صدرت رواية "مزار محيي الدين" لمحمود الجاسم عن دار التّنوير، عام 2017م، وتختصّ أحداثها بتاريخ سوريا بوصفها بلداً عريقاً وجليلاً، أمّا السّرد الرّوائيّ فيسير في خطٍّ تصاعديٍّ تاريخيٍّ ينتهي نهاية تراجيديّة مؤلمة وقاسية.
تجري أحداث الرواية في مكان جزئيّ يتضمّن تنوّعات متعدّدة، من حيث الشّخصيّات خاصّة، كوجود شخصيّات أجنبيّة /أمريكيّة، وشخصيّات محلّيّة متنوّعة تبعاً للمنطقة التي تدور فيها أحداث الرواية، وهي مدينة حلب، ومن هنا تأتي أهمّية المكان الجغرافيّ بوصفه انتقاء روائيّاً لرصد أحداث وأنساق متعدّدة، أمّا ما يتّسم به هذا المكان جماليّاً فهو القيمة التّراجيديّة بوصفها القيمة النّصّية الكبرى، بينما تبرز قيمة العذابيّ بوصفها القيمة الموازية للتّراجيديّ، وهي قيمة تتجسّد في الشّخصيّات الرّوائيّة، ممّا يعني أنّنا أمام تراجيديّة المكان وعذابيّة الأفراد.
◄ المكان بين المتن والهامش
يمثّل المكان –في الرواية- بؤرة حضاريّة تاريخيّة تختزن رمزيّة بطوليّة عريقة، بينما تظهر الشّخصيّات بوصفها ذاتيّة منكفئة لا تعكس أية إيحاءات بخصوصيّة المكان، وهي الفرضيّة التي يمكن أن نعدّها محور النّص، من خلال علاقة عكسيّة ما بين المكان والشّخصيّات، إذْ كلما أوغل المكان في الواقع الرّاهن ابتعدت الشّخصيّات عن ذاكرته الحقيقيّة والعميقة، ولم تعد ذاكرة الأفراد آنذاك هي ذاتها ذاكرة المكان. وفي حين كانت تتشكّل ذاكرة الأفراد بشكل فرديّ وذاتيّ، كانت تتهاوى ذاكرة المكان شيئاً فشيئاً إلى درجة المحو تقريباً، وهو ما اتّضح من خلال التّركيز على شخصيّة محيي الدين في الرّواية، فهي ليست شخصيّة بالمعنى الواقعيّ بقدر ما هي تجسيد وتشخيص لرمزيّة المكان من خلال الذّاكرة، إلا أنّها رمزيّة فقدت الكثير من حقائقها، وهو ما يجعلنا نحدّد أطراً أساسيّة للذّاكرة المكانيّة ما بين التّاريخ الحضاريّ المتين والواقع المعاصر الهشّ؛ وما بين شخصيّة صوفيّة عميقة حقيقيّة وشخصيّة هلاميّة، مزيّفة وفارغة المحتوى، وفي هذا تكمن عقدة الرّواية من خلال الصّراع بين الطّرفين، مما جعل التّحوّل واضحاً ما بين الامتلاء والفراغ، ففي حين كان التّاريخ / الذّاكرة الحقيقيّة متناً قويّاً بحضوره العريق، أصبح هامشيّاً بعد أن تغوّلت شخصيّة محيي الدين -الرّمزيّة وهيمنت عليه وغدت متناً في الذّاكرة المعاصرة للواقع.
أمّا الحدث الأهمّ في الرّواية فهو ما يجسّده محيي الدين من وهم مقدّس، وهو ليس بطلاً من لحم ودم كما هي بقيّة شخوص الرّواية بقدر ما يمكن أن نعدّه مجسّداً للاوعي الجمعيّ -المتوهَّم، أو للذّاكرة الجمعيّة الواهمة، حيث هو حاضر في مجمل الشّخصيّات الرّوائيّة المحلّية، وقليل منها من خرج من تأثير هيمنته ممّا سنأتي عليه في حديثنا عن الشّخصيّات.
وقد أدّى هذا التّحوّل ما بين الحقيقة والوهم في ذاكرة المكان، إلى أن يغدو التّحوّل –جماليّاً- واضحاً من الجمال نحو القباحة في المكان جغرافيّاً، ومن الأنس نحو العذاب في الشّخصيّات، ومن الجلال نحو التّراجيديا في الحدث الأساسيّ للرّواية.
فإنّ التّقصّي المكانيّ المحض في الرواية يوضّح هيمنة قيمة الجميل على كل ما هو تاريخيّ أصيل من جهة وفطريّ من جهة أخرى، بينما تهيمن قيمة القبيح على كل ما هو حاضر/ راهن، فمن الجمال التّاريخيّ ما ورد في الرواية حول إبلا بأنّها "مدينة أثريّة سوريّة قديمة كانت حاضرة ومملكة عريقة، يقال: إنّ ظهورها يعود إلى ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد" [مزار محيي الدين، ص: 65]، أمّا الجمال الفطريّ فيبدو في مثل قوله: "بدت له نضرة فوّاحة زاهيةّ قوس قزح يتجلّى بألف لون ولون. عناقيد الغيم الورديّة تتدلّى من السّماء الملوّنة. الأبنية المزخرفة بالحجارة الصّفراء تتلألأ كالذّهب، بعدما بلّلها المطر.." [ص: 13]، فمن المؤكّد أنّ الجمال في الرّواية حاضر فقط في الذّاكرة التّاريخيّة البعيدة، وإن هذا المكان الحاضن لجمال الحضور تاريخيّاً، يتهاوى شيئاً فشيئاً أمام هيمنة مجريات الواقع المعاصر، ومن ثم تبرز مفارقة واسعة للمكان نفسه تبعاً للانتماء الزّمانيّ، فالسّمو والشّموخ والعظمة والجلال والجمال قيم تنتمي إلى الذّاكرة الماضية، حيث المكان قائم ما بين الجلال التّاريخيّ والحضاريّ العريق، والجمال الفطريّ الطّبيعيّ والرّوحيّ، إلا أنّ هذه الذّاكرة بعظمتها وشموخها تتهاوى أمام قباحات الواقع الرّاهن الذي يهيمن على تلك الذّاكرة التّاريخيّة ويشوّهها، فنغدو أمام العذابيّ والتّافه والوضيع والقبيح وهو ما تجسّده الذّاكرة الرّاهنة التي تغلغلت في أثناء السّرد الرّوائيّ الذي يشكّل أرضيّة العناصر السّرديّة المكوّنة للنّصّ، إذْ إنّ التّحوّل من الجمال نحو القباحة أدّى إلى تهاوي الجمال وسقوطه بشكل مفزع ومروّع، وليتجلّى ذلك في العناصر الوصفيّة للمكان، من مثل ما أورده الرّاوي في قوله:
"تجاوزت السّيّارة أبنية جانبيّة، وحديقة كبيرة، تبدو غير نظيفة، ومروجاً خضراء واسعة مع أشجار. ثم أدخله في حيّ شعبيّ، مبان عشوائيّة متلاصقة وغير متجانسة، مشيّدة بفوضى سيّئة. حبال غسيل على الشّرفات مكتظّة بألبسة ملوّنة. أكوام النّفايات عند زوايا الشّارع، ورائحة الزّبالة تغطّي كل شيء" [ص: 77]. وهو وصف يأتي على النّقيض تماماً ممّا سبق أن مثّلته تاريخيّة المكان وفطريّته، وهي مفارقة واسعة تستدعي العديد من الأنساق المضمرة ممّا لم يفصح النّصّ عنه، حيث تظهر أرضيّة القباحة بوصفها انعكاساً لسلطة مهيمنة، تتجسّد بالتّلوّث البصريّ الواضح ممّا لا يمكن أن يخفى على السّلطة أو الفئة الحاكمة، فتظهر العشوائيّة والفوضى والرّوائح النّتنة، وهي باختصار انعكاس للتّلوّث البشريّ، ممّا يجعلنا نؤكّد أنّ الشّكل الأبرز للقبيح هو النّفايات المرئيّة والأصوات الفوضويّة والرّوائح المشمومة، ممّا يعني تأذّي الحواسّ الإنسانيّة ولا سيّما البصر والسمع منها، وهوما أوجد حالة صداميّة منفّرة لدى المتلقّي المشاهِد، ولعل الأسوأ في ذلك هو تلك القباحة المتعايشة مع المظاهر الحياتيّة اليوميّة والجزئيّة، وهي مشاهدات يصرّ الرّوائيّ على إبرازها، لتبدو سمة ملموسة في حياة هذا المكان، بدءاً من إشارته إلى فوضى ركّاب الطائرة وهم يحملون حقائبهم [ص: 12] التي تعكس صورتهم الأرضيّة الحقيقيّة؛ وصولاً إلى الصّور المكانيّة العشوائيّة التي هي قائمة تحت عشوائيّة السّلطة نفسها.
◄ الشّخصيّات
◅ شخصيّة رأس الهامش
أي الفرد المحرّك للأحداث والمهيمن عليها، وهي شخصيّة الحاج فيصل بالتّحديد، إذْ إنّها شخصيّة تنبثق من الأرضيّة الهامشيّة، تتقاطع مع أفرادها وتتقارب في مناحي حياتهم، فـ"في الطّريق الفرعيّ نحو بيت الحاج فيصل انتشرت بكثافة حجارة سوداء على طول سفح الجبل في كل مكان. ولمّا تجاوزوها بدت بوجههم أشجار وتلّة من الحطب، أمام الحوش المحيط بالبيت، وبجوارها معلف للدّوابّ" [ص: 31].
فهي شخصية صيغت بعناية من حيث إنّه لا ينبغي لها أن تفقد المظهر الهامشيّ لها، في حين أنّها فعليّاً تتحكّم بأحداث الرّواية وبخيوطها بالشّكل الذي يلبّي مصالح النّسق المضمر –السّيّد، ويحمي مصالح رأس الهامش نفسه (الحاج فيصل) الذي هو الخيط الأعقد في الرّواية، نظراً لكونه نهاية المحور النّاظم الذي عمل الرّوائيّ على صياغته، من خلال إيجاد محور ناظم للهيمنة بدءاً من السّلطة العليا وصولاً إلى الطّبقة الفقيرة التي تغدو تابعة في الواقع إلى أقرب أنماط السّلطة إليها، وهي شخصيّة سيّد القبيلة التي جسّدها الحاج فيصل، ممّا يجعله فعليّاً بطل الرّواية من حيث انتظام خطوطها وأحداثها، فهو الذي يؤدّي إلى اشتباك بقيّة الخيوط، وهو الذي يفكّ عقدها، فمن جهة هو الذي يهيمن على محيي الدين ويتحكّم به مثلما أنّه يتحكّم بأهل المنطقة كلها، فيقول عنه "إنّه درويش، ومن يستطيع أن يؤثر فيه" [ص: 177]؟ وبرغم أنّ الأفراد العاديّين يقيمون قداسة لمحيي الدين، فإنّ الحاج فيصل هو الوحيد الذي يدرك أن محيي الدّين شخصيّة وهميّة، إلا أنّه ينبغي التّعامل معها ووفقاً لها بحسب الحاجة، وهو ما كان عندما أقنع الأفراد بإمكانيّة الحفر في المكان الذي يقيم فيه الدّرويش.
ومن جهة أخرى للحاج فيصل صِلاته وعلاقاته بالسّلطات المحلّيّة، فـ"الحاج فيصل كفيل بتسوية الأمور... علينا أن نوسّع من علاقاتنا مع بعض المسؤولين هنا في العاصمة" [ص: 120]، فتظهر علاقاته الوثيقة بالسّلطات المحلّيّة، ليبدو الشّخصيّة العارفة بمجريات الأحداث والقادر على الإمساك بخيوط الأحداث، كما قدمه الراوي في قوله: "في حين راح الحاج فيصل يفرك لحيته ويهز رأسه، وهو يتفحّص الآثار، متظاهراً بأنّه يجهلها، وكأنّه يراها لأوّل مرّة! ثم انفرد به رئيس المفرزة الأمنيّة مع مدير النّاحية بعيداً عن الحضور، وقال له: ستكون مع المسؤول عن حماية الآثار هنا" [ص: 33].
ومن حيث العلاقة بالسّلطات الخارجيّة فإنّها تتبدّى في التّفوّق والأهمّيّة بالنسبة إلى تلك السّلطات، كما في مخاطبة مايكل له: "هذه تحية التّعارف مع سعادتكم يا أبو نايف" [ص: 195]، لنلاحظ كيف أن الرّوائي يُنطق اللّغة في إيضاح المعالم النّصّيّة "سعادتكم"، إذْ لا يمكن أن تمر تحيّة التّعارف من دون الوقوف على لغة التّعظيم ممّا يعكس محوريّة الشّخصيّة؛ فكأنه من الضروري لشخصيّة الحاج فيصل أن تتضخم بهذا الشّكل حتى لا يتمّ الإفصاح عن شخصيّات السّلطة العليا الدّاعمة لشخصيّة الرأس، أو أنّها بهذا الشكل تضمر ما وراءها من شخصيّات أخرى، ومع ذلك فإن من المؤكّد أن شخصيّة الرّأس تخفي في الوقت نفسه ملامح السّقوط الممكن في أيّ لحظة من لحظات التّهاوي، وإن كانت الرّواية لم تحدّد ذلك أو تجعل ذلك نهاية له، فإنّ ما يدلّ عليه هو مجمل الدّلالات والعلائق الدّائرة حول شخصيّة الحاج فيصل ذاتها.
◅ شخصيّة المرأة - الهامش
وقد تجسّدت في شخصيّة سورين وحدها التي بدت وكأنّها إحدى شخصيّات الرّواية الرئيسيّة. لكن في حين لا تثير شخصيّة الحاج فيصل التّعاطف المباشر، فإنّ شخصيّة سورين برغم ما تملكه من قوّة وهيمنة في الرّواية تثير الشّفقة وتستدعي التّعاطف بشكل واضح، مع أنّه يبدو للقارئ أنّ الرّوائيّ أراد أن يجعل منها شخصيّة محوريّة في أحداث الرّواية، تمثّل الجمال في النّصّ، بينما بدا العكس هو الأكثر وضوحاً في شخصيّة سورين، فهي شخصيّة مثقلة بالأوهام النّفسيّة والعذابيّة، وهي على عكس شخصيّة الحاج فيصل التي تنزع نحو الهيمنة، تتوجه سورين نحو الخلاص الفرديّ، ولا يهمّها غير ذلك، وقد بدأت من مطلع الرواية عندما أشار الرّاوي إلى حدوث تأزّم نفسيّ واضح، كما في قوله: "دخلت غرفتها لتقرأ عن الآثار في إبلا استعداداً للّقاء المرتقب مع آدم. تناولت كتاباً يتعلّق بتاريخ إبلا، ولمّا تصفحته تفاجأت وشعرت بنار تشب وتسحق في قلبها! تجهّم وجهها، وتغيّر لونها! لا تعرف كيف بقيت بين صفحات الكتاب صورة خاصة، تجمعها بخطيبها السّابق مازن حين لبّسها المحبس" [ص: 19]! وهو الموقف الذي نشب في داخلها وبدأ يتحكّم في صيروراتها المتعدّدة، فمع بداية تعرّفها على آدم يذكر الرّاوي كيف أنّها "كانت ترسم له صورة، وتعيد تشكيلها بين الفينة والأخرى (...) وإذا أُعجب بها وتطوّرت العلاقة فسوف يسافر بها إلى هناك..." [ص: 18].
ثم مع علاقتها بمايكل حيث يقول الراوي: "تنشط في الرّحلات إلى المناطق الأثريّة، تتشمّم الأخبار وترصد الأماكن المهمّة، وتلتقي بمهرّبين، وفي الفترة الأخيرة بدأت تعمّق علاقتها بمايكل..." [ص: 157]. وهي الغاية الأساسيّة في عملها، وتتقاطع مع الحاج فيصل في ذلك إلا أن التّمايز بينهما من حيث التّسلّط فالحاج فيصل لديه رغبة سلطويّة جامحة؛ بينما لدى سورين رغبة فرديّة محض في سبيل الخلاص الفرديّ الذي لن يتحقّق إلا من خلال الجانب الشّكليّ الذي يركّز الرّاوي عليه كلّما أراد أن يتحدّث عن سورين، إذْ لا يكاد مشهد تكون إحدى بطلاته إلّا وللوصف الحسّيّ حضور في ذلك، وكأنّ الرّاوي يحصر أهمّيّة المرأة في الجانب الحسّيّ وحده، وهو بذلك يرسّخ صورة المرأة السلبيّة التي تقدّمها بوصفها جسداً فحسب، فهي المرأة المدخّنة والمتحرّرة، وإن كان ما تتمتّع به "لم يكن يحتلّ الدّرجة الأولى في سلّم أولوياتها، بل يختفي إذا ما قورن بطموحها الجنونيّ للشّهرة، وحلمها بالهجرة إلى أمريكا" [ص: 27].
◅ الهامش - الكومبارس
وهي شخصيّات كثيرة جداً في الرّواية، بالإضافة إلى أنّها تمثّل الثّقل السّرديّ الرّوائيّ الذي يختزن العديد من الأنساق الثّقافيّة، وهي في معظمها تجسّد قيم العذابيّ والقبيح والفظيع وسواها من القيم السّلبيّة المتّصلة بها، وقد برزت من خلال كلّ من أمجد وياسر ولقمان من جانب، وشريحة البؤساء الحفّارين من جانب آخر، على أن كل شخصيّة من هذه الشخصيّات تتضمّن العديد من الأنساق المضمرة التي تثير الانتباه، فأمجد ذهب ضحيّة ثأر عائليّ [ص: 133]، وياسر قُتل وهو يراقب حركة المهرّبين نظراً لنفوذ هؤلاء المهرّبين في الدّولة [ص: 17-208]، أمّا لقمان فهو شخصيّة ملغاة أساساً، ففي حديثه مع آدم يذكر له "أنّ قريته بعيدة. قرية مقطوعة ليس فيها كهرباء ولا ماء ولا مدارس. أهله يفتقرون إلى الانتماء، ليس لديهم هويّات رسميّة.." [ص: 79].
وتتبلور شخصيّة لقمان شيئاً فشيئاً بدءاً من التّجسيد الفرديّ وصولاً إلى مجتمع كامل مهمّش. ومن الشّخصيّات المهمّشة أيضاً ما أورده الرّاوي على لسان الحاج فيصل "الشّباب مستعدّون للحفر، جاؤوا حين سمعوا بالأجر المجزي" [ص: 86]، وهنا تبرز المفارقة الواضحة ما بين السّلطة والهامش، فالثّأر أو القتل أو النّبذ أو الفقر، كلّها أحداث وعوامل تحدث على مرأى من السّلطة لكنّها تُعامَل بتجاهل وتهميش، لنكون أمام حالة من الفصام الواضح ما بين السّلطة والشّعب، وهذا النّمط من الشّخصيّات بالإضافة إلى شخصيّة المرأة شخصيّات عذابيّة بالمطلق، فهي نتاج واقع تراجيديّ يكون من تبعاته، عمق الحساسية الفردية، بوصفنا متلقّين لتراجيديا الواقع، بينما تطغى العذابيّة على الأفراد المعايشين للتّراجيديا التي تثير الشّفقة أكثر ممّا تثيره شخصيّة آدم المريض والمتهالك الذي ركّز عليه الرّوائي في هذا الجانب تحديداً.
◅ شخصيّة آدم
تبدو من أكثر الشّخصيّات المحيّرة في الرّواية، ولكن في المقابل يمكن القول: إنّ من أكثر التّفسيرات اقتراباً من إيضاح الحيرة هو صورة اللاوعي المهيمن، فآدم مثله مثل المكان المعنيّ بالسّرد الرّوائيّ، انتهشه المرض من الدّاخل مثلما انتهش الضّعف والتّخلخل والمرض حضارة المكان، فوقع كلّ منهما أسير التّوهّم وفقدَ الأصول الحقيقيّة لكينونته، فكما أنّ محيي الدّين بوصفه رمزاً أو ذاكرة استلب كينونة المكان، كذلك استلب مرض السّرطان ماهيّة آدم وكينونته، وكما أنّ المصلحة الفرديّة للسّلطة العليا صاغت شخصيّة محيي الدين بما يتناسب مع طموحاتها، كذلك كان آدم بالنّسبة إلى سلطته العليا، فهو الذي قدّم لها خدماته عبر سنوات بطرائق احترافيّة متميّزة، جعلتهم يلحّون على وجوده في المهمّة الأخيرة برغم مرضه، فالسّلطة أيّاً كانت لا تعير اهتماماً للجانب الإنسانيّ أمام شهواتها السّلطويّة.
إلا أنّ التّآكل الدّاخليّ لدى آدم انفجر في تصرّفاته وأقواله وأفعاله، حتى تغوّل الوهم إلى درجة كبيرة وانتهى به الأمر إلى الموت وهماً قبل أن يكون موتاً حقيقياً، وهنا مكمن الخطر بالنّسبة إلى الرّاوي أي من الموت الفعليّ بعد تضخّم الوهم وتحكّمه بمجريات الأمور، وهو ما قد حدث في نهاية الرّواية، فآدم أعادته الطّائرة بعد موته، أما النّبع المكتشف في عمليات الحفر فقد أوجد مساراً وهميّاً جديداً يضاف إلى مسارات الوهم السّابقة، إذْ مات وهم محيي الدين عندما "دار الدرويش محيي الدين حول المزار، وأخيراً جلس بقربه، وشرع في تناول الوجبة. أكلها كاملة. وفجأة نهض! وبدأ يدور حول المزار وينشج، استمرّ النّشيج لفترة، ثم بدأ يخفت بالتّدريج، حتّى همد نهائيّاً، انتظرنا بحدود نصف ساعة واقتربنا منه، كان ممدّداً بقرب المزار جامداً دون حركة" [ص: 266]، وفي المقابل وُلد وهم جديد، وهم المياه المقدّسة حيث "توالى النّاس جماعات جماعات، يدفعون ويشربون ويتبرّكون، بأصوات تبتهل وتتعالى ممزوجة بالدّموع والنّشيج" [ص: 268]. وبذلك يعلن الراوي نهاية السّرد الذي هو صورة للموت الفجائعيّ على الصّعيد الفردي – الجماعيّ آدم والمكان، فكلاهما بموته يعلن انتهاء الرّؤى المستقبليّة المتعلّقة بأيّ منهما، لكن الخطورة تكمن في الوهم المكانيّ نظراً لقابليّته للتّعديل أو الإضافة أو إعادة التّشكيل بما يوحي بدخول مرحلة جديدة، تبدو في الظّاهر حقيقة، ولا يعرف إلا القليل أنّها وهم محض.

المصدر/المرجع: الجاسم، محمود: مزار محيي الدين، دار التنوير: بيروت، ط1، 2017.