شعرية المكان في ديوان "رباعية الإسكندرية" للشاعر جمال القَصَّاص

د‭. ‬أحمد‭ ‬الصغير

جمال القصاص شاعر من شعراء الحداثة المصرية، وأحد المؤسسين لجماعة إضاء77 الشعرية، التي تشكلت من خلال مجموعة من الشعراء (حلمي سالم، رفعت سلام، حسن طلب، علي قنديل)، ولد عام 1950، في قرية المنشاة الكبرى - كفر الشيخ، تخرج في قسم الفلسفة - جامعة عين شمس1973. شارك في العديد من المهرجانات الشعرية محليّاً وعربيّاً ودوليّاً. ومن أهم دواوينه الشعرية: خصام الوردة 1984، شمس الرُّخام 1991، ما من غيمة تشعل البئر 1995، السحابة التي في المرآة 1998، حصل على جائزة كفافيس الشعرية عام 1998، ترجمت بعض أشعاره إلى الإنجليزية والفرنسية واليونانية. وقد صدرت أعماله الشعرية الكاملة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2014.
 

وقد احتفى القصاص في هذه الأعمال بأشكال فنية عدة اعتمد عليها في بناء قصائده الشعرية، ومنها ديوان رباعية الإسكندرية، الذي جعله يقدم صوراً متنوعة عن هذه المدينة القديمة في رحم التاريخ الإنساني، مستمداً عطايا المكان وهباته المعرفية، فللمكان دور بارز في القصيدة العربية على مر التاريخ، بدءاً من الوقوف على الأطلال في زمن امريء القيس في العصر الجاهلي، وحتى اللحظة الشعرية الآنية في شعر جمال القصاص، وغيره من شعراء الوطن العربي أمثال (محمود درويش، صلاح عبد الصبور، نازك الملائكة، فهد العسكر، حبيب الصايغ، خلود المعلا، محمد حبيبي، محمد الثبيتي .. وغيرهم).
 

 حيث إنَّ القصاص يقف في مدينة العشق، والبحر "الإسكندرية" مستنطقاً عوالمها وشخوصها وتاريخها العبقري، ومن ثم فإن المكان له أبعاد نفسية واسعة في القصيدة العربية "فيكشف المكان عن تواصل زمني فلا مكان بدون زمانه، وارتبط المكان بالصورة الشعرية داخل القصيدة، فهي التي يعبر الشاعر من خلالها عن إحساسه بالمكان". لذلك تتفاعل الصورة الشعرية مع أحداث مكانية مختلفة، لينتج عنها جماليات شعرية ذات دلالات رمزية، وأبعاد نفسية وأسطورية عميقة في القصيدة الشعرية، ومن ثم فقد كتب الكثير من الأدباء والشعراء عن الإسكندرية وأبدعوا في وصفها، وتفاصيل حكاياتها مع البحر والعشق والزهد والتصوف، وأكثر من كتبوا عن هذه المدينة "الكوزموبوليتانية" الإسكندرية، كانوا هم الأكثر خبرة بدقائقها وأسرارها، مثل الكاتب الروائي إدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، واليوناني السكندري قسطنطين كفافيس، الذي يعد عاشق الإسكندرية الأول.

 فقد عبر عن حميميتها وتفاصيل عشاقها في شعره، من خلال رصده لظلال الإسكندرية، وأزقتها ودروبها المهمشة، وحواريها وأحيائها الملحية الصاخبة، التي تأثر سكانها بريح البحر الأبيض المتوسط وملوحته، التي تصمد ضد الزمن وعوامل التعرية البحرية.

 وعليه قدَّم جمال القصاص سِفْراً شعرياً ضخماً عن الإسكندرية وتاريخها الحضاري، من خلال احتفاء القصيدة الشعرية عنده بهذه الأيقونات الشعرية، التي تعد إضافة فنية متميزة في شعر الحداثة، حيث تجلى المكان بوصفه بطلا في القصيدة مرتبطاً بروح الشاعر العاشق أيضا، الذي ارتبطت أحاسيسه الداخلية والنفسية بكل ما يميز الإسكندرية، من بهاء وجمال خالص وعنف وإصرار على البقاء ضد غضب البحر. فيقول في مطلع الديوان:

قال الإسكندر: أوقفوني هنا

وأشار بإصبعه إلى الفنار

سقطت صخرة من أعلى الجبل

وعوى ذئب

قطَّب الأفق حاجبيه

وزمْجَرت الريحُ

في الصبح .. اختفى الإسكندر

وبقيت الإسكندرية
 

يقف المكان شاهداً في نهاية القصيدة السابقة، حيث نجد صوت المؤسس الأول الإسكندر الأكبر حاضراً، الذي نسبت إليه الإسكندرية، فقد رحل الإسكندر وبقيت المدينة خالدة تواجه مصيرها وحدها ضد زمجرة الريح، وغضب أمواج البحر، كما يجنح الشاعر إلى استدعاء أصوات من التاريخ القديم كصوت الإسكندر الأكبر، فيتحول هذا الصوت إلى رمز تاريخي بالأساس، تتفجر من خلال استدعائه أصوات أخرى، وأساطير كثيرة، وصلت إلينا من خلال بطولات هذه الشخصية التاريخية، التي غزت العالم مؤثراً في تحولات العالم في الزمان والمكان، وكأن النص الشعري لدى القصاص يعبر عن لحظة التكوين الأولى في حياة الإسكندرية، فيذكر الفنار، والريح، الذئب، الأفق، واختفاء الإسكندر نفسه. في مواجهة المدينة الخالدة، التي شهدت الكثير من الصراعات والمعارك والغزاة الطامعين فيها للدخول إلى عرش مصر، فهي عاصمة مصر الأولى فى العصر البطلمي، وكانت مركزاً للإشعاع الحضاري والثقافي أيضاً قبل اختيار القاهرة عاصمة لمصر في عهد الفاطميين، ومن ثم فقد اتخذت الإسكندرية مكانتها في نفوس الشعراء والأدباء والفنانين منذ قديم الزمان. ويقول جمال القصاص أيضا عن تفاصيل الإسكندرية:

أفعال الصباح مضارعة

والإسكندرية تذهب في القطيفة

صيادون من "الأنفوشي" و"أبوقير"

و"المنشية"، صيدون في ملامحهم صدى

الأزمنة، يشمرون سواعد البحر، المراكب

الصغيرة ترفو ثقوب المياه، والسمك

يفتح باب الرزق
 

ارتكز الشاعر في المقطع السابق على سردي مكاني ممزوج بروح الشعرية، من خلال اكتنازه الشعري لمجموعة من الأحياء المهمة والقديمة، في تشكيل الوعي والوجدان لشعب الإسكندرية الطموح، فيصفها بأفعال المضارعة، التي تشي بالحضور والألق والبهاء المستمر، بحثاً عن اكتمال جمالها اليومي من خلال تفاصيل الأحياء، التي تضم المهمشين والعمال والصناع المهرة، والصيادين الذين يبحثون عن أرزقاهم في بطون البحر الأبيض. وقد استند الشاعر على وصف الأحياء المهمشة في الإسكندرية ممتزجة برموز تاريخية واسعة المدى، مثل حي الأنفوشي، المنشية بتاريخها السياسي، وأبي قير، وغيرها من الأحياء التي أشار إليها النص الشعري في كليته المكانية، معبراً عن آلام المدينة وطموحاتها، التي لا تنتهي وملامحها الخالدة، التي لم تتغير رغم التقلبات السياسية التي ألمت بها على مرِّ العصور.

إن ديوان الإسكندرية (رباعية شعرية)، عمل شعري خلاق للمعنى وفياض بالرموز الشعرية المكانية، والصوفية والتاريخية؛ لأن جمال القصاص شاعر وهب حياته للتأمل في أمكنة صنعت تاريخها الطويل بصمودها وقوتها، فقد شخصن الشاعر الأشياء والجمادات، مربكا إياها فقد صارت كائنات تنطق معلنة عن حضورها وفتنتها التاريخية الخالدة، وعليه فإن الشاعر جمال القصاص من شعرائنا العرب، الذين قد كتبوا قصيدة مكانية، كان المكان فيها بطلاً حاضراً بشخصه وصوته وملامحه، وقدمه في صور متنوعة، كي يبوح بتفاصيله وآلامه ووجوديته في الحياة.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها