انعاكساً للبيروقراطية العتيدة في مفاصل أجهزة الدول في شرقنا. رحل الطنطاوي عن مصر عام 1840 على متن سفينة في رحلة استغرقت أكثر من أربعة أشهر، مر خلالها بالإسكندرية وجزيرة كريت، وأزمير، واسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية التي قضى فيها وقتاً قبل أن يغادرها إلى كييف الروسية، التي يصف معالمها في مذكراته بدقة، مبدياً إعجاباً بنظافة شوارعها وطيب هوائها، ليصل إلى سان بطرسبرغ التي لم يغادرها -ولوفاته- سوى مرة واحدة لاحضار أهله من مصر.
أما حياته الأسرية فهناك تضارب أيضاً في عدد زوجاته، وهل كانت واحدة أم اثنتين، لكن الثابت أن زوجته أم ولده الوحيد أحمد توفيت قبله متأثرة بالالتهاب الرئوي، ما ضاعف من أزمته النفسية، ليصاب بعدها بالشلل الذي لازمه لسنوات حتى رحل عام 1861 عن عمر يناهز 51 عاماً، ليوصي بعدها بأن تتولى الدولة الروسية التعليم والإنفاق على ولده الوحيد، وهو ما التزمت به الدولة الروسية، حيث أمر القيصر "نيقولا الثاني" بصرف معاشه ومستحقاته لابنه مع التكفل بتربيته في مدرسة داخلية كعادة أعيان روسيا. أحمد ابنه الذي من عجائب الأقدار أن يرحل شاباً في أواخر الثلاثينيات من عمره تاركاً ابنة وحيدة اندمجت اندماجاً تاماً بعد ذلك في الحياة الروسية.
◄ ظروف عصره
شهدت بدايات القرن الثامن عشر نشاطاً هائلاً لحركات الاستشراق الغربي، الذي تعددت دوافعه، واختلطت أهدافه، ما بين استشراق استعماري كولونيالي، يمثل ألوية تحمل زياً معرفياً تمهد الأرض بعد ذلك للمحتل الغربي، وما بين استشراق بحثي بحتٍ يهدف إلى سبر أغوار العالم العربي والإسلامي. "أطروحة المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد "الاستشراق" إدوارد سعيد كاشفة وراصدة في هذا المجال؛ لأنها حللت بعمق وبرصانة أكاديمية سرديات الدوافع الاستشراقية".
لكن مع بزوغ القرن التاسع عشر دخل المجال ما يمكن تسميته باستشراق محب مأمون الجانب، وهو الاستشراق الروسي، فأغلب الكتاب والمفكرون الروس أبدوا ولعاً بالشرق الإسلامي ومعارفه وفنونه وكتابه المقدس، فتولستوي لطالما مدح التراث العربي، وكتاباته في هذا المجال أشهر من أن تعد، ومراسلاته مع الشيخ محمد عبده توضح بجلاء مدى إعجابه بالآداب والثقافة العربية، أما شاعر روسيا الأشهر "بوشكين" عَنْوَن أحد دواوينه بـ"قبسات من القرآن" مستلهماً آياتٍ مباشرة من القرآن الكريم، وفي رسالة كتبها "ديستوفسكي" لأخيه من سجنه في سيبيريا طلب منه نسخة من القرآن الكريم. هذا الاهتمام الأدبي هو انعكاس للمجهود البحثي في الدوائر الأكاديمية الروسية، التي خصصت قسماً مهماً من جامعاتها لدراسة اللغة العربية وآدابها.
أما في مصر فقد كانت الفترة التي وُلد وعاش فيها الطنطاوي هي فترة مفصلية في تاريخ مصر، فقد كانت قوى الاستعمار العالمية "فرنسا وإنجلترا" تضع أعينها وتتسابق في احتلال مصر التي أفاقت على مدافع المستعمر الفرنسي وهي تدك ساحل الإسكندرية دكاً، فيما لاقت مقاومات مملوكية وأهلية بأسلحة بدائية أنهتها بوحشية طوال فترة إقامتها في مصر، هذا على المستوى العسكري، أما على المستوى العلمي فقد لعب علماء الحملة الفرنسية -الذين تقربوا من مشايخ الأزهر- دوراً مهماً في تبصير العلماء الذين انتبهوا إلى تأخر الشرق الكارثي عن علوم الغرب، التي أبدوا انبهاراً بها، ولاسيما الشيخ "حسن العطار" شيخ "رفاعة الطهطاوي" و"عياد الطنطاوي"، والذي شجعهما بعد ذلك على السفر والتدوين والاستفادة من علوم الآخر.
وذلك بعد أن أجبر صراع القوى الإنجليزي الفرنسي في البحر المتوسط الحملة الفرنسية في الرحيل عن مصر، ليصعد لسدة حكم مصر مغامر ألباني طموح "محمد علي" الذي شجع بدوره البعثات العلمية من وإلى مصر، وذلك في سبيله لصنع هيكيلة دولة حديثة على غرار النموذج الغربي، لكن وللأسف أجهض مشروعه لسببين أساسيين؛ أولهما دخوله في حروب عبثية توسعية بلا قراءة فعلية لخريطة العالم السياسية آنذاك، والتي كانت من المستحيل أن تسمح له بالتمدد لأكثر من مصر والسودان، والسبب الآخر هو شراهته الشخصية في فرض الضرائب والجبايات، والتي كانت تصب في خزانته بشكل مباشر، ما أعاق استكمال عملية التطوير والتنوير، التي أرادها في روزنامة طموحاته.
على أن هذا التقهقر والتقدم في سياسة "محمد علي" الخارجية، واختلاف دوافعه الشخصية وأهدافه، لم يمنعه من الاستمرار في تشجيع البعثات العلمية الجماعية والفردية بين الشرق والغرب، فمول بعضها واستقبل وفود العلماء والباحثين في كل المجالات، ومن كل بلاد الدنيا باهتمام بالغ، حتى أصبحت عملية التلاقح هذه سمة من سمات عصره، وإن كان تأخر في الرد على مراسلات القنصل الروسي الجنرال "ميدن" للسماح للشيخ "الطنطاوي" بالسفر؛ فإنه أعطاه الإذن بعد ذلك، وشجعه على السفر، وأمره بالكتابة إليه باستمرار.
◄ آثار الشيخ محمد عياد الطنطاوي
ترك الطنطاوي عدداً من المؤلفات أغلبها عن متون اللغة العربية، وشروح المعلقات والمقامات، معظمها لا يزال مخطوطاً في حزانة الجامعة "بسان بطرسبرغ". لكن مصنفه الأهم في هذا السياق هو "تحفة الأذكياء بأخبار بلاد الروسيا"، وهو الذي نوه به كراتشوفسكي كمخطوط –لم يطبع- قابع في مكتبة اسطنبول في معرض كتابتهِ عن سيرة الشيخ وآثاره.
لكن الكتاب طُبع لاحقاً بتقديم وتحرير الدكتور "محمد علي صالحية"، ويعدُّ مرجعاً لا يقلُّ أهمية عن كتاب "رفاعة الطهطاوي" "تخليص الإبريز في وصف باريز" والذي ذاعت شهرته، ربما بسبب عطف "محمد علي باشا" عليه، عكسا "للطنطاوي" الذي لم يراسل "محمد علي" كما أمره، بل أهدى كتابه للسلطان العثماني "عبد المجيد"، والذي كانت علاقته بمحمد علي غير ودية.
ففي خطاب مبكر أرسله الطنطاوي لرفاعة الطهطاوي يتبدى إدراكه لأهمية التدوين في وصف مشاهداته في روسيا على غرار صاحبه "أنا مشغوف بكيفية معيشة الأوروبيين وانبساطهم، وحسن إدارتهم وترتيبهم، خصوصاً ريفهم وبيوتهم المحدقة بالبساتين والأنهار، إلى ذلك مما شاهدته قبلي بمدة في باريز. وبطرسبرغ لا تختلف عن باريز، بل تفضلها في أشياء؛ كاتساع الطرق ونحوه".

أما الكتاب فهو مقسم إلى مقدمة، وثلاثة فصول.
في الفصلين الأول والثاني، يتناول تاريخ روسيا، وجغرافيتها واصفاً ذلك وصفاً دقيقاً. أما الفصل الثالث الذي قسمه إلى عشرة أقسام، تناول فيها بدقة وصف كافة مناحي المظاهر والعادات وتقاليد المجتمع الروسي، ولاسيما التراتبية الطبقية الصارمة في عصور القياصرة من طبقة أعيان الأعيان، ثم الأعيان والتجار والضباط والفلاحين وغيرهم، هذه الصرامة التي حطمتها لاحقاً الثورة البلشفية عام 1917. كما تناول أيضاً عادات الروس في الزواج والطلاق وتكوين الأسرة، منوهاً أنه في بعض الحالات تحدث حالات العشق بين أفراد من خارج المؤسسة الزوجية، ورغم عدم مشاعيته؛ إلا أنه عَدهُ من رذائل المجتمع الروسي، ما يحيلنا إلى نهاية شاعر روسيا الأشهر "بوشكين"، الذي مات في منازلة عبثية دفاعاً عن شرف أسرته. كما تناول أيضاً تفشي ظاهرة القمار التي كانت منتشرة بين غالب طبقات المجتمع الروسي، ويسميها لعب الورق، ما يذكرنا أيضاً بمأساة الروائي الروسي الأشهر ديستوفسكي، الذي رغم عبقريته الأدبية؛ إلا أنه كان مقامراً فاشلًا، ما سببب له متاعب اجتماعية جمة.
كما يصف بيوت روسيا وحسن معمارها، ونظافتها ودقة ترتيب أساسها، وملاءمة البيوت لأجواء البرد الشديدة، من حيث المدافئ، والمداخن، وشعوره بالبرد في مصر واسطنبول عكساً لروسيا.
كما وصف جامعات وأكاديميات روسيا بقوله: "من أعظم الأبنية فيها أكاديميا العلوم لتعليم أشخاص يكونون علماء في المملكة، ولتصنيف الكتب النافعة، وحل المشكلات، وكتابة الوقائع والتاريخ والملاحظات"، كما أبدى إعجابه –وهو الشيخ المعمم- بمظاهر الفنون المختلفة التي يخصص لها فصلًا كاملًا من تياترات (مسارح)، ونوبات الموسيقى التي يفرق بينها وبين الموسيقى الشرقية في تبويبها (النوتة الموسيقية)، وما يسميها مساخر (السيرك) الروسي، ويصف ذلك كله أنه يهدف في النهاية إلى الترويح عن النفس، وتهذيبها وتعليمها عن طريق التمثيل، حتى إنه يصف الحفلات بقوله: "وليس في كل هذا ما يخل بالأدب، ولا يشتم منه رائحة الفجور؛ وإنما هي عوائد وأخلاق لإراحة النفوس".
كما يصف أيضاً حدائق ومتنزهات روسيا، وحديقة الحيوان بها التي لم تكن معروفة في ذلك الوقت لا في مصر ولا الشرق عموماً، كما يصف المقاهي والمطاعم وعادات المأكل والمشرب التي كانت تختلف عن عادات الشرق من حيث العناية الشخصية "وأكلهم بالسكاكين والشوك والمعالق، وكل يأكل في صحنه، ويأكل بسكينه وشوكته، ويشرب من كبايته وقدحه، فإذا فرغوا من أكل كل شيء غيرت الصحون وهكذا إلى آخر الطعام".
أما أكثر ما أثار انتباهه، وهو القادم من الشرق حيث النساء مدللات مترفات، فهو أن الزوجة الروسية هي مَن تعطي المهر للرجل، فيقول: "أما المهر فتعطيه الزوجة، وكثيراً من الأزواج صاروا أغنياء بسبب زوجاتهم، فالحسن ليس جالباً للعشق أقوى من المال".