الجنازة؟!

طاهر الزارعي

بعد أن أنهكني التعب بفعل عمل شاق في مزرعة أبي.. وصلتُ البيت. رفضت العشاء الذي أعدته والدتي، تنحنح والدي من غرفته.. ثم دخلتُ الغرفة التي تحتل الدور الأول من البيت. ثمة سرير خشبي يصدر صريراً، ثمة فراش غير مرتب، ومخدة قد سقطت على الأرض. وعلى جدار الغرفة صورتي وأنا قادم من المدرسة قبل ست سنوات من الدراسة، أحمل حقيبتي على ظهري وبجواري صديقي الذي غاب في زحمة الحياة.

أُقبلُ على مرحلةٍ دراسية أُخرى ولا زلت أحتفظ ببعض الألعاب تحت السرير منذ الصغر! سيارات صغيرة متنوعة.. سكة قطار.. الصرقيعة.. وثمة ثعبان من جلد دائماً ما يكون لعبتي المفضلة، حيث أثير في نفوس أصدقائي الخوف بمجرد أن أرميه عليهم. أقوم بشنقه أحياناً، أو حرق ذيله، أو تقديم له بعض الحشرات ليأكلها. كانت تمثل لي تلك الألعاب خيطاً طويلاً من الذكريات. كبِرتُ وكبرتْ أحلامي. أخلع ثوبي، وأضعه قريباً بجوار سريري، أستلقي عليه واضعاً يدي على جبهتي ويدي الأخرى ممدة، ثم أعبر بأحلامي التي كبرتْ طرقات هذا الزمن.. أحلامي تكاد تكون قريبة من الحي الذي أسكنه.. الحي الذي نمَت به علاقاتي مع الأهل وأصدقاء الحارة. أنزل يدي من جبهتي وأتمدد، ثم أسير في نوم عميق.

طرقات على الباب خفيفة، ثم تعلو وتصبح مثل هجوم مباغت وصوت خلفها يشبه خوار بقرة، أتحسس ذلك ما بين النوم واليقظة. بعد لحظات أسمع وقع خطوات تنزل الدرج، وأعود للنوم.

أبي ذلك الوجه المتجهم الذي قابلني في الصباح الباكر يوجه اللوم لي لعدم إقفال باب البيت حينما أتيت بعده الليلة الفائتة وظل مفتوحاً حتى الصباح. أدركت حينها أن تلك الهجمات التي كادت تكسر باب غرفتي سببها ذلك، وأنا أقف أمامه متأملاً تلك الأحلام المزعجة التي راودتني في نومي العميق. ما يزال وجه أبي متجهماً، يأمرني بالذهاب معه إلى مغتسل الموتى حيث توفي جاره في المزرعة، وقد أعلن عن ذلك بعد صلاة الفجر مباشرة في المسجد.

أتناول حليباً وخبزاً أحمر طازجاً، وأقبّل رأس والدتي وأودعها. أمشي خلف والدي مثل ذليل نحو المغتسل الذي لا يبعد كثيراً عن منزلنا. أتأمل الناس وهم ينتظرون تجهيز الجنازة، أتأملهم وهم يفترشون الساحة المجاورة للمغتسل. معظمهم ممن تجاوزت أعمارهم الخمسين عاماً ولا يوجد بينهم مثل عمري. أسمع أحدهم ينادي من داخل المغتسل: "الجنازة جاهزة". وضعوا التابوت تجاه القِبلة في ساحة المغتسل الخارجية، تقدم الشيخ للصلاة وخلفه المشيعون، كنتُ في الصف الثالث يزاحمني رجل بعمر أبي الذي تعدى الخمسين عاماً تفوح منه رائحة الدخان والعرق. انتهى الشيخ من الصلاة، تناوب المشيعون على حمل الجنازة وهم يرددون: لا إله إلا الله.. محمد رسول الله.. هذا الحق وما وعد الله متوجهين إلى دفنه في المقبرة الشرقية من القرية.

أظل مجاوراً لباب المغتسل، باب حديد مزركش بزخارف قديمة مصبوغ بالدهان البني وعليه بعض الغبار. تأكدت من ذهاب الجميع خلف الجنازة، أطل داخل المغتسل والخوف يرافقني في كل خطوة، أتوغل أكثر وتتسارع دقات قلبي. ينغلق الباب فجأة وأصرخ صرخة يفوح صداها بين الجدران، ثم أسقط على الأرضية المعدة لتغسيل الموتى وأشعر بألم في كتفي. أرمق النافذة المصنوعة من الألومنيوم أجدها مفتوحة.. ربما لتهوية الهواء أثناء غسل الجنازة، عيناي تشخصان هناك وثمة ثعبان يعبر النافذة، يرمقني، يتجه إلي، أنهض سريعاً متجهاً لباب المغتسل، الخروج من هذا المكان الآن يمثل لي خروجاً من زنزانة موحشة، أمسك الباب، أرجفه بقوة، ينفتح، ويفاجئني وجه أبي متجهماً كعادته! يالهذا التجهم الذي لا يتركه. يعاتبني على تأخري، يمسك بيدي يريد أن يذهب بي للمقبرة، ألتفت خلفي أرى الثعبان مخلوقاً يمد لسانه يريد أن يلدغني. أبي يثرثر كثيراً عن الموت وعن يوم القيامة، يحدثني عن جاره الذي يرتكب ذنوباً كثيرة، يحدثني عن وحشة القبور كما لو كنا في محاضرة دينية. يقول لي: حتى الآن، ما دفنا الجنازة! كان يحدثني كثيراً ونحن نعبر طريقنا إلى المقبرة، وينهي حديثه عن ثعبان طويل يخرج من القبر المعد لجاره الميت يمد لسانه على هيأة مخلوق بنظرات حادة.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها