الرافد الرقمي ليس الوجه الآخر لمجلة الرافد فحسب بل إنه أيضا المدى الجديد للتفاعل عبر الوسائط المتعددة بما يفضي إلى اتساع المساهمات والحضور الأفقي الشامل في الزمن الثقافي العربي

نبهان حسون السعــــدون وشعريـــة المكـــان

د. جميـــل حمداوي

Oct, 19 2017

المبحث الأول: القضـــايا النقديــة

يتوقف الباحث العراقي نبهان حسون السعدون، في كتابه (شعرية المكان في القصة القصيرة جدا)، عند مكون المكان باعتباره مكونا بنيويا سردياً مهما، يتحكم في نسيج النص الفني والجمالي، وفي مختلف علاقاته الوظيفية، وبنائه النسقي الكلي. وقد اختار الدارس متنا سردياً عراقيا لهيثم بهنام بردى ، يتشكل من أربعة أعمال قصصية قصيرة جدا هي: ( مع وقف التنفيذ)، و(الليلة الثانية بعد الألف)، و(عزلة أنكيدو)، و(التماهي).

ومن المعروف أن ثمة أمكنة متعددة كالمكان الشاعري، والمكان الفلسفي، والمكان الأنثروبولوجي، والمكان التخييلي، والمكان السيميائي...لكن الباحث اختار مكانا معينا وهو المكان السردي الواقعي المادي الحسي، دون أن ينتقي أمكنة تخييلية أخرى، مثلما هو الحال عند باشلار الذي تحدث ، إلى جانب الفضاء الحميم والفضاء العدواني، عن الفضاء الشاعري والفضاء التخييلي. ولم يتعامل الباحث مع فضاء العتبة كما تحدث عنه ميخائيل باختين في كتابه (شعرية دوستويفسكي)، بل تحدث عن أمكنة ذات طابع جغرافي وهندسي محدود بعوالمه الطيبوغرافية ، وقسماته الهندسية ، ومميزاته المادية . وهكذا، يعرف المكان بقوله:" يعد المكان مساحة ذات أبعاد هندسية وطبوغرافية تحكمها المقاييس والحجوم، ويتكون من مواد،  ولاتحدد المادة بخصائصها الفيزيقية فحسب، بل هو نظام من العلاقات ، فيستخرج من الأشياء الملموسة بقدر ما يستمد من التجريد الذهني أو الجهد الذهني المجرد. فالمكان وسط يتصف بطبيعة خارجية أجزائه، إذ يتحدد فيه موضع أو محل إدراكاتنا، وهو يحتوي على كل الإمدادات المتناهية، وإنه نظام تساوق الأشياء في الوجود، ومعيتها الحضورية في تلاصق وممارسة وتجاور وتقارن."

وبعد ذلك، انتقل الباحث إلى تعريف القصة القصيرة جدا بكونها نوعا أدبيا تفرع عن فن القصة القصيرة.  وقد ذكر مجموعة من المواقف تجاه هذا الجنس، إذ بلورها في خمسة مواقف محورية هي:

❶ الصنف الأول: رفضها وظل على رفضه إلى النهاية، سواء عن معرفة بها أم جهل.

❷ الصنف الثاني: رفضها بشدة، وأعلن عن رفضه ، ثم قبل بها بعد أن استقرت وانتشرت.

❸ الصنف الثالث: تريث وانتظر ولم يتخذ أي موقف، ولم يعلن أي شيء، حتى إذا ما استقرت وأصبحت قديمة أخذ بها وقبلها.

❹ الصنف الرابع: درس وتعرف إليها ثم أخذ بها وتقبلها.

❺ الصنف الخامس: تحمس لها وقبل بها فور ظهورها من غير دراسة.

ومن جهة أخرى، يرى الباحث أن للقصة القصيرة جدا رافدين: رافدا غربيا، ورافدا عربيا. ويتمثل الرافد الغربي في كتابات الروائيين الفرنسيين الجدد ، كما يتضح ذلك جليا عند آلان روب غرييه، ونتالي ساروت، وكلود سيمون، وميشيل بوتور...

أما الرافد العربي، فيتمثل في الموروث السردي العربي القديم، مثل: الخبر، والقصة، والنادرة، وقصة الشعر...

ومن أهم مقومات القصة القصيرة جدا عند الدارس مكون الحكائية، واختيار شخصية واحدة بدل تعددها، وتجنب التفصيلات والشروح المسهبة، ومحدودية الزمن الذي يتحدد بساعة واحدة أو يوم واحد، ونادرا ما يبلغ أسبوعا واحدا، والإيجاز، والتكثيف، والابتعاد عن التشتت، والتعامل مع المكان في اتصال بالبيئة في ضوء علاقات التأثير والتأثر. علاوة على إيحائية اللغة ورمزيتها ومجازيتها وشعريتها وكثافتها وغنائتيها.

وبعد ذلك، حدد الدارس مجموعة من الأمكنة الجغرافية التي تتميز بها أضمومات هيثم بهنام بردى، فحصرها في المكان العام والمكان الخاص، فالمكان العام" هو الذي يحوي الأجسام كلها. أما المكان الخاص، فهو أول مافيه الشيء، وهو الذي يحويك وحدك لا أكثر منك.

وعليه، فالمكان العام هو مجموع الأمكنة الخاصة .أما المكان الخاص، فهو الذي لايحوي أكثر من جسم واحد."

ومن ثم، فقد وظف المبدع هيثم بهنام بردى مجموعة من الأمكنة العامة، مثل: المدن، والقرى، والقاعات، والأرصفة، والشوارع، والمقاهي، والحوانيت، والمنتزهات العامة، والسينما، والسوق، والمطعم، والساحات العامة، فضلا عن المكان الخاص من حيث البيوت، والأكواخ، والمرسم، والخيمة، والمكتبة، والقصر.

كما تحدث الدارس عن المكان الطبيعي والمكان الصناعي، فالمكان الطبيعي " هو الذي لم تتدخل يد الإنسان في إقامته وتشكيله ، فهو قد وجد هكذا منذ الأزل بصورته الخاصة وخاصياته وخواصه المعبرة. أما المكان الصناعي، فهو الذي تتدخل يد الإنسان في تشكيله وإعطائه طابعا مختلفا عن غيره."

ويتمثل المكان الطبيعي في الأرض والسماء وما يتعلق بهما  من سهول، ووديان، وأنهار، وجبال، وتلال، وبحار، وغيوم، ونجوم، وشمس، وقمر. أما المكان الصناعي، فيشمل صالات، وحقولا، وبساتين، وأزقة، ومطبعة، وساقية.

وهناك أيضا المكان المفتوح مقابل المكان المغلق. وفي هذا، يقول الباحث:" تشكل ثنائية المفتوح والمغلق من طبيعة المكان الذي لا تحده أو تحده الحواجز والحدود والقيود التي تشكل عائقا لحرية حركات الإنسان وفعالياته  وانتقاله من مكان لآخر من جهة، وتحده من جهة أخرى طبيعة العلاقة مع الآخرين وانفتاح هذه العلاقة أو انغلاقها على قوانين وضوابط وشروط مسموح بها وغير مسموح بتجاوزه."

وتتمثل الأمكنة المفتوحة في الصحراء، والطرق. في حين، تتمثل الأمكنة المغلقة في السرداب، والمخزن، والغرفة.

أما في الفصل الثاني المخصص لشعرية وصف المكان، فقد تحدث عن الوصف التصنيفي مقابل الوصف التعبيري، والوصف البسيط مقابل الوصف المركب، والوصف الموضوعي مقابل الوصف الذاتي.

ويعرف الدارس الوصف التصنيفي بقوله:" هو الوصف الذي يحاول تجسيد الموصوف بحذافيره كلها بعيدا عن المتلقي وإحساسه بهذا الموصوف، ويلجأ في ذلك إلى الاستقصاء والاستنفاذ. لذا، يسمى بالوصف التصنيفي أو بالفوتوغرافي أو بالاستقصائي. ويقوم هذا النمط عبر استقصاء الموصوف على تناول أكبر قدر ممكن من تفاصيله. لذا، تكون مقاطع الوصف بشكل طويل. ويعد جيرار جنيت الوصف المتسع والمفصل بمثابة وقفة أو استراحة للوصف في أثناء السرد. أما الوصف التعبيري، فهو يتناول وقع الشيء والإحساس الذي يثيره في نفس المتلقي. ويقوم هذا الوصف عبر جملة وصفية قصيرة لا تحتوي إلا على بعض التراكيب الوصفية ، إذ يتم الاستغناء عن الأجزاء والصفات، ويلجأ هذا الوصف إلى الإيحاء . لذا يسمى بالوصف الإجمالي أو بالوصف الانتقائي."

كما يميز الدارس بين الوصف البسيط والوصف المركب .وفي هذا الصدد، يقول :" يتكون الوصف البسيط من جملة وصفية مهيمنة وقصيرة، ولا يستطيع هذا النمط من الوصف مجاوزة دلالته المسخر لها من السرد إلا بفضل تلاحمه مع بقية الإشارات الوصفية الأخرى الخاصة بالشخصيات والأمكنة والأشياء. يشكل دلالة اجتماعية يكون لها دور فعال في فهم الكلمة وتأويلها. ويعد هذا الوصف وسيلة للإثارة في القصة، إذ إنه يسعى للمحافظة على وضع يتلاءم مع أوصاف أخرى للشخصية بتواجدها في المكان.

أما الوصف المركب، فهو ينصب على الشيء الموصوف بشرط أن يكون معقدا إما عبر الانتقال من الموصوف إلى أجزائه ومكوناته أو في الانتقال من المحيط العام لهذا الموصوف إلى المضموم ضمنه. ويتحقق هذا الوصف عبر أفعال السرد، وانتقال الشخصية عبر المكان، ولا يتم هذا بوضوح إلا إذا أتقن الوصف عملية الانتقال بدقة."

وفيما يخص الوصف الموضوعي والوصف الذاتي، يرى الباحث أن الوصف الموضوعي " هو الذي يقوم به الراوي  عبر تقديم الشخصية أو الشيء الموصوف برؤيته الموضوعية. أما الوصف الذاتي فهو يقدم الموصوف عبر إحدى شخصيات القصة عندما يكون الراوي مشاركا في الأحداث."

ويعني هذا أن الوصف الموضوعي قائم على الرؤيتين: الرؤية من الخلف والرؤية من الخارج، باستعمال ضميري الغائب والمخاطب. أما الوصف الذاتي، فقائم على الرؤية المصاحبة أو الرؤية الداخلية القائمة على ضمير المتكلم.

وقد تناول الباحث، في الفصل الثالث من الكتاب، شعرية تركيب المكان، بالتوقف عند المكان الأليف والمكان المعادي، والمكان التاريخي والمكان الآني، والمكان المسرحي والمكان الكوني.

وفيما يتعلق بالمكان الأليف والمكان المعادي، يرى الباحث أن الشخصية قد تنسجم مع المكان وقد لا تنسجم، " فإذا حدث نوع من الانسجام، فإنها تحيا فيه وتعيش في ألفة، وإذا لم يحدث فستكون الشخصية  كارهة للمكان، ويخلق نوعا من التناقض، ويتولد من هاتين العلاقتين نمطان من المكان وتشكل في مجموعها الأمكنة الأليفة، والأمكنة المعادية، ويؤكد  هذان النمطان الصلة التي تربط الإنسان بالمكان، إذ تظهر الصلة عواطف الإنسان وانفعالاته ، فيؤثر كل منهما في الآخر في علاقة ألفة أو عداء، إذ ثمة أمكنة لا يشعر الإنسان  بألفة ما نحوها، بل يشعر بالعداء أو الكراهية، وهي أماكن قد يقيم فيها تحت ظرف إجباري كالمنافي والسجون والمعتقلات، أو الأماكن التي توحي بأنها مكامن للموت والطبيعة الخالية من البشر وأماكن القرية."

أما المكان التاريخي، فهو المكان المرجعي الذي يرتبط بالأحداث التاريخية التي وقعت في الماضي. في حين، يعد المكان الآني ذلك المكان التي تحدث فيه وقائع الحاضر والراهن. أي: ثمة تقابل بين الماضي والحاضر، وعلاقة وثيقة ووطيدة بين المكان والزمان.

أما فيما يتعلق بالمكان المسرحي، فهو مكان درامي يبدو مثل خلفية ركحية تجري فوقه المشاهد الحدثية. وفي هذا السياق، يقول الباحث:" للمكان أبعاد هندسية محددة، ويتحدد المكان المسرحي بالأبعاد، ولكنه يوحي بالأحداث، إذ إنه في المساحة المغلقة وحدها يمكن للصراع أن ينشأ وينمو وينتهي في حتمية. ولكي يتحدد المكان المسرحي لابد من أن ترسم المشاهد ويوصف الواقع الذي تدور فيه ، بحيث تصبح ستارة من ستائر المسرح الخلفية ، إذ تقدم للمشاهد أو القارىء صورة ملموسة الأطراف يسهل إدراكها واستيعابها ، وتلخص هذه الصورة السريعة الموجزة المكان الذي تتحرك فيه الأحداث، وتجري فيه الأفعال الإنسانية.

وعلى ذلك ، فالمكان المسرحي مكان الاستكشاف يختبر إمكانياته وحدوده، فهو يستكشف أبعاده، ويستخدم الاتجاه الأفقي، كما يستخدم العمق إن وجد. وبهذا ، يعتمد المكان في المسرح على الوحدة الأساسية ، ويكون معقدا إلى حد ما لاشتماله على مكان محسوس تتحرك فيه الشخصيات، فإنه مكان يضم بين جوانبه كل العلاقات الحقيقية الضمنية بين هذه الشخصيات. أما المكان الكوني، فهو الذي يظهر الكون من الشمس والقمر والنجوم والكواكب، والطبيعة من المياه والنبات والجبال."

وقد خص الكاتب الفصل الرابع بشعرية رؤية المكان، بالتوقف عند الرؤية الأفقية ، والرؤية العمودية، والرؤية من الجزء إلى الكل، والرؤية من الكل إلى الجزء؛ والتوقف كذلك إلى الرؤية الشمولية، والرؤية المشهدية، والرؤية التجزيئية.

وعليه، فالقاص" كالرسام وكالمصور الفوتوغرافي يختار قطعة من المكان يؤطرها ويضع نفسه على مسافة منها ويتخذ المكان، إما موقعا جانبيا أو أماميا أو عموديا. أي: التقاط منظر المكان بشكل شامل على محور أفقي أو عمودي في اختيار عدة أمكنة، وعرضها دفعة واحدة."

وقد يقدم هيثم بهنام بردى المكان عبر البدء بالجزئيات للوصول إلى الكل أو بالعكس، يبدأ بالكل نحو الجزء. ومن جهة أخرى، قد يستعمل رؤية شمولية وهي" المنظر العام الذي يستطيع أن يرينا مجموع العناصر، ولكن المنظر العام يرى من بعيد ، ولا يمكن أن يظهر التفاصيل. وهذه الرؤية تتسع باتساع الحيز المكاني وانتشاره. إنها التأطير الفضائي العام للنص الحسي منه والنفسي. لذا، تسمى هذه الرؤية بالشمولية أو بالاشتمالية."

أما الرؤية المشهدية، فهي" المنظر المتوسط الذي يحدد الرؤية من حيث الإطار المحدد للمكان، إذ لا يعرض الكل، ولكنه يعرض الجزء، فهو لا يظهر إلا جزءا من الديكور، ولا يظهر مجموعة من الناس بل فريقا منهم، فكأن الكاميرا تشير إلى أجزاء معينة، وكأنها تقول إن هذا مهم. وتتم هذه الرؤية بالتركيز على اختيار أمكنة بوصفها جزئية ،  وجعلها البؤرة التي يستند إليها الراوي في تقديم المكان."

أما الرؤية التجزيئية، فهي" المنظر القريب الذي يشير إلى التفاصيل، ويمكن أن تكون هذه التفاصيل جزءا من الديكور كثقب على حائط نشأ من طلقة رصاص أو يكون جزءا من الشيء، وتركز هذه الرؤية على المفردات والتفاصيل عن طريق الوصف الحسي المباشر للأشياء أو جعل المفردات رموزا مكانية دالة على الهوية الإيجابية أو السلبية، أو تجري عملية المسرح التتابعي، والانتقال من جزء لآخر لإتمام التفاصيل الدقيقة للمكان عبر المنظر القريب."

ويعني هذا كله أن هيثم بهنام بردى قد وظف، في مجموعاته القصصية القصيرة جدا، هذه الأمكنة كلها بمختلف أصنافها ومكوناتها وتنويعاتها، بنية ودلالة ووظيفة.

المبحـــث الثانـــي: المنهـــج النــــقدي

ينطلق الباحث العراقي نبهان حسون السعدون، في كتابه (شعرية المكان في القصة القصيرة جدا)، من المنهج البنيوي السردي أو من المقاربة الإنشائية أو الشعرية أو البويطيقية على غرار العراقي جاسم خلف إلياس، والتونسي عبد الدائم السلامي، والمغربية سعاد مسكين...، بالتوقف عند أدبية النص وشعريته وفنياته الشكلية والجمالية، معتمدا في ذلك على مجموعة من المنظرين الغربيين، أمثال: تودوروف، ورومان جاكبسون، وجيرار جنيت، وجان كوهن...ومن ثم، فقد كانت مرتكزاته البنيوية مرتبطة بأدبية النص، ونظرية الأجناس الأدبية، والنظام التواصلي كما حدده جاكبسون في: المرسل، والمرسل إليه، والرسالة، والقناة، والمرجع، واللغة. ومن هنا، ينظر الباحث إلى المكان باعتباره عنصرا بنيويا داخل القصة القصيرة جدا، ينبغي جرده، ووصفه، وتحليله، وتصنيفه، ودراسته من خلال البنية، والدلالة ، والوظيفة.

ومن حيث التصور النظري حول المكان، فقد تأثر الباحث كثيرا بجاستون باشلار، وياسين النصير، وحسن بحراوي، وشاكر النابلسي، وعبد الوهاب زعفران ، وآخرين. ولم يتوقف الباحث عند النقد الغربي المعاصر فحسب، بل كان منفتحا على الكتابات النقدية الكلاسيكية، مثل: كتاب (العمدة) لابن رشيق القيرواني، وكتاب (نقد الشعر) لقدامة بن جعفر. ويعني هذا أن الدارس قد مزج بين الأدوات النقدية التراثية والأدوات الوصفية المعاصرة في بوتقة نقدية واحدة.

المبحث الثالث: الملاحظات التقويمية

يلاحظ أن الباحث نبهان حسون السعدون يتمثل المنهج البنيوي السردي في دراسة القصة القصيرة جدا بالعراق، بالتركيز على مكون واحد من مكونات السرد ألا وهو المكان. وإن كان من المستحيل فصل المكان عن الزمان للعلاقة الجدلية بينهما. لذا، يدرس الباحثون الإنشائيون أو الشعريون أو البويطيقيون هذه الثنائية الارتباطية العضوية ضمن ما يسمى بالفضاء(Espace/Space/Espacio).

بيد أن تعامل الباحث مع المكان المادي الحسي الواقعي ، بتلك التصورات النظرية، يمكن أن تنطبق على جميع الأجناس الأدبية، بما فيها الشعر، والقصة، والرواية، والمسرحية، والمقامة... بمعنى أن الباحث لم يميز خصوصيات القصيرة جدا في ضوء مفهوم المكان . ومن ثم، لم يتوقف عند مكوناتها الداخلية وسماتها المميزة، بل تعامل معها من منظور مكاني عام، تشترك فيه جميع الأجناس الأدبية. أضف إلى ذلك، أن الباحث لم يدرس هذا الجنس الأدبي الجديد بأدواته وتقنياته وآلياته الداخلية، بل تعامل معه من منظور خارجي، ولم يبرز استقلاليته وفرادته وتميزه عن باقي الأنواع السردية الأخرى.

وأكثر من هذا، فالمفاهيم المكانية عند الباحث هي مفاهيم عادية لم يأت فيها بالجديد، ولم يتعمق في مفهوم الفضاء والمكان بتمثل رؤى فلسفية أخرى: شعرية، وفلسفية، وأنتروبولوجية، وسيميائية... ، كالحديث - مثلا- عن الفضاء التخييلي، والفضاء السيميائي، وفضاء العتبة، والفضاء الرمزي، والفضاء الأنثروبولوجي، وغيرها من الفضاءات المستجدة في الدراسة النقدية الأدبية المعاصرة.

الخاتمــــــة

وخلاصة القول، لقد ركز الباحث العراقي نبهان حسون السعدون، في كتابه (شعرية المكان في القصة القصيرة جدا)، على المنهج البنيوي السردي ، بالتوقف عند شعرية المكان بنية ودلالة ووظيفة، والحديث عن أصناف عدة من الأمكنة.

فعلى مستوى شعرية جغرافية المكان (الفصل الأول)، تحدث الدارس عن: المكان العام، والمكان الخاص، والمكان الطبيعي، والمكان الصناعي، والمكان المفتوح، والمكان المغلق.

أما في ما يخص شعرية الوصف المكاني (الفصل الثاني)، فقد تحدث الباحث عن: الوصف التصنيفي والوصف التعبيري، والوصف البسيط والوصف المركب، والوصف الموضوعي والوصف الذاتي.

أما فيما يتعلق بشعرية تركيب المكان (الفصل الثالث)، فقد ركز الدارس على المكان الأليف والمكان المعادي، والمكان التاريخي والمكان الآني، والمكان المسرحي والمكان الكوني.

أما في ما يخص شعرية رؤية المكان (الفصل الرابع)، فقد توقف الباحث عند رؤى سردية ومكانية مختلفة، مثل: الرؤية الأفقية، والرؤية العمودية، والرؤية الجزئية، والرؤية الكلية. علاوة على  الرؤية الشمولية البانورامية، والرؤية المشهدية المسرحية، والرؤية التجزيئية المفصلة.

التعليقات

برجاء ملاحظة انه يجب ان تتم مراجعة التعليق قبل السماح بظهوره