الحبّ بوصفه معادلة

قيس بن الملوّح وآلان آسبكت في مواجهة التشابك الكموميّ

د. سمر الديّوب


في زمنٍ تتقاطع فيه الأسئلة أكثر مما تتقاطع الطرق، وتتشابك فيه الحقول المعرفيّة كما تتشابك الجُسيمات في مختبرات الفيزياء الحديثة، يصبح الأدب قادراً على أن يمدّ يده إلى العلم؛ ليحاوره، لا ليشرحه. فالعشق الذي كان يوماً موضوعاً للقصيدة، يمكن أن يصبح اليوم مرآةً لظاهرة كونية، والفيزياء التي كانت حكراً على المعادلات يمكن أن تجد صداها في بيت شعر.


من هنا وُلد هذا الحوار المتخيَّل بين قيس بن الملوّح، عاشق العرب الأول، وآلان آسبكت Alain Aspect، أحد أبرز العلماء الذين أثبتوا التشابك الكمومي تجريبيّاً. لقاءٌ يجمع بين لغتين: لغة القلب، ولغة المختبر.


قيس الذي رأى ليلى في الريح، وآسبكت الذي رأى الإلكترونات تتواصل عبر الفراغ، يلتقيان في مساحة لا تخضع للزمن ولا للمكان، ليكتشفا أنّ ما يجمعهما أكبر مما يفرّقهما: فكلاهما يبحث عن علاقةٍ تتجاوز المسافة، وتكسر حدود المنطق، وتُبقي الأشياء متصلة على الرغم من الانفصال.


ليس هذا المقال محاولة لشرح الفيزياء بالشعر، ولا لتجميل الشعر بالعلم، بل هو تجربة تخيّليّة تُظهر كيف يمكن للخيال أن يفتح باباً لفهم العالم، وكيف يمكن للعلم أن يضيء زاوية في القلب.

إنه دعوة للتأمل في تلك الروابط الخفية التي تحكم الكون: بين الإلكترونين المتشابكين، وبين قلبين لا يفصل بينهما إلا الجسد.

في هذا الحوار، يصبح التشابك الكموميّ استعارة للحب، ويصبح الحب تفسيراً إنسانياً للتشابك.

ويصبح السؤال واحداً: هل ما يربط الأشياء في الكون هو القانون… أو الشغف؟

 

 الحوار الافتراضيّ 

الراوي (بصوت عميق، ومؤثّر): في زمانٍ لا يعرف الحاضر، ومكانٍ لا يسكنه البشر، جلس رجلان من عالمين متوازيين... قيس بن الملوّح، الذي عشق حتى الجنون، وآلان آسبكت، الذي طارد الجنون العلميّ حتى أصبح حقيقة.

التقى قلبٌ عربيّ يخفِق باسم الحب، وعقلٌ غربيّ يبحث عن العلاقة بين الجسيمات. رجلٌ كان يبحث عن ليلى في كلّ نجمة، وآخر كان يبحث عن ارتباط الجسيمات عبر الفضاء.

بينهما… علاقة لا تُفسّر بالكلمات، ولا بالأرقام. لكنّ هذه العلاقة كانت حقيقية. لم يلتقيا ليتّفقا، بل ليختلفا... وليكتشفا أنّ الخلاف ليس سوى وجه آخر للترابط.

(ينظر قيس إلى الفراغ قائلاً بصوت عربي فصيح): يا صاحبي... هل شعرت يوماً أن قلبك مرتبطٌ بروحٍ أخرى لا تراها؟

(يجيب آلان بصوت فرنسيّ متّزن): ربما... إن كنت تتحدّث عن الحب، فأنا رجل علم. لا أصدّق إلا ما أراه، وأقيسه.

يجيب قيس: وأنا... لا أصدّق إلا ما أحسّه، وأشعر به. كنت أرى ليلى في الريح، وأسمعها في نَفَسِ الغيم. كنت أبكي إن ابتعدت، وأبتسم إن تذكّرتها.

يقول آلان بنبرة علميّة حاسمة: وهل تعلم أنّ الإلكترونين المتشابكين يمكن أن يؤثّر أحدهما في الآخر لحظةً بلحظة، وإن فصَلَهما الكون؟ إنّها ليست خرافة... بل هي تجربة أثبتناها أنا وزميلاي: أنتون ديلينجر Anton Dillinger، وجون كلاوزر John Clauser في مختبراتنا.

يندهش قيس: إذن ربما لم أكن مجنوناً... ربما كان بيني وبين ليلى تشابك روحي؟

يجيب آلان: ما بينكما ليس موضوعَ بحث علميّ. الحب لا يُقاس، ولا يُكرّر تحت المجهر.

يغضب قيس، ويقول: لكنكم تقيسون ما لا يُرى... وتقولون إنّ الجسيم يتفاعل مع أخيه على الفور... فلماذا لا تؤمنون أنّ الأرواح تفعل الشيء ذاته؟

يجيب آلان (بحدة علمية): لأن الأرواح لا تُخضعها للتجربة. نحن علماء، نعيش على الدليل. وقد أكّدت في أكثر من مناسبة أنّ: التشابك ليس فضولاً فلسفياً... إنّه واقع فيزيائي.

يجيب قيس (بصوت عاطفي): وأنا أقول:
أمرُّ على الديارِ ديارِ ليلى
أقبّل ذا الجدار، وذا الجدارا
وما حبُّ الديار شغفنَ قلبي
ولكنْ حبُّ من سكنَ الديارا


أليس هذا أيضاً تشابكاً؟

(ينظر آلان إليه مطولاً): لو أنّك أظهرت لي تجربة يمكن تكرارها بهذا الشعور، لآمنت بك علمياً.

(يضحك قيس بحرقة): وهل الحب يُكرَّر؟ لو كنتَ تحب، لما طلبت أن تختبره مرتين!

يجيب آلان: ربما... لكن لا تطلب منّي أن أضع الحب في معادلة.

يجيب قيس (بهدوء): ولا تطلب مني أن أضع ليلى في مختبر.

يجيب آلان، وقد لفته كلام قيس: لكننا في العلم لا نقبل الاستثناءات. نحن نبحث عن الحقيقة العامة. تماماً كما أثبتنا أنّ المتغيرات الخفية لا تفسّر التشابك. لقد أكّدت مراراً أن الطبيعة غير محلية.

يستفسر قيس: ماذا تعني أنّ الطبيعة غير محليّة؟

(يسترسل آلان): يعني أنّ ما يحدث في مكانٍ ما، يمكن أن يؤثر فوراً في مكانٍ آخر، من غير أن يكون هناك وسيط مرئي، أو زمن يُستهلك في الانتقال.

يجيب قيس (بدهشة): كأنّك تقول إنّ الفعل لا يحتاج جسراً، بل يحتاج نيةً؟

فيعقّب آلان: أو يحتاج علاقة غير مرئية، كالتي تربط بينك وبين ليلى. لكنّها في الفيزياء... مثبتة، ومقاسة.

يقول قيس: وهل أثبتم سرّ الحب؟ أو أنّكم فقط لمستم ظله؟

آلان: لم نُفسّر التشابك بعد. فقط أثبتنا أنّه موجود. وربما... -كما توصّلتُ إليه- السرّ ليس في وجود التشابك، بل في أنّنا نشعر به أيضاً.

يرد قيس: وأنا أشعر. بل أعيش هذا التشابك، في كل تنهيدة، وفي كل ليلٍ بلا نوم.

(ينهض آلان قائلاً بصوت حاد): العاطفة... تتعبني. هي حافلة بالتناقضات.

(ينهض قيس هو الآخر ويجيب بصوت أكثر حدة): والعقل... يخنقني. هو حافل بالأسلاك. لكن قل لي يا صاحبي... ما الذي يجعلك تؤمن أنّ جسيمين يؤثر أحدهما في الآخر على الرغم من المسافة؟

يقول آلان: لأنّنا اختبرنا ذلك. لأن الطبيعة نفسها تكشف أسرارها. لأنّ كلّ تجربة تقول إنّ هناك شيئاً يربط بين الأجسام على الرغم من بُعدها.

يجيب قيس: وهذا هو الحب يا صاحبي. هو أيضاً لا يفهم المسافة.

آلان (وهذه المرة بصوت أبطأ): ربما... ربما الحب هو التشابكُ بنُسخته الشعريّة.

يجيب قيس بابتسامة: والتشابك... هو الحبّ بنُسخته العلميّة. "أتعرف؟ لولا اختلافُ لغتينا، لقلت إنّ ليلى كانت تشرح لك هذا كلّه منذ ألف عام"!

(يبتسم آلان للمرة الأولى): أو ربما كانت ليلى إلكتروناً... لا يظهر إلا حين تراقبه.

أخيراً قيس وآلان ينطقان في اللحظة نفسها وبصوت متداخل: "الحب والجسيمات... لا ينفصلان... بل يتشابكان".

الراوي: حين خمد الجدل، لم يُعد الخلاف مهماً. صار كلّ منهما مرآة للآخر... رأى آلان في عيني قيس صدقاً لا يُقاس، ورأى قيس في صوت آلان علماً لا يُنكر. اتفقا، من غير أن يتّفقا، أنّ هناك روابطَ... أقوى من الضوء، أعمقُ من الفضاء.

قال آلان: أنا لا أفهم الحبّ كما تفهمه أنت... لكنّني أفهم أنّ بعض الروابط... لا تُفسّر.

رد قيس: وأنا لا أفهم التشابك كما تفهمه أنت... لكنّني أعرف أنّ بعض القلوب لا تنفصل، وإن ابتعدت.

الراوي: وفي ذلك المكان، خارج المعادلات كلّها... التقى قيس وآلان. واكتشفا أنّ الجمال ليس في إثبات الحقيقة... بل في التجرُّؤ على سؤالها.
 

"الحب والجسيمات...لا ينفصلان... بل يتشابكان".

 


الإحالات:
◄ آلان آسبكت (Alain Aspect، مولود في 15 يونيو 1947، أجان، فرنسا) فيزيائيّ فرنسيّ يُعدّ من أبرز روّاد التجارب على التشابك الكميّ، وقد نال جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2022 بالاشتراك مع جون كلاوزر وأنتون تسايلنغر. له تجارب رائدة على التشابك الكموميّ.
من إسهاماته العلمية:
◅ التشابك الكموميّ وتقانات الفوتونات: رسّخ تجريبياً الطبيعة اللا محلية للميكانيكا الكموميّة في أنظمة ضوئية، ما أعطى دفعة قوية لتطبيقات الاتصال، والتشفير الكموميّ المعتمدة على التشابك.
◅ إلى جانب نوبل 2022، نال الميدالية الذهبية لـ CNRS (2005) وجائزة وولف في الفيزياء (2010) وجائزة بالزان (2013) وأوسمة تقديرية متعددة.
◄ ديوان قيس بن الملوح، 1958، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ص: 103

 صورة المقال: جزء من مخطوط نسخ في القرن 18 كتب عليه جزء من أبيات شعر لقيس بن الملوح

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها