تبدأ رواية الغافة المنذورة لليافعين بتمهيدٍ مشوّقٍ يستند إلى ميثولوجيا مخترعة، ينهض فيها تصوّرٌ عن شجرةٍ اكتسبت نوعاً من الذكاء الفائق جعلها سيدةَ الكوكب في زمنٍ سحيق. وبسبب تغيّر المناخ وتلاحق الكوارث، لم يبقَ من تلك الفصيلة سوى شجرةٍ واحدة. ويخبرنا الراوي أنّ اكتشافها جاء في خضم رحلةِ هروبٍ بحريّة لقبيلةٍ بدائية كانت تبحث عن النجاة من الموت. وما إن اقتربت سفنهم المتهالكة من الجزيرة، حتى لاحَت الشجرةُ لهم كجبلٍ شاهقٍ قبل أن تتكشف حقيقتها عقب استيطانهم تلك الجزيرة النائية.
نجحت الكاتبة فاطمة الكمالي في أن تجعل هذا التمهيد مدخلًا مشوّقًا يربط القارئ بأسطورتها الممتدة عبر فضاءٍ سردي واسع. لكنّ نجاحها الأكبر يكمن في قدرتها على جعلِ المتلقي يتتبعُ الخيطَ الأسطوريَّ وهو يتشعّب ويتوالد، باحثاً عن سؤالٍ واحد: ماذا بعدُ؟ وإلى أين تمضي هذه الحكاية؟
لغز الشجرة الراعية وتحوّلات عبد الله:
يفتتح الفصل الأول باحتفالٍ عائلي في مزرعةٍ شبه مهجورة، بمناسبة تخرج عبد الله في جامعةٍ صينية غامضة تُسمّى ويدادا، لا تدرّس سوى علم النبات، ويُقال إن عمرها ألف عام، وهو ما يثير استغراب الشخصيات والقارئ معاً. من خلال حوار عبد الله مع أخيه سلطان وصديقه محمود، تبدأ ظلال اللغز في التشكّل حول المزرعة ورجلٍ آسيوي يرعاها ويتقاضى أجراً مرتفعاً على عملٍ يبدو قليل الجدوى.
ثم يتضاعف الغموض حين يأمر الأبُ ابنه عبد الله بأن يستقيل من عمله ويتفرغ لرعاية المزرعة القاحلة. يَشي هذا الأمر الأبوي، المشحون بما يشبه الإصرار المريب، بوجود سرٍّ يثقله. ويتأكد هذا الإحساس عندما يتوسل العاملُ الآسيوي لعبد الله أن يتحدث إلى أبيه لتمديد عقده، لا طمعاً في المال بل تعلّقاً بالشجرة الوحيدة في المزرعة. وهنا يبدأ ذهن المتلقي في الربط بين تلك الشجرة وبين الشجرة الأسطورية التي قدّم بها التمهيد.
وتتضح أنّ مهمةَ عبدِ الله هي رعايةُ شجرةٍ وُضِعت داخل غرفةٍ بلا سقف، ولها برنامجٌ يوميٌّ غريب؛ تُسقى بعد المغرب بماءٍ ممزوجٍ بالفيتامينات، ثم تُحادَثُ عن موضوعاتٍ علمية، وفي الحادية عشرة يُغنّى لها. ويزيد هذا الترتيب العجيب توتيرَ الأجواء ودفعَ الحكاية نحو منطقةٍ أكثر التباساً وإغراءً.
يتصاعد العجب عند ظهور صندوق ممتلئ بملفاتٍ قديمة تُشبه ذاكرةً متراكمة لمن رعى الشجرة من قبل. غير أنّ وجود كاميرا فورية وصور حديثة داخل هذه الذاكرة يطرح سؤالًا نقدياً حول توظيف عنصرٍ تقني قد لا ينسجم تماماً مع المناخ الأسطوري للرواية.
وعندما يتمرّد عبد الله ويرفض الاستمرار في العمل، تستدعيه الشجرة بطريقة خارقة، إذْ تمتد جذورها إلى غرفة الفندق فتكاد تقلب فراشه. من هذا الفعل يتكشف أنّ الشجرة التي أخضعت الأب، تريد أن تبسط سطوتها على الابن كذلك. لكن عبد الله، بخلاف الأب، يبدأ في اختراق وعي الشجرة وإيهامها بمشاعر ومعارف مضلِّلة، مانعاً شرورها عنه وعن الآخرين. وهنا تتبدّى العقدةُ الجوهريةُ للرواية، وهي صراعُ الوعي بالوعي.
رحلة سلطان إلى ويدادا واكتشاف الإرث الخفي:
مع ازدياد خضوع عبد الله للشجرة، يظلّ سلطان يشكّ في رواية أخيه وفي قدرات الشجرة الخارقة. ويبرز هنا خط سردي آخر، عندما تُصبح الحاجة ملحّة للسفر إلى الصين لاكتشاف حقيقة جامعة ويدادا. لكن الشجرة تمنع عبد الله من السفر؛ لأنه أصبح راعيها، فيسافر سلطان بدلًا عنه، في لعبةٍ يبدو خيطها مشدوداً بين المصادفة وسلطة الشجرة.
يسافر سلطان دون أمتعة، حاملاً أجزاءً من نسيج الشجرة، ليجد أنّ عنوان الجامعة يقوده إلى متجرٍ متواضع. هناك يلتقي الشاب الصيني ديشي، الذي يتعرّف إلى كلمة السر «ويدادا»، ويصطحبه إلى بيتٍ تئنّ خزائنه من الكتب والوثائق، في مشهدٍ يزاوج بين الدهشة والرهبة.
وتتفتح أسرارُ الإرثِ القديم، فإذا ويدادا ليست جامعةً، بل سلالةٌ توارثت معرفةً متصلةً بالشجرةِ العاقلة. ويكتشف سلطان أنّ السلالة الوريثة كانت تنتظر شخصاً محدداً ليسمح له بفتح الحجرة. ومن خلال هذا الإرثِ يتعرّفُ القارئُ إلى أصلِ الصراع؛ فالشجرةُ عاقلةٌ وشريرة، وقد حاولَ المحاربُ القديمُ ويدادا القضاءَ عليها، لكنها دسّت بعضَ بذورِها في ثيابِه، فسقطت كلُّها في البحر، سوى بذرةٍ واحدةٍ هي التي نبتت على هذا الكوكب.
هذا الكشف يمنح الرواية طبقة ميثولوجية أكثر عمقاً، ويعيد تأويل الأحداث الأولى، كما يجعل رحلة سلطان عنصراً أساسياً في تفكيك الأسطورة.
تفكيك الأسطورة وخاتمة المعرفة والتحوّل:
بينما تنخدع الشجرة بامتثال عبد الله، تشرع في سرد قصة أمّها الشجرة الأم، والحكيم دلماي، والقبيلة الهاربة من السوس الذي أباد موطنها القديم. ويتقدّم السردُ عند هذه النقطة عبر راويين متوازيين؛ الشجرةِ التي تروي من ذاكرة جسدها، وديشي الذي يكشف ما تختزنه الوثائقُ الموروثة، فيتجاور المنظوران ليشكّلا وجهَي الحقيقة. يتفق الطرفان في أمور ويختلفان في أخرى، وتتحرك الرواية بين الحقيقة والوهم، وبين ذاكرة النبات وذاكرة البشر.
يستعين ديشي بالبروفيسور إستيفان جانوس لنقل محتويات الغرفة إلى مختبرٍ متخصّص، حيث تتكشف تفاصيل جديدة في حكاية الشجرة الأم، ومن بينها جريمة قتل الحكيم وعدد من أفراد القبيلة حين شعرت الشجرة أنهم يحيكون لها مصيدة.
تتجه الحكاية نحو نهايتها حين يتوصل عبد الله إلى اتفاقٍ هشّ مع الشجرة على التخلي عن شرورها. لكنه في الوقت ذاته يستمر في التأثير على وعيها، وفي اللحظة التي تستدعي فيها الشجرة البروفيسور وسلطان وديشي عبر قدراتها الخاصة، يفاجئ الراوي القارئ بأن العلماء قد استخدموا مجالًا مغناطيسياً لشلّ وعي الشجرة، ليتمكّنوا من قطع الجذور المتصلة بنبتة طفيلية كانت هي مصدر الذكاء الشرير.
وتُغلقُ الروايةُ مساراتِها عبر عرضِ نهاياتِ أبطالها؛ فديشي يُصبحُ ثريّاً بعد بيعِ مقتنياتِه، وسلطانُ يعودُ إلى حياتِه، بينما تتوتّرُ العلاقةُ بينه وبين عبدِ الله، وهو توتّرٌ تعزوه القراءةُ إلى ثِقَلِ التجربةِ التي مرَّ بها كلٌّ منهما.
ويبقى عبد الله البطل الأكثر فاعلية؛ فقد استطاع عبر ولوجه إلى الخلايا العصبية النباتية أن يهزم الشجرة، مكتسباً معارف لغوية مكّنته من تأليف كتب عديدة وترجمتها.
وتأتي حكمة الخاتمة لتقول إنّ الإنسان لا ينبغي أن يُقيم نفسه بما فقد، بل بما يملك.
الرواية -كما تبدو من خلال هذا النسيج الأسطوري- عملٌ مفعم بالخيال، تؤكّد من خلاله الكاتبة فاطمة الكمالي قدرتها على ابتكار فضاء سردي واسع وإدارته بحرفية. وعلى الرغم من اتساع النص وتعدّد طبقاته، فقد حافظ على تماسكٍ بنيوي وانتقالات سلسة، كما تُحسب له لغة واضحة ودالة ساهمت في وصوله إلى شرائح مختلفة من القراء، ومنحته تلك القدرة على بثّ دهشةٍ خالصة منذ التمهيد وحتى الخاتمة.