التربية الوظيفية وإشكالية التنمية في الوطن العربي

د. مولاي المصطفى البرجاوي - باحث في علوم التربية

Oct, 29 2017

  مقدمة
 تعد إشكالية التربية ووظيفتها التنموية واحدة من التحديات الكبرى التي كانت وما تزال تواجه العديد من البلدان ومن ضمنها البلدان العربية. فهذه حقيقة لا جدال فيها، إذ أن الإجماع الحاصل منذ عدة قرون حول ضرورة التعليم والتربية كطريق لكل نهضة حقيقة قد تعزز منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي بإجماع آخر مفاده أن مصير المجتمعات في القرن القادم سيتوقف بمعنى من المعاني على الكيفية التي ستعد وستؤهل أبناءها وخاصة من الناحية التربوية والتعليمية (1).

فالتنمية؛ لا يمكن تحقيقها دون تعليم وظيفي يروم بناء شخصية المتعلم المتكاملة الأبعاد (المعرفية، المهارية، والوجدانية)؛ فالتعليم الذي يطبق التربية الوظيفية في الإنجاز الديداكتيكي، يساهم في تخريج متعلمين متعودين على الكفاءة والجودة والتقدير والاستحقاق والمشاركة الفعالة والإيجابية. وفي الآن نفسه يوظف التعليم المهاري الذي ينمي فيهم (المتعلمين) الجوانب الفنية والحركية؛ مما يؤدي إلى توفير كوادر منتجة ومبدعة بل أصحاب براءات اختراع. خاصة وأن " كل ما في الحياة العربية من كتاب ومعلم وامتحانات ومناهج وطرائق مازال ينتسب إلى مرحلة اجترار المعرفة وخزنها، وتغليب الألفاظ على الأشياء، وتفضيل النظر على العمل، وتقديم، الجدل العقلي على البحث المنهجي، وإثارة التقليد على التجديد أولا وآخرا" (2).
لذا، توصلت العديد من البلدان الصناعية الجديدة؛ كماليزيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة وغيرها بواسطة تعليم أساس متوازن ومتعدد في مضامينه المعرفية والتكوينية (من المعارف النظرية إلى التكوينات الإجرائية، والتطبيقية)؛ مرن في بنياته وأسلاكه، ومعمم على الأطفال القابلين للتمدرس، ومتمفصل مع مؤسسات التكوين المهني والتقني إلى تحقيق نهضة فعلية في المجالات التكوينية والثقافية-الاجتماعية والاقتصادية. فقد تبين بالفعل، أن تكوين الرأسمال البشري، وإعداد المواطنين إعدادا نظريا ومهاريا في مناحي التخصص المهني يؤدي إلى زيادة الإنتاجية والمردودية في مجالات الاقتصاد كافة؛ فلاحة وصناعة وتجارة، ويساعد على عقلنة الاقتصاد وتوسيع قاعدة التخصص الوظيفي في تقسيم العمل الاجتماعي ويساهم في تحقيق التراكم الضروري للتنمية. من هنا يساهم التعليم الأساسي في تكوين اليد العاملة المتخصصة الضرورية للنسيج الاقتصادي، إذا كان هذا التعليم، متمفصلا بالفعل مع هذا النسيج (3).
 وسعيا منا إلى الإمساك بخيوط هذه الدراسة، التي تطرح إشكالية الفصل والوصل بين التربية والتنمية وأبرز الاختلالات، وكيف يمكن تجاوزها؟ قمنا بتشريحها إلى أربعة مناطق بحثية:
-    الأولى: عن جوهر المشكلة؛
-    الثاني: عن الخريطة المفاهيمية لإشكاليتي التربية والتنمية؛
-    الثالث: عن الثابت والمتحول في العلاقة بين التربية والتنمية.
لنخلص إلى تركيب في شكل اقتراحات لجعل التربية وظيفية و قاطرة للبناء الاجتماعي وتنميته.
1-    جوهر المشكلة في التقاطب بين التربية والتنمية: 
إذا كان الإنسان وما يزال يمثل قطب الرحى ومربط الفرس في العملية التنمية؛ "التي تستهدف تنمية طاقاته واستمتاعه بحقوقه، فإنه في الوقت ذاته هو محور التنمية، وفاعلها، ومنظمها، ومطورها ومجددها، ومبدع سياسات وإجراءات بديلة في تغيير نمط تلك التنمية ومعدلات إنجازها الحالية. هكذا يقع على الإنسان هدفا ووسيلة لجهود التنمية وسياساتها، فهي تنمية الإنسان لذاته المطلقة وتنميته في الإنسان ذاتهن ومن أجله ومن خلاله" (4).
إلا أن النظام التربوي في أغلب البلدان العربية؛ تتخبط في جملة من المشاكل التي تحول دون مساهمة التعليم في التنمية منها؛ ضعف تكوين المدرسين، وافتقار المتعلمين للدافعية إذ " لن يُجدِيَ كثيرًا أن نُضاعف من إنشاء المَدارس، ومن تكوين المدرِّسين، ومن تصوُّر طرائقَ بيداغوجية جديدة، ما لم يكن التلاميذُ يرغبون فعلاً في أن يتعلموا" (5).، وضعف الترابط الوثيق بين المنهاج الدراسي –التعليمي والحاجات الاجتماعية والاقتصادية...مما يؤدي إلى تخريج أفواج من المتعلمين يفتقرون إلى مهارات اجتماعية وتقنية وحياتية. مما يجعل أغلب الإصلاحات التربوية تقف عند منتصف الطريق، وتضطر إلى التفكير في إصلاح للإصلاح وهكذا دواليك!! 
2-    التربية الوظيفية والتنمية: إشكالية التحديد؟
 إن تسمية التربية الوظيفية (Eduction fonctionnelle) استخدمها "كلاباريد" الطبيب والسيكولوجي السويسري (Edouard Claparéde)(1873-1940)، تهدف هذه التربية إلى ربط المتعلم بالحياة عن طريق تنمية عملياته الذهنية والاستجابة لحاجاته الآنية والمستقبلية، انطلاقا من مبدأ أن كل حاجة تثير ردود فعل قادرة على تلبيتها؛ وبمعنى عام، نصف بالوظيفي كل نشاط يستجيب لأهدافه الذاتية. وتعد التربية الوظيفية عند "كلاباريد" رد فعل تجاه النظرية السلوكية، حيث رفض العلاقة الميكانيكية بين المثير والاستجابة واعتبر أن القانون الأساس للنشاط الإنساني هو الحاجة والاهتمام؛ ولذلك يعتبر الطفل مركز البرامج والطريقة المدرسية، حيث يتوجب بناؤها بشكل ييسر التكيف الذهني المتدرج لدى المتعلم (6).
والتربية الوظيفية أيضا؛ هي التربية التي تسعى إلى تنمية السيرورات الذهنية، لا لذاتها، وإنما لدورها وفائدتها على الصعيد البيولوجي في حياة الفرد راهنا ومستقبلا، بل ولمدى الحياة (7).
وكاستنتاج لما سبق من التعاريف، فالتربية الوظيفية عملية مستمرة لا يحدها زمن معين وهي تمس كل مكونات الحياة بالنسبة للفرد والمجتمع بل تساعده على الرقي وتحقيق التنمية المنشودة. لهذا فهي سيرورة اجتماعية وإنسانية لا تقوم على السلبية وشحن ذاكرة المتلقي بل هي مبنية على التفاعل والتواصل بين أطرافها (السياسة التربوية، المنهاج الدراسي، المدرس، المتعلم، الكتاب المدرسي)؛ بغية تحقيق المتوخى من العملية التربوية.
ههنا يطرح سؤال جوهري وعميق لماذا التركيز على التربية الوظيفية وليس التعليم الوظيفي؟ والجواب بكل بساطة؛ أن المصطلح الأول يستحضر الجوانب المختلفة في شخصية المتعلم؛ إذ يجمع بين التعليم و التنشئة الاجتماعية والتربية على القيم الاجتماعية والسياسية (المواطنة، والوعي بها...) لتكوينه تكوينا متوازنا وفاعلا مؤثرا إيجابيا في المجتمع، بينما الثاني يركز على تمكين المتعلم من معارف ومهارات دون استحضار البعد القيمي (التربوي، السياسي، الاجتماعي، الثقافي...). إذ أن " تطوير التربية وتمكينها من أداء دورها المأمول يتحقق بيسر بقدر ما يتوافر للمجتمع من تحقيق متوازن للتنمية في جوانبها المختلفة. فالوعي السياسي، والتنظيم السياسي المناسب يسهم في توجيه التربية ومراقبة تطويرها. والنمو الاقتصادي، فوق توفيره للأموال اللازمة للعمل التربوي، يفرض أيضاً متطلباته بتوجيه التربية وتحديد نوعية مخرجاتها. والتطور الاجتماعي في العلاقات ونظام القيم يمكن التربية من أن تحارب على جبهات واضحة في التوجيه والتنشئة المرغوب فيها بدلاً من التنازع بين ما يعلم ويمارس في المجتمع، ووضوح المرجعية والتوجه الثقافي وإيجابية الإعلام، تعزز دور التربية في تحقيق أهدافها التنموية" (8).
كما يمكن أن نتعرف على التربية الوظيفية بشكل مبسط من خلال المعادلة التي اقترحها "دولارد ميلر" بقوله:" لكي يتعلم شخص، "لابد أن يحتاج إلى شيء"، وأن "يلاحظ شيئا" وأن "يقوم بعمل شيء" و أن " يحصل على شيء" ..يعني لابد أن يكون للتعلم هدفا وخطة ونتيجة ووظيفة في الحياة.
ولأهمية الوظيفية في التربية، اعتبرت النظرية الوظيفية من نظريات اللحظة التاريخية المواتية، " فقد أدركت الدول المتقدمة في العصر الحالي أن العلم (أو ربط التعليم بالعلم) هو أساس رقي الشعوب وتطورها، وأن به تبنى الحضارات والإبداعات والتطور، فهو أساس التفوق والتقدم والقوة والرقي، فالدول المتقدمة هي التي تمتلك عناصره ومفاتيحه وأدواته، ولذا كان تركيزها على العلم ومصادر وأساليب التعلم والتعليم، فخذ مثلا أثناء الحرب الباردة (حرب النجوم) بين دولتي الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وعند إعلان الأخيرة إطلاق القمر الصناعي" سبوتنيك 1" سنة 1957، أثارت دافعية الولايات المتحدة للتحدي والإبداع، فاتجهت للتركيز على التعليم، خصوصا للمواد العلمية كالرياضيات والفيزياء والعلوم بأنواعها، وصبت جل اهتمامها على أبنائها المتفوقين ودعمتهم حتى أعلنت في نهاية الستينيات من القرن الماضي هبوط أول صاروخ لها على سطح الأرض" (9).
 رغم ما قد يعاب على هذا الرأي، واعتباره تصورا براجماتيا /نفعيا؛ من خلال السعي إلى "تسليع التعليم" –على حد تعبير الأكاديمي المغربي عبد الهادي بوطالب بربط التعليم بالمقاولة والاقتصاد والعلم...)؛ فإنه في جانب كبير منه،" يجعل التربية عاملا محفزا ومنافسا لتحقيق المآرب والمصالح الاستراتيجية" (10). لكن في الآن نفسه؛ فربط التعليم بالإنتاج والإنتاجية يتطلب تجديدا في السياسة التربوية والمنهاج الدراسي وتعددا في طرائق التدريس إن على مستوى المحتوى أو التكوين أو التدريب وتجديده ليتماشى والتوجهات العلمية المعاصرة.
علي ضوء ذلك، ينبغي للتربية أن تتجاوز النمط التربوي التقليدي إلى التربية التي تمس النسق التربوي والتكويني والاجتماعي والاقتصادي والتنموي برمته. وذلك من خلال تحويل ونقل المدرسة من مجال/ فضاء جغرافي قائم على شحن ذاكرة المتعلم (بيداغوجيا التلقين والملء) إلى منطق يتوخى صقل الحس النقدي، وتفعيل الإبداع والنقاش الحر والتعلم الذاتي(بيداغوجيا الإبداع و الابتكار) لتحقيق الوظيفية في التربية المدرسية.
أما التنمية، الشق الثاني من القضية، فتعد من المفاهيم البارزة التي عرفت تداولا كبيرا في الآونة الأخيرة، وهو مفهوم انتزع الإشعاع من مفهومي التقدم والتطور اللذين كانا سائدين في أدبيات علوم الاقتصاد والسياسة خلال القرن الماضي. ولعل سبب احتلال مفهوم التنمية مركز الصدارة والاهتمام وشيوع الاستعمال، يعود إلى كون هذا المفهوم يدل على حدوث تغير وتطور جذري ذاتي في اتجاه التحسن في حياة الفرد أو الجماعة" (11).
كما أن التنمية عملية ديناميكية تتكـون أساساً من سلسـلة كبيرة من المتغيرات الوظيفية والبنائية التي تحدث نتيجة تفاعل الإنسان مع البيئة بهدف استثمار موارد المجتمع ومكوناته إلى أقصـى درجة ممكنة " (21). في حين أن المفهوم الشامل للتنمية يؤكد على أنها العملية المجتمعة الموجهة نحو إيجاد تحولات في البناء الاقتصادي والاجتماعي، ويحظى التعليم بدور متميز مهمٍ من بين مؤشرات التنمية لكونه أحد الحاجات الأساسية التي تحققها التنمية " (13).
على ضوء التعاريف السابقة؛ نخلص إلى أن التنمية، عرفت قفزة نوعية من بعدها الاقتصادي (الإنسان وسيلة لخدمة الاقتصاد)، إلى بعدها البشري (يعد الانسان غاية والاقتصاد وسيلة لخدمته وتحسين حياته لتحقيق رفاهيته وتنميته)، وههنا يعد التعليم أحد مؤشرات قوتها.
كخلاصة، فالتربية، بمفهومها المعاصر، هي عملية تنمية شاملة ومتكاملة لشخصية المتعلم بأبعادها المعرفية (اكتساب معلومات ومعارف ) والسيكو حركية (مهارات، طريقة ومنهجية التفكير والتحليل والنقد) والسوسيو وجدانية (اكتساب قيم واتجاهات ومواقف) ، بغية إعداد مواطن فعال ومنتج يساهم في بناء المجتمع وتنميته.
وللعلاقة الجدلية بين التربية والتنمية طفت على سطح الحقل التربوي نظريات متضاربة ومتعارضة؛ بين نظرية تشاؤمية تنظر للتربية على أنها وسيلة لتأزيم الوضع الاجتماعي والاقتصادي بتكريس الفوارق الطبقية. في مقابل هذا التصور، ظهرت نظرية تفاؤلية، تنظر للمدرسة عامة والتربية خاصة كفضاء يحتضن الجميع ويؤهل المتعلم للانخراط الإيجابي والفعال في بناء المجتمع. 
3-    العلاقة  بين التربية والتنمية: جدلية الثابت والمتحول.
تعد التربية والتعليم إحدى ركائز التنمية، فإذا اختل الركن الأول تخلفت باقي الأركان عن الركب والنهوض والتقدم والتنمية. ولتوضيح ذلك نعرض لأبرز المؤشرات التي تقف حجرة عثرة أمام تحقيق أي تنمية منشودة:
أ‌-    ضعف تكوين الموارد البشرية: لاشك أن التعليم بمفهومه الواسع هو الأداة الفعالة لإعداد المهارات المطلوبة لتحقيق التكامل الضروري بين الموارد البشرية والرأسمالية للوصول إلى أهداف التخطيط الشامل للتنمية، وأن إهمال الموارد البشرية أو الارتباك في تعليمها يؤديان إلى هدر لطاقاتها الإنتاجية، ويجعلانها عبئا ثقيلا على الاقتصاد الوطني، لذلك ينبغي أثناء التخطيط للتربية في الدول لعربية من أجل النهوض بأعبائها في تحقيق التنمية الشاملة منح الأولوية لأنواع التعليم ذات الأهمية في التنمية والتي لا تشكل  هدرا كبيرا في الموارد البشرية.  وهذا يتطلب تنسيق النظام التعليمي مع حاجات الإنتاج عن طريق تحليل المحتوى المهني لكل وظيفة إنتاجية وربطه بمستوى معين من التعليم والخبرة والتدريب اللازم لأدائها (14).
ويرى "هارسون" أن " المشكلة الأساسية في معظم البلاد النامية ليست في افتقارها إلى مصادر الثروة الطبيعية، بل حاجتها إلى تنمية مصادر الثروة البشرية. لذلك كان لزاما على تلك البلدان أن تبذل الجهود في بناء رأسمالها البشري" (15). ولا أدل على ذلك ما تصرح به المعجزة /التجربة اليابانية الرائدة بقولها:" تعيش البلدان على ثروات تحت أقدامها بينما نحن نعيش على ثروات فوق أكتافنا تزيد بقدر ما نأخذ منها".
ب‌-    التربية والتبعية: إن أغلب النظم التربوية والتعليمية في كثير من الأقطار العربية والإسلامية تتغذى على ثقافات ومناهج المجتمعات الغربية. فلا غرابة أن تحولت العملية التربوية إلى وسيلة ناجعة لخدمة أهداف الاستعمار الاقتصادي والثقافي. فبدلا أن تمنح هذه الأقطار القدرة على التحول إلى الطور الصناعي وتحقيق الاستقلال الاقتصادي والتكنولوجي العلمي، فإن العملية التربوية أصبحت تسبب في انتشار البطالة بين خريجي المعاهد والجامعات الذين ليس في مقدورهم، بعد سنوات التكوين الطويلة، ممارسة أي عمل خارج الأدوار التي أعدتهم لها المدرسة. وهم أعجز عن التأثير في الواقع لتغيير مجتمعهم نحو الأحسن والأفضل. وبما أن النظم التربوية في الواقع تعزز الاغتراب الثقافي وتشجع على استعارة قيم وأنماط الحياة السائدة في البلدان الصناعية المتقدمة، فقد زادت في تشويه شخصية هذه الشعوب التي وجدت نفسها مضطرة إلى إهمال ثقافتها الأصيلة وأنماط حياتها، وعاجزة عن مواجهة مشاكلها الخاصة، بحيث تجد نفسها أمام مشاكل أفزرتها عملية تبني أهداف تربوية غريبة عن واقعها وتاريخ أمتها (16).
في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى أن بلدان الخليج التي تصرف ميزانيات ضخمة على التعليم، لكن لم تصل إلى مستوى مساهمة التربية في التنمية بحكم أن أغلب المعاهد العليا هي فروع لمؤسسات تعليمية أجنبية . فهي تعيد اجترار مناهج الغرب دون أن تصل إلى مستوى الإبداع والإنتاج التربوي المحلي وصناعته على المقاس الذي ينهض بالأمة العربية. ونفس الشيء ينطبق على بلدان المغرب العربي. بما فيها الدولة المغربية التي تنفق ميزانية ضخمة على  تمويل التعليم، لكنها هي الأخرى تستعين بخبرات فنية أجنبية وتنأى جانبا بالموارد البشرية المحلية. في هذا الإطار، فقد  أنفقت السلطات التربوية المغربية مبالغ مالية كبيرة لفائدة الخبير التربوي البلجيكي "كزافيي روجيرس"(Xavier Rogers)الذي كلف بإرساء نموذج تدريسي بالمغرب عرف ببيداغوجيا الإدماج، لكن في نهاية المطاف تم التخلي عن هذا النموذج.  إذا؛ فالدول العربية تحرص على إتباع الغرب متناسية أن ذلك من أدوات تكريس التبعية وإسقاط النموذج الغربي رغم عدم مواءمته للبيئة العربية والإسلامية، بل أن تطبيق ذلك النموذج يحتاج إلى بيئة  مناسبة و مجال تعليمي متطور.
ج- مشكلة الأمية بأشكالها المختلفة: إن التنمية المنشودة للحاق بالدول الصاعدة والمتقدمة لا يمكن بلوغها، مادام فتق الأمية متسعا، لذا يتحتم اعتبار محو الأمية عملية استثمارية آنية لإزالة كل الموانع في طريق التنمية بشكل نهائي. وهذا ما حرص عليه المغرب مثلا، من خلال برامجه المكثفة للخروج من عنق زجاجة الأمية الأبجدية والوظيفية سواء تعلق الأمر بالبرنامج التابع لوزارة الأوقاف أو التابع لوزارة التربية الوطنية.. إذ تم الانتقال عبر مستويات من التمكن من الحروف الأبجدية إلى ربط التعلم بالحياة العملية عن طريق إكساب المستفيدين المعارف والمهارات الحياتية الجديدة. ورغم هذه المجهودات المبذولة، مازالت هناك موانع وإكراهات ثقافية واجتماعية واقتصادية تحول دون تطوير وتحقيق نتائج بالغة الأهمية.
د- الأزمة التربوية وتأثيرها المباشر على التنمية: يعاني النظام التربوي في البلدان العربية من أزمة تربوية تختلف حدتها من بلد إلى آخر، منها ما يتعلق بالتعليم وسوق الشغل. ويبدو ذلك على واجهات متعددة؛  فنحن نركز على التعليم (enseignement) دون الاهتمام بالتعلم (Apprentissage)؛ خاصة وأن " التعلم ليس هو اكتساب سلوك كيفما كان، بل هو القدرة على إنتاج وبناء سلوكات نافعة للفرد و الآخرين" (17)، كما نتعلم وفقا لطاقة التعليم المتاحة وليس وفقا لحاجاتنا الفعلية، وفي ظل فلسفة تربوية تضع حواجز بين المعارف النظرية والمهارات العملية، و عدم تكافؤ فرص الولوج إلى التعليم،  وتعدد مسارات التعليم نظرا لوجود ازدواجية تربوية بين تعليم النخبة وتعليم العامة، والعزوف عن متابعة التعليم، وسلبية المعلمين، وعدم فاعلية البحث العلمي وانفصاله عن المشاكل العملية وتدني مستوى الخريجين، والهادر التعليمي الضخم، وفقدان المجتمع ثقته بمؤسساته التعليمية، وعدم تعريب العلوم، وتخلف المناهج وطرق التدريس، وضعف الإدارة التعليمية (18). كل ذلك أثر على جودة منظومة التربية والتكوين، وأفرز أشكالا بيداغوجية غريبة ومرهقة ومكرسة للأزمة التربوية أفقد كل تجارب الإصلاح من محتواها (الاكتظاظ، التوظيف الجهوي بالتعاقد، الهدر المدرسي...) في ظل ضعف الحكامة التربوية ومشروع مجتمعي توافقي يخدم تنمية البلاد والعباد.
وللاستفادة، فالدول المتقدمة صناعياً تضع في مقدمة أولوياتها نقل التقنية من مراكز البحوث في الجامـعات إلى القطاع الصناعي ، وذلك بإنشاء وسائل وسبل فعالة لحفز التعاون بين قطاع الصناعة والجامعات. ورغم  أن الجامعات في الدول العربية أدركت حاليا أهمية تسخير نتائج البحث العلمي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن النجاحات التي تحققت في هذا المجال متواضعة مقارنة بالتعاون القائم بين الجامعة ومؤسسات التنمية الاقتصادية والاجتماعية (19). بل أكثر من هذا "إن المجتمعات المتخلفة لا تملك استقلالا ذاتيا. كما أن المثقف غير منتج في المجتمع الذي ينتمي إليه، بحيث يتأرجح بين مجتمعين: مجتمع الغرب المهيمن، ومجتمعه الخاص به الذي يعتبره من مستوى أدنى. بحيث يصير وضعه محصلة لهذه القطيعة" (20).
وهذا البون الشاسع ساهم فيه أيضا الدول المتقدمة التي " آلت دول الشمال على نفسها أن تظل السباقة إلى التعليم والإبداع، وإلى التكنولوجيا والمعلوميات والاتصال، علاوة على استمرارها في إقامة المباحث والمراصد ومراكز البحث العلمي واللغوي متناسية الخصوصيات الثقافية والهويات الحضارية والثوابت الدينية لدول الجنوب دون أن يوفر الغرب الآليات أو الميكانيزمات القمينة بإلحاق الشعوب المستضعفة إلى ركبها الحضاري (21).
لهذا، تحتاج مشاريع التنمية البشرية في بعديها: الاقتصادي والاجتماعي، في هذه الحقبة المعولمة و"الرأسمالية المتوحشة"؛ التي تشهد تحولا كبيراً في درجة التنويع والهيمنة الاقتصادية الدولية والنمو المطرد السريع، إلى رأس مال بشري متعلم ذو تكوين مؤهل ومتين يقود عمليات التنمية. ذلك أن التقدم الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق بدون توفر القوى العاملة المواطنة المؤهلة والمتخصصة، والتي تستطيع القيام بفعالية بكل أشكال التخطيط والتنفيذ لبرامج التنمية الاقتصادية، أي أن قطاعات التنمية الاقتصادية تحتاج إلى المهندسين والتقنيين والفنيين الذين يتوفرون على الإعداد اللازم المطلوب من التعليم والتدريب والخبرة في مختلف مجالات التنمية.
إذ التنمية لم تعد في الوقت الحاضر، تعني السيطرة على الطبيعة وزيادة الإنتاج فقط، كما لاحظ ذلك منذ خمسين عاما "هنري لوفيفر" (Henri Lefebvre,)، وإنما هي السيطرة على نتاج النشاط الإنساني وتنظيمه وتوجيهه إلى خدمة قضية التقدم الاجتماعي والثقافي. وهذا يقتضي توفير جو من الحرية والمساواة اللتين تسمحان للمواطن المتعلم المساهم في التنمية بأن يوجه أقصى اهتمامه إلى إثراء كل أشكال الفكر والثقافة ووسائلهما وتوحيدهم ودفعهم نحو الكمال (22).
هـ- عجز النظام التربوي عن الإبداع والابتكار: إن عجز النظام التربوي عن إخراج المبدعين أكثر من دلالة خطيرة، ولعل أبرزها اهتزاز الثقة بهذا النظام التربوي، فأمريكا-كما ذكرنا آنفا- التي تنفرد بقيادة العالم عندما سبقها الاتحاد السوفييتي إلى غزو الفضاء، اعتبرت أن السبب يكمن في عجز النظام التربوي التعليمي، فشكلت اللجان لإنقاذ ما أسمته (أمة في خطر)، بل إن جورج بوش قال في حملته الانتخابية أنه سيكون رئيس التربية والتعليم. في هذا السياق، ويلاحظ أن نظامنا التربوي قد غابت عنه عقلية التخطيط وعقلية التخصص والنقد والمراجعة ، ويعاني من وجود الفراغ والقابلية للغزو الثقافي والاستلاب الحضاري والاغتراب التاريخي، وهذا معناه أن العطب قد لحق بأجهزة العملية التربوية والتعليمية (23).
و- صعوبة بناء نموذج تربوي يوائم مقومات التنمية: إن أكبر عائق يهدد النسق التربوي في البلدان العربية، صعوبة بناء نموذج بيداغوجي ذاتي أو بالأحرى تكييف النموذج المقتبس من الآخر ليوافق حاجيات الوسط المحلي، مما يحول أفرادها إلى مستهلكين بدل الإنتاج والابداع، فيأخذون وضعية الانفعال بدل وضعية الفاعل. وهنا يؤكد "فيليب ميريو" (Phillipe Meirieu)؛ "أن واقعية وأهمية وصلاح أي نموذج تربوي أو بيداغوجي يقتضي تضافر ثلاثة عناصر متداخلة فيما بينها: بدءا بصلاحية المشروع التربوي الذي يستوحى منه ( البيئة المحلية و استحضار المتعلم الذي نطمح إليه تكوينا وأخلاقا)، ثانيا الممارسة العملية والتطبيقية لهذه القيم، وأخيرا طريقة تنفيذ هذا المشروع (إحداث تغيير وتحول إيجابي في حياة المتعلم المدرسية واليومية والعملية)" (24).


محاولة في التركيب:
على ضوء ما سبق، ينبغي التفكير في ربط التربية والتعليم بحاجات المتعلم الاقتصادية والاجتماعية والتنموية (التربية الوظيفية) وتجاوز الإصلاح التعليمي المرتجل (الإصلاح بالصدمات وردود الفعل)، والانطلاق من واقع المتعلمين، وذلك من أجل تطوير حياتهم اليومية وتحقيق الأهداف التنموية المتوخاة من التربية والتعليم.
ذلك أنه من أجل تحقيق إقلاع اقتصادي واجتماعي و تنموي شامل ومتكامل أسوة بالبلدان التي عانت من ويلات التخلف واستطاعت  أن تصنف ضمن البلدان الصناعية الجديدة  نتيجة الجهود التي بذلتها في مجال التعليم، يتحتم تخصيص غلاف زمني بيداغوجي مهم للأعمال التربوية التطبيقية (الزراعة التطبيقية، الصناعة، التكنولوجيا...) أو ما يسمى بالتربية المهنية، حتى لا يكون التعليم معزولا عن حاجيات واهتمامات المجتمعات التي تتوق إلى الرقي والتقدم.
ولهذا لابد من التفكير في إصلاح التربية والتعليم إصلاحا شموليا من خلال إعداد الأجيال المقبلة للدفع بالتنمية إلى الأمام، دون أن ننسى أيضا التفكير في إعداد وتأهيل مدرسين أكفاء قادرين على تحويل محتويات المنهاج الدراسي إلى واقع عملي وظيفي يستفيد منه المتعلم في حياته اليومية والعملية.

1- الغالي أحرشاو، فبراير 1998، بعض ملامح المنظومة التربوية العربية الحديثة، مجلة علوم التربية، العدد الرابع عشر، السنة السابعة، ، ص11.
2 - عبد الدايم عبد الله (1991): نحو فلسفة تربوية عربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيوت، ص248.
3- محمد فاوبار،2004، التعليم الأساسي: الإصلاح التربوي والتنمية بالمغرب، مجلة عالم التربية محورها: الميثاق الوطني للتربية والتكوين من التوجهات إلى إجراءات التفعيل، العدد 14، الطبعة الثانية، مطبعة النجاح الجديدة، ص53.
4 - حامد عمار ، 2007، مقالات في التنمية البشرية العربية، سلسلة العلوم الاجتماعية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ص 16.
5- René Fourcarde (1975), motivations et pédagogie leur donner soif , les éditions E.S.F, collection science de l’Education, paris , P13
6-  عبد الكريم غريب، 2006، المنهل التربوي، الجزء الأول، منشورات عالم التربية، الطبعة الأولى، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص 319.
7- أحمد أوزي ،2016  المعجم الموسوعي الجديد لعلوم التربية، منشورات مجلة علوم التربية العدد 42، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص142
8- جلال عبد العزيز)يوليوز 1985): تربية اليسر وتخلف التربية، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، عدد 91،  ص 15-16.
9- آندي حجازي (أكتوبر 2016): لماذا تهتم الدول المتقدمة بالتعليم، مجلة الوعي الإسلامي، تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت،  العدد 618، ص: 20 (الصفحات20-23)
10- محمد لبيب النجيحي (1981): دور التربية في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للدول النامية، ط 2، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، ص104 بتصرف.
11- أحمد أوزي ،2016  ، مرجع سابق، ص196
12- محمد الجوهري (1978)، علم الاجتماع وقضايا التنمية في العالم الثالث ، دار المعارف ، القاهرة ،ص 1.
13- عبد الجواد ، نور الدين ، متولي ، مصطفى محمد ، (1415هـ): واقـع التنمية وخطواتها المستقبلية في دول مجلس التعاون ودور التربية في تلبية احتياجاتها ، مكتب التربية العربي لدول الخليج ، الرياض ، ص74
14- مصطفى محمد متولي (1977): قصور التربية العربية عن تحقيق التنمية، دراسات تربوية، مجلة كلية التربية، جامعة الملك سعود، المجلد 5، ص 231.(الصفحات: 215-235)
15- فريدريك هارسون (فبراير 1964): التربية والتنمية، مجلة التربية الحديثة، الجامعة الأمريكية بالقاهرة، العدد 3، ص 60.( الصفحات57-66).
16- منصوري عبد الحق، التربية وسيلة الانتعاش والتطور أم أداة تكريس العجز والتبعية، مجلة علوم التربية، المجلد الثاني، العدد الخامس عشر، السنة السابعة، أكتوبر 1998، ص37.
17 - Reboul, O,. (1980), Qu’est-ce qu’apprendre ?, PUF, paris, P16.
18- الزواوي، خالد محمد (2003): الجودة الشاملة في التعليم، مجموعة النيل العربية، القاهرة، ص77-78.
19-محمود محمد عبد الله كسناوي(2001):توجيه البحث العلمي في الدراسات العليا في الجامعات السعودية لتلبية متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية (الواقع - توجهات مستقبلية)، ندوة الدراسات العليا بالجامعات السعودية. توجهات مستقبلية ، جامعة الملك عبد العزيز ،جدة، ص35.
20- عبد الله العروي (1986): عن التقليد والتخلف التاريخي، محاورة بينه وبين عبد العزيز بلال ومحمد جسوس، مجلة بيت الحكمة، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، ص 140.
21- حسن حماني، قراءة في كتاب التربية والثقافة في زمن العولمة، مجلة تربيتنا، العدد المزدوج 6-7، تصدرها الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية، القنيطرة، ص117 (الصفحات:113-118).
22 - Lefebvre, H.,  1948, Logique Formelle, Logique Dialectique, Paris: Anthropos, pp. 45-47.
23-حسنة، عمر عبيد (1992): مراجعات في الفكر والدعوة والحركة، الدار العالمية للكتاب الإسلامي، الرياض.ص56
24- Phillipe Meirieu (2002) :Apprendre…oui, mais comment, 18éme édition, ESF éditeur, Paris, p155-156.


 

التعليقات

برجاء ملاحظة انه يجب ان تتم مراجعة التعليق قبل السماح بظهوره