[1]
ضبطها مُتلبّسةً بكذبةٍ قالت إنها بيضاء، فهي تهدف لحماية زميلتها العاشقة حتى النُّخاع، والتي خرجت تلتقي حبيبها، وتُلقي بالكارثة التي تُدبّر لحبهما بين يديه، علّه يستطيع دفعها، والتصدّي لها، وقد مرّت على (شفاء) ورجتها أن تُغطي عليها ريثما تعود، وبعد أقلّ من ساعة اتصلت والدتها بشفاء التي تلعثمت روحها قبل أن تجيبها:
- نعم نعم يا خالة.. كانت عندي، تنقل ما أملاه علينا الدكتور من ملاحظات هامة أثناء المحاضرات التي تغيبت عنها، وقد ذهبت منذ دقيقتين فقط.
صفعةٌ كالصاعقة نزلت على خدّها، رمت الجوال من يد ذعرها..
- أتكذبين أيتها الحقيرة..؟
صرخ أخوها، وأردف مزمجراً كرعدٍ في غير أوانه:
- ألا تعلمين أن الكذب رأس المعصية، والكذّاب يسهل عليه فعل أيّ شيء..؟
حاولتْ تبرير كذبتها، غير أنّ شفتيها الواجفتين لم تلدا إلّا عبارة واحدة مخضبّة بالدم:
- إنها كذبة بيضاء يا أخي.
سدّد نظرةً من سعير عينيه إلى فمها الذي يقطر دماً، وهدر:
- اغربي عن وجهي الآن، وأعدك بجولة ثانية..
ركضت صوب الحمّام، غسلت وجهها، ونظفت فمها من لزوجة الدماء، فراعها انتفاخ شفتها العليا التي ما تزال تذرف دماءً حارّة، فركضت تشكوه إلى والدها الذي أصيب منذ فترة ليست بالطويلة بفالج، كفّ نصف جسده عن الحياة، ارتمت على صدره تنشج مقهورة، وتحكي له ما كان من أخيها.. تغلغلت أصابع يده الحيّة بين خصلات شعرها الكستنائي كشعر والدتها الراحلة، وذرف دمعة بحجم احتراقه، والروح تهمس بوجل:
(رحمة الله عليك يا شامة.. لقد كنت حقاً شامة عمري.. آهٍ يا حبيبتي كم كان رحيلك مبكراً وموجعاً..! دخلتِ الحمّام فأفزعتكِ رؤية السخّان يزفر البخار بكثافة، ويكاد ينفجر، حاولتِ فصل الكهرباء عنه قبل أن يتسبب بكارثة، فلقطك التيار، لم تتمكني من الإفلات منه، فقد كانت يداك مبللتين بالبخار وكذلك جسدك.. جذبتني صرختك المقلوبة، لكنّ الروح كانت قد فارقتك لحظة وصولي إليكِ.. رحلتِ فهجرتني الحياة، فكيف لا يضربني الفالج وأنا أراك مطفأةً، يابسةً، مكفّنةً بغيمةِ بخار، وقد كنتِ حزمة ضياءٍ تستطيع إنارة مدينة بأكملها إلى أجل غير مُسمّى..؟
لعنة الله عليك يا فرحان الفرحان، فلولا زيارتك لقريتنا لما نزلت علينا هذه المصيبة.. فالكهرباء قلّما تزورنا، لذلك اعتدنا ترك السخّان شغالاً علّنا نستفيد من زياراتها الخاطفة، لكنّ زيارتك لأهلك وبقاءك عندهم عدّة أيام منحتنا الهلاك، فوجودك ألغى قانون التقنين الصارم، فحدث ما حدث.. لعنة الله عليك وعلى أهلك، وعلى من جعل التقنين قوتنا اليومي، وقانوننا الأزلي الذي لا يخرقه إلّا مرورك أو مرور أمثالك في محيط حياتنا، وما إن تغادرون حتى يعود القانون إلى قداسته، ليطأ رقابنا برعونة أقدامه و...
شريط الذكريات المرير توقف على مطبّ مفاجئ، فقد اقتحم (أَيْهم) غرفة والده، وهو يزعق بصوتٍ كالوعيد:
- أنت هنا أيتها الـ..
رفعت رأسها عن صدر أبيها، وتشبثت بكتفيه، والذعر يقطر من مساماتها..
لم تثنه دموع أبيه عن نفث سمومه في وجهه الكسير:
- أنتَ السبب في فساد أخلاقها، فدلالك المفرط لها بعد موت أمي أفسدها، وجعلها تكذب، وأنت من علّمنا فظاعة الكذب، ثم إن مُدلّلتك تتستّر على زميلتها الفاجرة، ولا بد أنها بفعلتها تردّ لها ديناً قديماً..
ثم سحبها بقسوة عن صدر أبيها، لتقف أمامه بكامل ذعرها، قبض على شعرها بزهوِ من يقبض على لجام فرسٍ شموس، وقال وبصره موجّه إلى عيني أبيه:
- قولي لأبيكِ ماذا تُخفين عنا..؟ فعلاقتك بتلك الساقطة لا تُريحني، وأنت ما تستّرتِ عليها لوجه الله.. هيّا اعترفي..
شهق والده عدّة شهقات وهو يحاول أن يقول شيئاً.. لكنْ دون جدوى، فلا هو استطاع إفراغ براكينه، ولا ابنه اشتمّ رائحة احتراقه، فتراجع عن غيّه.
ومنذ ذلك اليوم لم ترَ شفاء في عينيه غير الأسى، فهو حزين لفقده امرأته التي كانت نوّارة عمره، ومقهور على ابنته التي خسرت أمها وأباها في اليوم نفسه، فماذا يستطيع أن يفعل لها وهو عاجز..؟
كسره عجزه أمام رعونة ابنه، ورمى به في حضن الذهول، فهو شارد الذهن، كسير الخاطر.. يمضغ رتابة أيامه مستعجلاً الخلاص الذي جاءه يسعى على قدمي اليباس، فقد ذوت عروقه، ونشفت دماؤه، بعدما عافت نفسه الطعام، فرحل حاملاً معه زوّادة ألمٍ تكفي لتلطيخ وجه الكون بالهباب.
[2]
ـ معاملة حصر الإرث جاهزة، ولم يبق إلّا توقيعك عليها، هيّا لنذهب إلى السجل العقاري، لإنهاء الأمر بسرعة، فأنا سأبيع البيت، وأسافر بثمنه خارج البلاد.
جحظ قلبها الجريح، وسأله استنكارها:
- تبيع البيت الذي نسكنه، وتسافر..؟ وأنا أين أعيش..؟ وكيف ستبيعه، هل نسيت حصّتي فيه..؟
ضحك متهكّماً وهو يقول:
- حصّتك ستتنازلين لي عنها، أمّا عن سكنك فهو مؤمّن لا تخافي، فأنت ستتزوجين أيمن ابن جيراننا، فقد طلبك مني، وأنا أعطيته كلمة.
عربد الغضب في كيانها، فوقفت قبالته كنمرةٍ جريحة، وصرخت:
- لن أتنازل عن حقي مهما فعلت، ولن أتزوج هذا الأيمن الذي يشبهك، أفهمت..؟
أمسك يدها بقوة، وسحبها خارج البيت، وهو يرغي ويزبد:
- سنذهب الآن إلى السجّل العقاري، وستتنازلين عن حصّتك رغم أنفك، فنحن لم نعتد أن نُورّث البنت، هذا عُرفٌ قديم، له قداسة لا يجوز خرقها.
انتفضت كمهرة مسّها تيار صاعق، أفلتتْ يدها من كمّاشة يده، حدّقت في عينيه، وبخار الغضب يتكاثف حول ملامحها:
- من أنتم..؟ وما هو هذا العرف المقدس الذي رميتَ مظلة الله لتحتمي بمظلته الخرقاء..؟
ودّ لو يصفعها صفعة ترميها عند قدميه، غير أنه لجم غضبه، ليمتصّ غضبها، ودعاها ليشربا القهوة، ويتناقشا بهدوء في مطعم قريب، امتثلت له، يحدوها الأمل في إيقاظ الأخ داخله.. رشف رشفة كبيرة من فنجانه، كادت تسلق لسانه، ثم قال بلهجة تحاول أن تكون رزينة:
- أهل قريتنا والقرى المجاورة كلهم اعتادوا ألّا يُورّثوا البنات، فقد عاش هؤلاء قديماً عيشة يُرثى لها، ولم يكن لديهم ما يستحق التقسيم بين الإناث والذكور، لذلك كانوا يزوجون البنت صغيرة، ليخلصوا من لقمتها وهمّها، ولا يعطونها شيئاً، ومع الأيام صار هذا الأمر عادةً وعرفاً، ومن تحاول الخروج عنه بمطالبتها بميراثها ترجمها الألسن، وترجم أهلها بأشنع الصفات، لتجرّئهم على عرفٍ يقدسونه، فهل ترضين بذلك يا أختاه..؟
ابتلعت ريقها وهي تختلس النظر إلى عينيه، اللتين فضحتا حقيقة الأخ الجالس قبالتها، فالعين كما أخبرتها روحها، لا تكذب مهما كان صاحبها مراوغاً.. ابتسمت بمرارة، وقد لمعت في خاطرها حادثة الكذبة البيضاء التي ما زالت آثارها على شفتها العليا، وعلى شغاف قلبها، وهمست لنفسها:
(هذا الأخ الذي اتّهمني بشرفي، فقتلني بتهمته، وقتل والدي، يريد الآن أن يأكل لحمي، ويرمي عظامي للكلاب محتمياً بعرفٍ يراه مقدساً، وأراه عرفَ ديكٍ أخرق، يختال مباهياً به، وكأنه تاج يميّزه عن سواه، ويمنحه التسلّط على رقابهم..).
ابتسمت من جديد، وقالت بلهجة المحبة:
- لقد اقتنعت بكلامك يا أخي، وسأتنازل لك عن كامل حصّتي، شرط أن تزوجني ممّن أحب.
تشنّجت قسماته لحظات، ثم ابتلع غيظه، وقال وهو يحاول الابتسام:
- لعينيك يا أختي، لنذهب الآن إلى السجّل العقاري، ونُنهي الأمر، وغداً أزوجك ممّن تشائين.
ضحكت من تذاكيه، وقالت:
- لا يا أخي.. الزواج أولاً.
- وماذا لو قبلتُ شرطكِ، ثم غدرتِ بي..؟
- معقول..؟ أنا أغدر بأخي، ابن أمي وأبي..؟ لستُ أنا من تفعل ذلك، فكل ما أريده في هذه الحياة هو العيش مع من اختاره قلبي.. وليذهب المال والبيوت إلى الجحيم.
[3]
طرقاتٌ عجلى على باب الدار، توقظ شفاء، فتنهض من سريرها، وقبل أن تغادر غرفة النوم، يفتح زوجها الباب، وصينية القهوة بين يديه، فيدخل أيهم كالعاصفة، وهو ينادي:
- شفاء.. أين أنت يا شفاء..؟
- أنا قادمة يا أخي.. اشرب القهوة مع زوجي بينما أبدّل ملابسي.
- لا أريد أن أشرب شيئاً.. لماذا لا تردّين على مكالماتي ورسائلي..؟
تخرج شفاء بكامل أناقتها لتقابل أخاها:
- أهلاً بك أخي.. ما بك..؟ لماذا أنت غاضب..؟
- هيّا قومي معي لتنفذي وعدك لي، فالمشتري ينتظر على نار، وأوراق السفر جاهزة تقريباً.
ضحكت حتى كادت تشرق بضحكتها، ثم قالت:
- (تعيش وتاكل غيرها) أخي.. كان وعدي لك كذبة بيضاء.