هل الحرب سر مقدس؟

د. كريمة كطيبي

لم يخل عصر من العصور من الحروب، حتى الحضارات القديمة القائمة على الاعتقاد بتعدد الآلهة، تذكر لنا ذلك الصراع والعنف بين تلك الآلهة، وهكذا فالعنف والصراع قديمان قدم التاريخ، وإن كانت بعض الأحداث تبدو مجرد أساطير، فعالمنا الحديث والمعاصر يعيش وضعاً مأساوياً حقيقة لا أسطورياً، فالحروب أصبحت في كل مكان، ودون الدخول في بسط الحديث عن ذلك، نتوقف مع جزئية في غاية الأهمية وهي هل الحرب سر مقدس؟ منطلقين من مقاربة خاصة لـ"روجيه كايوا Roger Caillois".

 


روجيه كايوا Roger Caillois


في مفتتح الموضوع أكد روجيه على أن هذه الذهنية -قداسة الحرب- هي ذهنية دينية أصيلة، يبدو معها زمن الحرب مضاهياً لزمن العيد في القدسية، إنها فترة الظهور الإلهي، التي تُدخل الإنسان إلى عالم مُثير يصيبه فيه حضور الموت بالرعدة، ويُضفي على أعماله المتنوعة قيمة رفيعة، لاعتقاده أن يكتسب فيها، كما أن في اختبار النزول إلى الجحيم في المُسارّات القديمة، رباطة جأش تفوق بما لا يضاهي ما تتيحه الاختبارات الأرضية، فيشعر بأنه لا يقهر وكأنه موسوم بالعلاقة التي حمت قابيل بعد مقتل هابيل.

بناء على التفكير-السلبي في نظرنا- تكون الحرب هي الآلهة الجديدة التي تمحو الخطايا وتغدق النعم، فلا غرو –حسب رويجه- إن نسبنا إلى معمودية النار أسمى الفضائل وتصوّرنا أنها تجعل من الفرد خادماً جسوراً لعبادة تراجيدية ومصطفًى من قِبَل إله غيور.

واعتباراً لذلك، فإن من يقبلون هذا التكرّس سوياً، أو يخوضون غمار المعارك جنباً إلى جنب، تنشأ بينهم أخوة السلاح التي توثقهم بروابط متينة لا ينال منها الزمن، كما تولّد لديهم شعوراً بالاستعلاء والتواطؤ على من ظلوا خارج دائرة الخطر أو لم يكن لهم دور فعال في المعركة. إذ لا يكفي أن يكون المحارب قد عرّض نفسه للخطر، بل يجب أن يكون قد ألحق الهزيمة بعدوه، يعلق روجيه قائلاً: "هذا التكرس مزدوج، يفترض أن يجرؤ الجندي لا على الموت وحسب، بل على القتل أيضاً، لا فخر لناقل الجرحى، والمحاربون ليسوا متساوين، على الإطلاق، بل إن هذا السلك يشتمل على درجات متفاوتة، ليس بين الأسلحة على أنواعها، بدءاً بسلاح الجو وانتهاءً بسلاح المعتمدية العسكرية، ولا بين مناطق العمليات بدءاً بالخطوط الأمامية وانتهاءً بالمراكز الخلفية، ولا بين التنويهات والأوسمة العسكرية والجروح والأعضاء المبتورة، ما لا يشكل جزءاً من تنشئة هرمية تدرجية وذريعة لجمعيات حريصة على مجدها. وفي ذلك شيء من الوضعية المميزة للمجتمعات الذكورية، تلك التي ينضم إليها الرجال في الحضارات البدائية إثر اختبارات مؤلمة، وينعم أعضاؤها بحقوق خاصة داخل الجماعة".

انطلاقاً من ذلك، يؤكد روجيه على أنه يصعب على العالم الحديث، بحكم طبيعته بالذات، أن يتساهل مع محترفي العنف هؤلاء، لذا يبيد سبطهم، ولو أن هذا العنف يعاود ظهوره عندما تتوافر له الظروف المناسبة، ولكن، إذا كانت البنية الجديدة للمجتمعات والطابع الميكانيكي أو العلمي للمعارك قد أبدلا البطل المتحمس بعدد لا يحصى من المقاتلين المغفلين، فهُما لم يبدِّلا شيئاً في الوضع القديم.

وقد عقد روجيه مقاربة بين الماضي والحاضر، بحيث يرى أنه لم يعد ثمة كما في الماضي، ساحة قتال واضحة المعالم تتخذ شكل مساحة منبسطة ومخصصة لهذه الغاية، هي أشبه بالحلبة أو الملعب أو الميدان. لقد كان هذا الحرَن المكرس للعنف يبقي حوله على عالم تحكمه قوانين أكثر تسامحاً، "أما اليوم فقد استع نطاق الحرب ليشمل أراضي الأمم قاطبة. كذلك الأمر بالنسبة إلى مدتها، حيث لم تعد الأعمال الحربية تبدأ بعد إعلان الحرب الرسمي الذي يحدد لحظة إطلاق النار، وإنما بات يُشنّ الهجوم بغتة من أجل إحراز تفوق حاسم على خصم لاه". إذن لم يعد المكان والزمان المكرسين لهذه المبارزة الهائلة محددين، ولا منفصلين عن باقي الزمن والمساحة على غرار ما يتم إخضاع نتائج إحدى المباريات للنقاش، انطلاقاً من إشارة الحَكَم، وقواعد اللعب المتعارف عليها.

ويرى روجيه من جهة أخرى، أنه كلما اشتد التنافر بين عذوبة السلم وعنف الحرب القبيح، تعاظمت حظوظ هذه الأخيرة في إغواء جوقة المتعصبين وترويع آخرين بما فيه الكفاية، حتى إذا وجدوا أنفسهم عُزّلاً أمامها، نسبوها إلى قوة قاهرة مجهولة، تضربهم بالشلل. يقول روجيه معلقاً: "لذا كانت الإشادة شبه الصوفية بالحرب توافق اللحظة التي تبلغ أشدّها، وإذا كان يتم التفكه بها باعتبارها مهنة الرفقة المسلية، أو يكتفى بلعن ما تخلفه من بؤس وآلام ودمار، فإنها لم تُحدث الصدمة الكبرى إلا عندما ظهرت متحررة من كل رادع خلقي ولم تعد توقر حجراً ولا بشراً، أشبه بزلزال يفوق كل تصور واحتمال ويمتد سنوات بكاملها مطاولاً حدود العالم المتدن". فتصور البعض أن الحرب ذات قداسة، هي الأصل زلزال مدمر للعالم.

ومن جهة ثانية، يرى روجيه أن ما يغري ذوي القلوب المضطربة ويقنعهم بأن الحرب تفتح لهم أبواب جحيم أصدق وأقوى من حياة سعيدة رتيبة، هي ضخامة الحدث واتساعه في الزمان والمكان وشدته النادرة وطابعه الوحشي وطبيعته العنيفة، تلك التي تسفر عن وجهها بعد تواري البزّات المخرّمة ورسميات البلاط. هؤلاء يرون في الحرب ظهوراً مخيفاً للمبدأ الذي منه يتحدر كل شيء ويكشف كيانهم الحقيقي. فأصبح النظر إلى الحرب بأنها معمودية وتكريس بقدر ما هي تأليه، وإذا كانت تقف على أنقاض عالم وهمي فاسد، ضعيف، عالَمٍ باهت وزائف، فلكي تشهر وتذيع بمثل وميض البرق وجلجلة انتصار الموت المقدس الذي رأيناه بالأمس يتسلط مراراً على مخيلات الشر.

وقد عقد روجيه مقارنة رائعة بين الحرب والعيد، بحيث يرى أن افتقار الحروب إلى الوضوح والاتساع معاً، في المجتمعات البدائية يظهرها في موازاة الأعياد تافهة، عديمة الأهمية، فهي لا تعدو كونها، في الغالب، فواصل زمنية قصيرة تتراوح ما بين غارات صيد وسلب وثأر، ولكن حتى عندما تشكل حالة مستديمة، تجعلها بمثابة الخلفية التي تقوم عليها حياة هذه المجتمعات -وهو انشغال خطير، من دون شك- فإن انتفاء هذا التقطع ينزع عنها ظل الطابع الاستثنائي. "أما العيد فإنه يوقف الأعمال العدائية في الحالتين، مصالحته مؤقتاً بين ألد الأعداء الذين يدعوهم إلى التآخي في الفورة الموحِّدة. كذلك الألعاب الأولمبية، في التاريخ القديم، كانت تُعلِّق النزاعات متيحة للعالم الإغريقي أن يشترك بأكمله في حالة حبور مؤقت تحميه الآلهة.

وفي أيامنا للأسف الشديد، فإن الحروب توقف كل شيء، تغلق الحدود التي كانت تفتحها الأعياد، فالحرب عامل تفرقة، بخلاف العيد الذي هو عامل تحالف وتآخي، يقول روجيه عن العيد: "لقد رأى فيه المراقبون الرباط الاجتماعي بامتياز، رباطاً يضمن قبل كل شيء تماسك الجماعات التي يحشدها دورياً، في الفرح والهذيان".

انطلاقاً من هذه الصورة التي قدمها لنا روجيه عن الحرب، وإن كنا على علم بما تخلفه، فإن عقد المقارنات جد مهم، بين الخير والشر، التسامح والعنف، والسلم والحرب، فهذه الموضوعات المتضادة الاهتمام بها قد يكون علاجاً لكثير من آفات عصرنا المضطرب هنا وهناك، خاصة ونحن في حاجة ماسة إلى عالم أكثر تسامحاً وتعايشاً.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها