الموروث الكنسي

د. محمد عبد الحميد خليفة *

Oct, 27 2017

ولما كنت من أولئك المتابعين لكثير من السرود العربية والمترجمة من الأجنبية، توقفت لدى رواية "عزازيل"، للكاتب الدكتور يوسف زيدان التي ظهرت أول مرة سنة 2008 لخصوصية أسلوبها، ولما أثارته حين نشرت من جدل واشكالات . فعن لي أن أعيد النظر فيها في ضوء روايات أخرى أجنبية أثارت هي الأخرى جدلاً مشابهاً . فتوقفت عند روايتين أوربيتين، مفترضاً أنهما تتصلان ورواية "عزازيل" بصلات فنية بنائية، وتتشابهان معها في المحتوى الموضوعي، وبالجملة تتناص رواية "عزازيل" معهما جميعاً بشكل أو بآخر . وهاتان الروايتان هما:

رواية "تاييس" للفرنسى"أناتول فرانس"، المتوفى سنة 1924، والتي نشرت لأول مرة بالفرنسية عام 1890 ، وقد قام بنقلها إلى العربية أحمد الصاوي محمد عام 1921، بدار الهلال .

رواية "اسم الوردة" للمبدع والناقد السيميائي الإيطالي المعاصر "أمبرتو إيكو"، التي ظهرت أول مرة 1980 بميلانو، وقد ترجمها إلى العربية أحمد الصمعي ونشرها بتونس 1991 .

وهناك روايات استعنت بها بهدف استجلاء صورة التأثر بين عزازيل من جهة، وتاييس واسم الوردة من جهة أخرى، ولأجل ضبط الرؤية المقارنة ؛ لأن هذه الروايات – الآتي ذكرها – تحمل هي الأخرى في كثير من مواضعها تشابهاً مع الروايات الثلاث – السابق ذكرها – وهو تشابه في المحتوى دون الشكل البنائي، وهذه الروايات هي :

أ – هيباشيا : للأديب والمؤرخ الإنجليزي : تشارلز كينجزلي المتوفى 1875، ونشرت لأول مرة بإنجلترا عام 1853  .

ب- روايتا : دان براون الأمريكي :"شيفرة دافنشى" الثى ظهرت لأول مرة بالعربية، بيروت  2004 . ورواية "ملائكة وشياطين" الثى نشرت أيضاً ببيروت لأول مرة 2005 . ولقد أثارت روايات دان براون عموماً، وشيفرة دافنشي على وجه الخصوص في أمريكا وأوروبا ما أثارته عزازيل في مصر من جدل وانتقادات من قِبَل المؤسسة الدينية المسيحية .

وقد كان المنهج التحليلي والمقارن أنسب في دراسة ظاهرة الموروث الكنسي بين الرواية العربية والغربية، فجاءت الدراسة في تمهيد خصصته لإلقاء الضوء على بعض الإشكاليات الثى تثيرها طبيعة الروايات – محل الدرس – كالنوع الأدبي الذى تنتمى إليه، والتماس الظاهر بينها وبين أشكال سردية مشابهة كالرواية التاريخية، ورواية السيرة، وأدب الاعتراف .

ثم كان المحور الأول من الدراسة مختصاً ببنية الشكل، فركزت فيه القول فيما افترضته من حيل فنية متشابهة انبنت عليها الروايات فاستحالت تقنيات فنية بنائية ثابتة كحيلة شكل الكتابة الاعترافية، ولعبة الشكل المخطوطى، وبنية العتبات . ثم بنية الفصول التى تشكل فى جملتها معمار الرواية وهندسة بنائها .

ثم كان المحور الثانى متجهاً إلى بنية الشخوص، وفيه حاولت رصد ما سميته تواطراً أو تشابهاً بين ثلاث شخصيات رئيسة تراتب وجودهم، وتشابهت وظائفهم وأدوارهم بين الروايات الثلاث إلى حد التطابق وهم : شخصية الراهب السارد، شخصية المرأة التى تمارس دورها فى غواية الراهب، وشخصية الشيطان المصاحب للراهب فى أثناء اعترافاته .

أما البنيتان الزمنية والمكانية فلقد توقفت عندهما لامتداد تشابه البنيتين فى هذه الروايات حيث اعتمدت جميعها على الحكى المستعاد القائم على تقنية الاسترجاع الزمنى، كذلك التشابه نفسه نجده فى وصف المكان إذ تواطر وصف أماكن بعينها كالصومعة داخل الدير، والدير من خارجه، إلى جانب بوابة المدينة التى يقع فيها الدير، وأثر هذه اللوحات الوصفية فى تبطئ سرعة السرد .

وأخيراً كانت لنا وقفة لدى المحور الأهم، إنه الحدث الروائى، وما يتصل به من محتوى موضوعى، فقد لاحظت أيضاً أن التشابه قد انتهي إلى أن هذه الروايات تحاول كشف لونين من الصراعات التاريخية التى تمثل جزءاً من موروث الكنيسة وهما الصراع العقدى الناشب حول طبيعة السيد المسيح، والصراع الفكرى بين الدين والعلم . إضافة إلى تجليات هذين الصراعين الدموية، كما تؤكد ذلك كتب التاريخ بوصفها حقائق مؤسفة تشكل جانباً كبيراً من موروث الكنيسة وتاريخها . وفى هذه القضية حاولت أن أوسع من دائرة المقارنة حيث استحضرت للتأكيد القضايا ذاتها كما سرد أحداثها دان براون فى بعض رواياته .

هذا، وينبغى لى هنا أن أعتذر من أمرين أولهما : من القصور والنقص الذى الذى لاشك أنه قد لحق بالدراسة بوصفها عملاً بشرياً منقوصاً والكمال لا يكون إلا لله وحده .

والثانى : من طول بعض النصوص المقتبسة من بعض الروايات، فلم يكن لى عن هذا بد، حتى أستطيع وضع النص كاملاً أمام القارئ بإزاء نص آخر يماثله وحتى تتضح أبعاد مواضع التشابه والتماثل .

والله أسأل أجر المجتهدين، إنه نعم المولى ونعم النصير ......         

التمهيد

1

منذ ظهور المسيحية، وعبر ما يناهز قروناً خمسة عشر ينشب دائما جدل حول بعض المقولات العقدية المسيحية، وسرعان ما تهدأ لتثور من جديد فى مرحلة أخرى لاحقة . وتاريخ الكنيسة – خاصة فى أوروبا – حافل بألوان شتى من هذا الجدل الذى ربما كان يصل أحياناً إلى درجة الصراع الذى كانت تطرحه طبيعة التطور الفكرى العقلانى، إضافة إلى أن تجليات الاشتباك بين الكنيسة / البابا، والسياسة / الإمبراطور قد ملأت مئات الصفحات من الكتب التى كانت تؤرخ للدين ورجاله من جهة، ولأوروبا فى عصورها الوسطى من جهة أخرى .

وقد ظلت تلكم الصراعات حبيسة عشرات من المخطوطات والوثائق التى لم يكن الاطلاع عليها متاحاً للكثير من المهتمين بتاريخ الكنيسة من جهة ،أو تاريخ اوروبا والتاريخ العام من جهة  أخرى . على أن الملاحظ أن كل تطور علمى – أو قل بصيغة أخرى – كلما تهيأ العالم فى أوروبا واندفع صوب العلمانية ومؤسسات الحكم المدنى اتسعت رقعة النفصال ما بين المؤسسة الدينية ممثلة فى الكنيسة، وبين العلم ممثلا فى المؤسسة المدنية، وقد اشتد هذا التيار مع ظهور الثورة الفرنسية 1789م وإعلاء مبادئ الحرية ،وظهور فلسفات متعاقبة تعلى من شأن الإنسان – محور الكون – حيناً، أو تطمس وجوده حيناً آخر .

2

ومع تطور طرائق التعبير الأدبية ظهرت كتابات تنحو نحواً أدبياً أو شعرياً أو روائياً أو مقالياً أو مسرحياً، اتخذت من الكنيسة : تاريخها، أو أحداثها، أو رجالها، أو طوائفها، موضوعاً مركزياً تسجل وجهات نظر كتابها التى قد تتفق أو تتعارض مع السائد، وقد تصل أحياناً فى تعارضاتها إلى حد الصدام المباشر مع الكنيسة وسلطتها الأمر الذى قد ينتهى إلى أحد أمرين بحسب الفكر السائد فى هذا العصر، فإما تحاكم الأعمال وأصحابها، وإما تجد هذه الأعمال الأدبية مناصرين لها من الأحرار والعقلانيين، وربما من الملحدين .

وعلى مدار التاريخ الحديث والمعاصر وتبعاً لما شهده القرنان الأخيران من تطور علمى تكنولوجى هائل، زادت موجات التحيز للعلم والانتصارات للعقلانية والتحررية،فى مقابل انحسار موجات التدين الأصولى والانتصار إلى القديم، غير أن موجات الأصولية كانت تعود أحياناً بعنف وضراوة وربما باندفاعية وهوس كرد فعل لتقدم موجات العقل والعلم التى كانت تحاول محاصرة الدين داخل دور العبادة وفصله عن الحياة واعتباره سلوكا فردياً وصلة خاصة بين الإنسان وربه. وهكذا تجلى من جديد الصراع أو قل الجدل القديم الحديث بين الدين والعلم. ولقد كسر بعض الكُتاب التابوه المقدس وأصبحت كل القضايا المسكوت عنها مطروحة على مائدة الحوار والمناقشة تحت دعاوى الحرية .

وعلى مستوى السرد شهدت العقود الخمسة الأخيرة تطوراً فى الكتابة الحكائية بظهور نظريات السردية الجديدة التى تناغم بعضها مع مقولات عصر ما بعد الحداثة  واستجابة بعض السرود الجديدة للفكر الليبرالى، المتحمس للعلم، ووقوفها فى مواجهة ما سماه الناقد الأوروبى ( فرانسوا ليوتار ) وغيره ب( السرديات الكبرى الحاكمة ) وذلك فى كتابه ( شرط ما بعد الحداثة ) () الذى ظهر فى عام 1979، فنحن إذن أمام لونين من السرديات، يختلفان من حيث التوجه الأيدلوجى، ومن حيث طبيعة الخطاب السردى ذاته بصفته بناءً خاص أو قل متناً حكائياً يتجلى فى مغزى حكائى له تقنياته الفنية – علماً بأن السرديات الجديدة التى تواجه السرديات الكبرى الحاكمة تتجه فى الأساس إلى مساءلتها مساءلة تتأسس على العقل والمنطق والتفكير الحر، إذن اتفق كل من الفيلسوفيين الغربيين ( فرانسوا ليوتار، ومايكل سيزر ) فى حوار بينهما حول"مصير السرديات الحاكمة الكبرى"ووضعها حسب المصطلح الذى صاغه ليوتار منذ كتابه المهم عن شرط ما بعد الحداثة فى المجتمعات "ما بعد الحداثية ": السرديات التى كانت تحكم "إيمانات البشر" وتصوراتهم عن الدين والأمة والمجتمع والطبقة والعلم والمعرفة .... ، وأن الحوار كان يدور حول ما إذا كانت تلك السرديات الكبرى قد تغيرت مصداقيتها لدى البشر وبدايات وجودها بحكم تطورها ذاته فى إطار المجتمعات "الما بعد صناعية /

الما بعد رأسمالية ......"حسبما أكد ليوتار، أم أن تلك السرديات تنبعث بقوة فى أشكال مغايرة من جديد، وتوضع مرة أخرى ومثلما كانت دائماً – موضع البحث والتساؤل الذى يدفعها إلى أن تتقولب فى صورة متجددة ستتشكل حسب كل سياق اجتماعى أو ثقافى أو معرفى حسبما رأى إيكو فى كتابه المؤسس عن "نظرية السيموطيقيا" ونشره فى عام 1979 قبل عام واحد من نشر اسم الوردة، وفى العام ذاته الذى شهد نشر كتاب ليوتار"شرط ما بعد الحداثة"() .

- والرواية التى نحن بصدد درسها هنا هى ضمن السرديات الجديدة التى ترد   على، أو تسائل، أو تحاكم السرديات الكبرى الحاكمة، تلك التى اكتسبت عبر التاريخ حصانة وسلطة تاريخية لما احتوت عليه من قداسة لها حراس يلوحون لمن تسول له نفسه بكسر ذلك التابوه بالمحاكمة والتكفير. يقول عبد الرحيم الكردى "ولعل أكثر النصوص التى اكتسبت قوتها من التاريخ هى النصوص التى تحتوى أفكاراً وقيماً دينية أو غيبية أو كانت شروحاً وتعليقات على كتابات دينية حتى اختلطت منابع السلطة الدينية فى كثير من النصوص بهذا النوع من السلطة  التاريخية"()

ويمثل هذا الحراك الذى أشرنا إليه بين كلا النوعين من السرديات مسلكاً خاصاً فى البحث عن الحقيقة، الدين من جهة، والعلم والفلسفة والفن من جهة أخرى، كلٌ يبحث عن الحقيقة بأسلوبه الخاص()

وإذا كانت الرواية فناً أدبياً يتأبى على الجمود والسكونية ويستجيب للدينامية والتطور ويستوعب شتى الفنون، فإنا رأينا اهتمام هذا الفن لدى بعض الكتاب بقضية الموروث الكنسى، وكان ذلك فى أوروبا، غير أنه بفضل التأثير والتأثر وجدنا أصداء لهذه التيمة الروائية فى أدبنا العربى . وقد لا تتأثر الروايات فى مضامينها بعضها ببعض مهما تشابهت بل "تنبعث معاًعن حركة فكرية واحدة"()، فحركة الفكر الليبرالى التحررى التى يشهدها العالم الآن ربما تكون ـ عندي ـ هى الدافع الأول للكتابة الروائية التى تتناول الكنيسة وتاريخها،

3

والدراسات المقارنة وإن كانت أحد إنتاجات المنجز الثقافى العالمى فإنها طرحت مدارس للأدب المقارن تتيح جميعها النظرة الشمولية المتحررة من ضيق الزمان والمكان لتلقى بأضواء كاشفة على أسباب النجاح الذى يحققه أدب ما. كما تغير المناقشة المتجددة حول قضايانا مثل التلقى الأدبى، والخاص المشترك، والأصيل والزائف، والعالمى والمحلى . ومن الثابت أنه قد تعددت بحوث الأدب المقارن، وطرحت مجالات وحقولاً تصلح للدرس المقارن بين أدبين، يمكن إجمالها فى() : دراسة الأجناس الأدبية كالقصة، كما تهتم بدرس المواقف الأدبية العامة والخاصة، والنماذج البشرية المختلفة، كما تهتم بتأثير كتاب أدب ما من الآداب فى الآداب الأخرى، كما تهتم بدراسة المصادر بأنواعها لكل أدب، إلى جانب دراسة المذاهب الأدبية العامة، وتصوير الآداب القومية للبلاد والشعوب الأجنبية عنها ............ إلخ .

وقد كشفت الدراسة العلمية الوصفية للأجناس الأدبية "عن قيام صلات أدبية دولية لها أثرها وخطرها"()، وتعد القصة من وجهة النظر المقارنة أهم جنس أدبى نثرى لما يفتحه من ابواب تتسع للدراسة المقارنة، لذلك كله فإن بحثنا يحاول كشف الفروق المختلفة التى عولج بها موضوع الموروث الكنسى فى الرواية، أعنى شتى البنى والتقنيات الفنية التى توسل بها الروائيون وحاولوا  توظيفها، وفى ذات الوقت فإن البحث يحاول أيضاً أن يرصد حركة الأخذ والعطاء بين الأدبين الغربى والعربى، محاولاً تسجيل مواضع الاتفاق والاختلاف بينها، ومن ثم الرسالة التى حاول كل مؤلف أن يمررها ويبثها للقارئ صريحة كانت أم مشفرة .

4

بقي لنا من جملة القضايا النظرية التى نعنى بها في هذا التمهيد قضية فض الاشتباك بين هذه الروايات ونوعها الادبى التي تنتمي اليه ،اذ رائها البعض روايات تاريخية ، ورائها اخرون اقرب الي فن السيرة، في الوقت الذى وصفها البعض بأنها تدخل ضمن ما يسمي أدب الاعتراف .فما علاقة نصوصنا السرديةـ مجال البحث التطبيقي ـ بهذه الانواع الأدبية؟،وما أهم أوجه التعالق أو التداخل بينها؟

أ  ـ واذا كان موضوع الموروث الكنسى بما يحتويه من قضايا كالصراع بين الدين   والسياسة، أو الدين والعلم، أو قضايا أخرى متصلة بالعقيدة وطبيعة السيد المسيح واللاهوت والناسوت قضايا سجلتها كتب التاريخ، وإذا كانت أيضاً الأحداث التى تعاورتها الروايات محل الدرس كلها أحداث وقضايا سجلتها كتب التاريخ بوصفها أحداثاً تاريخية، فإن تناول الرواية لهذه القضايا والأحداث يردنا إلى جدل الأدب والتاريخ والرواية التاريخية، والمتخيل والحقيقى إلى آخر تلكم الإشكاليات التى أفرد لها كثيرون صفحات من كتبهم، حين تساءلوا عن جنس هذه الأدبيات : هل هى سرد للتاريخ ؟، أم رواية تاريخية ؟، أم تاريخ مدون من منطلق ذاتى ؟، أم أدب مكتوب من منظور موضوعى ؟، أم تاريخ خالص ؟، أم أدب محض ؟، ........ إلى آخر التساؤلات المطروحة .

وخروجاً من هذا الجدل الثائر فإن بحثنا يتناول هذه الروايات بوصفها روايات، أى روايات لا تسعى إلى تقديم محتوى معرفى بقدر ما تسعى إلى تقديم نص جمالى، لا تهتم بمتن وقوع الأحداث بقدر ماتهتم بالمبنى الحكائى الذى قُدمت به الأحداث – بتعبير  تودوروف – .

وإذا كنا قد عبرنا الجدل حول الأدب والتاريخ، وانطلقنا فى الدراسة على أساس ثابت بأن ما نتعرض له من أعمال هى روايات، فإن هناك جدلاً آخر لا نستطيع تجاوزه وعبوره بل ينبغى علينا التوقف لفض إشكاليته، إنها إشكالية فجرتها هذه الروايات بوصفها جنساً أدبياً يأخذ شكلاً سردياً يتقاطع مع فنيين سرديين – ليسا بعيدين عن جنس الرواية المعروف والمتداول – إنهما أدب السيرة، و أدب الإعتراف، ذلك أن الروايات التى نتعرض لها يتنازعها اللونان، فهى روايات تحكى من جهة سيرة أحد الرهبان الذاتية وما تعرض له فى أثناء حياته منذ أن عُمد راهباً، وشتى الأحداث التى عاناها أو عايشها و أراد تسجيلها، إلى جانب رصده أهم الأحداث التاريخية و الكنسية التى كان لها تأثيرها فى حياة الكنيسة ووجودها . وهى من جهة أخرى روايات يقدمها لنا مؤلفوها على لسان ذات السارد / الراهب يمارس فيها اعترافاته – بوصف الإعتراف طقساً دينيا للتطهر من الخطايا فى الفكر المسيحى – وهذا اللون قد اصطلح البعض على تسميته بأدب الإعتراف .

ب ـ أما فن السيرة فهو فن متأصل فى تاريخنا الأدبى العالمى العربى والغربى على السواء، غير أنه شهد عند الغربيين تطوراً متنوعاً، إلى درجة أنه قد وقع تداخل بين أشكال مختلفة تتقارب مع فن الترجمة أو السيرة الذاتية أو الخيرية، الأمر الذى جعل أحد منظرى الأدب الغربى يحاول وضع ميثاق لفن السيرة، إذ وضع له حدوداً أربعة، وعرف بالميثاق الأوتوبيوغرافى لواضعه "فيليب لوجون"، فأهم شرطين وضعهما "لوجون" لفن السيرة هما : ( وضعية المؤلف : تطابق المؤلف والسارد، وضعية السارد : تطابق السارد والشخصية الرئيسية ) () .

وقياساً على ما سبق فإن روايتى عزازيل، واسم الوردة، لا تدخلان ضمن فن السيرة، ذلك لأن هناك مؤلفاً لا يطابق السارد بأى حال من الأحوال، فالمؤلفان معاصران، بينما نجد الساردين ينتميان إلى عصور قديمة. تفصل عقود زمنية ممتددة بين المؤلفين والساردين . أما  "جينيت" فيميز بين نوعين من الرواية :"رواية لا يوجد الراوى فى القصة التى تحكيها باعتباره أحد شخصيتها ومثالها إلياذة هوميروس، وراوية يوجد الراوى فى القصة التى تحكيها باعتباره أحد الشخصيات . أما النمط الأول فيطلق عليه جينيت مصطلح heterodiegetic وأما الثانى فيسميه homodiegetic ثم إنه يميز داخل النمط الثانى بين شيئين : كون الراوى هو بطل الراوية، أو كونه ليس له دور فيها دورآ سطحيآ أو ثانويآ هو دور المراقب أو المشاهد أو المتفرج على الأحداث لاغير، دون مشاركة فيها، والأول من هذين هو ما يطلق عليه لفظ autoiegetic وهو كون الراوى بطل روايته أو النجم الذى تدور حوله الأحداث . وقد يتغير الضمير النحوى ويدل على الشخصية نفسها، يتغير من"أنا"إلى"هو"وكأنه يتخلى - على غير توقع – عن دور الراوى ."()

ويضيف ( جينيت ) عن وظائف الراوى بأن "للراوى فى الأعمال الروائية خمس وظائف تتحدد بالجوانب المختلفة، وهى القصة والراوية والقص. فالوظفية المتصلة بالقصة يسميها جينيت بالوظيفة الروائية، وهى التى إذا انصرف عنها الراوى خسر _ فى اللحظة نفسها _ وظيفته كراو، ودوره إنما يتحدد بها . أما الوظيفة المتصلة بالنص الروائى فتسمى بوظيفة التوجيه، وتتصل بالإشارات التى فى النص الروائى عن النص نفسه كنوع من التوجيه يبرز تنظيمه الداخلى مما يطلق عليه حينئذ لفظ metanarrative أى نص فى الرواية يشرح العمل الروائى قياسآ على metalinguistics الذى يستعمله ياكوبسون، وأما الوظيفة الثالثة وهى المتصلة بالقص فتسمى بوظيفة التواصل . وأهميتها ظاهرة فى الرواية الرسائلية وطرفاها هما المروى عليه والراوى، وهذه الوظيفة تنصب فى اهتمام الراوى بتأسيس صلة ما أو حوار مع المروى عليه، وهى تذكرنا بما أشار إليه ياكوبسون فى كلامه عن وظائف اللغة بالوظيفتين اللتين سماهما phatic function ( وهى التى أساسها تبادل المشاعر وخلق جو اجتماعى أكثر من أن يكون الغرض نقل معلومات إلى الآخر ) والتأثير على المتلقى conative function . . والوظيفة الرابعة تتصل بما يمارسه الراوى على نفسه من توجيه . وقد يتخذ ذلك شكل التوثيق، وذلك حين يشير إلى المصدر معلوماته أو إلى مدى دقة ذاكرته أو إلى مشاعره التى تستثيرها حادثة بعينها . ويسمى جينيت هذه الوظيفة بوظيفة التوثيق function of attestation أو قد يسميها testimonial function وهى خاصة بدور الراوى فى القصة التى يحكيها وعلاقته بها، وهى علاقة عاطفية بالطبع لكنها كذلك نفسية وعقلية .. ثم إن تدخل الراوى فى القصة قد يأخذ شكلآ وعظيآ تعليميآ، عن طريق التعليقات ذات الصبغة المرجعية على الأحداث . وهذه هى الوظيفة الأيديولوجية للراوى ... ونبغى القول بأن "هذه الوظائف لا يوجد بعضها منفصلآ عن بعض ولا يوجد أى منها بريئآ من سائرها ."()

 والقارئ للروايتين عزازيل، واسم الوردة يستشعر ما قاله "جينيت" خاصة عن وظيفتى التواصل والتوجيه أو التوثيق، فالروايتان توثقان أحداثاً تاريخية خاصة بتاريخ الكنيسة عبر بوح حكائى يحقق التواصل بين الراوى / الراهب، والمروى له / القارئ، كما نستطيع أيضاً أن نلتمس الوظيفة الأيدولوجية من خلال استشفافنا الرسالة التى يحاول المؤلف – هذه المرة لا السارد – تمريرها عبر الرواية إلى القارئ المعاصر حينما يتعرض كل منهما إلى مراحل فى تاريخ الكنيسة تسلطت فيها بعض الجماعات المسيحية المتشددة التى كانت تتخذ من الإرهاب والعنف سبيلاً للقمع ولإخراص الآخر العقلانى واتهامه بالهرطقة، إن خاض فى أسرار كنسية ليس من حقه الخوض فيها، حيث يحاول المؤلف إسقاط هذا على نمو بعض الجماعات المتشددة المعاصرة التى تتخذ العنف سبيلاً فيما يسمى الآن أو يجتاح العالم الآن من إرهاب دينى على المستويين الأوروبى المسيحى والعربى الإسلامى، كما سوف يأتى تفصيله فيما بعد . كما تجدر الإشارة إلى أن رواية ( تاييس ) تختلف عن الروايتين السابقتين من حيث تطابق المؤلف مع السارد، الذى هو من نوع السارد العليم الذى يتحدث بضمير الغائب لا المتكلم ليحقق وظيفة القص . هذا عن علاقة الروايات بفن السيرة .

ج ـ أما علاقتها النوعية بأدب الإعتراف، فعلينا أولاً أن نشير لنؤكد أنه قد ظهر أدب الإعتراف من رحم فن السيرة، كما يؤكد ذلك د. شوقى ضيف مضيفاً أن أدب الاعتراف قد مر بمراحل، نضج فيها وتطور()، كما يؤكد على ذلك د.إحسان عباس تفصيلاً فى قوله "وفى السيرة الذاتية بالغرب معالم كبيرة كان لكل معلم منها أثره فى كتابة السيرة الذاتية وطريقتها، وفى طليعة تلك السير ( اعترافات القديس أوغسطين ) فإنها فتحت أمام الكتاب مجالاً جديدا من الصراحة الإعترافية، وشجعت الميل إلى تعرية النفس فى حالات كثيرة تلتبس بالآثام، أو يثقل فيها عناء الضمير . ثم هنالك ( اعترافات روسو ) وقد خطت بالصراحة المكشوفة خطوة جديدة، وكان صاحبها حين بدأ كتابتها يشعر أنه يقوم بعمل لم يسبقه إليه أحد، ولن يوجد من يقدر على محاكاته فيه، وقد عنى روسو فيها عناية فائقة بالصراع الداخلى، دون تفلسف كثير حول ذلك الصراع، فجاءت اعترافاته مثلاً ساطعاً على نقلها الواقعى للحياة ."() .مع ملاحظة إسهام مارسيل بروست فى رواياته فى هذا المجال الذى تتحلل فيه الشخصية، ويعد الراوى نجم الحكى ومركزه (). واستمرت العناية بهذا الشكل الأدبى حتى أصبح شكلاً له خصوصيته() .

واستقل أدب الاعتراف فناً بذاته، ومصطلحاً يشير إلى ذلك"النوع من الترجمه الذاتيه التى يروي فيها المؤلف مواقف نفسيه اوعاطفيه لايعترف بها واضعو الترجمه الذاتيه عاده" ()، ويؤكد لطيف زيتونى على ما يمتاز به هذا الفن من بعد دينى، فيقول "فهى كتاب يروي فيه صاحبه حياته الحميمه ليبين عظمة الخالق ويساعد على خلاص الآخرين"()  .    

  وهذا ما نؤكد عليه بدورنا، إذ أن روايات : عزازيل من جهة، وتاييس، واسم الوردة من جهة   أخرى تكشف عن نص روائى يمارس فيه السارد / الراهب إعترافاته، مما يردنا إلى أن أدب  الإعتراف فى ذاته هو طقس دينى مسيحى وسر من أسرار الكنيسة الثمانية الشهيرة وهى : سر التوبة والإعتراف، وسر المعمودية والميرون والقربان، وسر مسحة المرضى والزواج، وسر الكهنوت .  جاء في سفر الامثال من العهد القديم "من يكتم خطاياه لا ينجح ومن يقر بها ويتركها يرحم"() ، فاللكنيسه اذااسرار منها سر التوبه والاعتراف . وبقيه الاسرار هى سر المعموديه والميرون والقربان وسر مسحة المرضى والزواج وسر الكهنوت، وهذا ما يؤكده ميشيل فوكو، إذ هو عنده يمثل"حديثاً طقسياً,يكشف عن علاقة المعترف بسلطة تحاوره,وتمارس نفوذها عليه"()    

وبغض النظر عن الدافع النفسى الذى يقف قانونا يتحكم فى نفسية المعترف()  كقانون التداعى فإن لممارسة طقس الإعتراف ذاته أهمية أخرى سيكولوجية إيجابية تعيد للنفس توازنها        "تستعاد وتقرأ، وتوضح موقف الفرد من المجتمع، كما تمنحه الفرصة لإبراز مقدرة فنية قصصية إلى حد كبير، وتريحه نفسياً لأنها تستند إلى الإعتراف ؛ فإن كان يشعر باضطهاد المجتمع له كما شعر روسو، تخفف من هذا الشعور، وإذا أحس بوقع ذنوبه وآثامه، أراح ضميره بالتحدث عنها، وقمع نفسه بالإعلان عن سيئاتها، ووقف منها موقف المتهم والقاضى معاً وإذا خرج سالماً من لجة الصراع الروحى والنفسى والفكرى إلى ساحل من الطمأنينة، رسم صورة لذلك الصراع، وأنهى قصته بالهدوء الذى يسبق العاصفة، والإستبشار الذى يأتى بعد اليأس ."()  

من هنا غدا الإعتراف فى النص السردى تقنية فنية، وعن تقنية  الاعتراف يري جوجيل ان الاعتراف(يغدو الاعتراف تقنية لها طقوسها الخاصه لانتاج الحقيقه) () ،

هكذا أثارت الروايات الثلاث ( عزازيل، تاييس، اسم الوردة ) إشكالية التقاطع مع الرواية التاريخية من جهة،ورواية السيرة وادب الاعتراف من جهة أخرى، غير أننا حينما نؤكد أنها روايات فإننا ننطلق من هذا على أسس منها :

أن كاتبيها قد حرصوا على أن يضيفوا كلمة ( رواية ) فى عتبة الغلاف الأولى .

أنها وإن كانت تسرد بعض الوقائع التاريخية الحقيقية فإنها تخلط ذلك بآخر متخيل .

أن كل كاتب قد تصرف فى وقائع الحكاية التاريخية بالشكل الذى يراه مناسبا لتقديم خطاب سردى روائى فى الأساس .


اولا:بنية الشكل الروائى / البنية الاعترافية:

في ضوء كل ما سبق ،واتصالا بما ذكرناه منذ سطور يمكننا أن نبدأ دراستنا عن أولي البنى الشكلية التي انتظمت رواياتنا ،أو اتفقت فيها . فاتكاء المؤلف على الشكل الاعترافى / السردى ما كان فى ظنى ـ كما قال ميشيل فوكو،واحسان عباس ،وجوجل من قبل ـ إلا تقنية فنية، ولعبة جمالية خالصة قاعدتها استعمال ضمير المتكلم، يقول أحد الباحثين"إن استعمال ضمير المتكلم إنما كان اختياراً جمالياً واعياً، وليس دليلآ على أن الكاتب كان يعتبر قصته نوعآ من الاعتراف أوالسيرة الذاتية ."()

وما أود الخلوص إليه من وراء هذا الجدل النظرى أن الروايات التى أخذت شكلاً اعترافيا كانت نتاجاً فنياً لما مارسه كل من :القديس أوغسطين،وجان جاك روسو فى اعترافهما العالميين المشهورين () ، باعتبار ما فعلاه كان لوناً جديداً وجريئاً من الكتابة الشخصية المؤسسة على الكشف والصراحة، واعتباره بمثابة حركة فكرية ملهمة لمن يكتب بعدهما، فأما القديس أوغسطنيوس، فيصوره مترجم اعترافاته بقوله"أى إنسان بلغ من الصدق فى الإقرار بذنبه ما بلغه أوغسطينوس وأى إنسان لم يخف فى إقراره بالواقع المزرى عيباً خجل منه، أما أوغسطينوس فقد حطم قيود الحياء البشرى، وسحق الكبرياء، وقضى فى ذاته على الأنانية التى تستعبد معظم الناس !، إنه لم يكن خاطئاً أقرب إلى الناس منه تائباً"()، أما روسو فلعل اعترافاته كانت أكثر تأثيراً فيمن جاء بعده، فقد سجل روسو فى كتابه – وكما يقول مترجم الكتاب –"أدق أحداث حياته – خيرها وشرها – طيبها وخبيثها – دون أن يحفل من مواجهة الحقيقة، وكأنه مؤمن صادق التوبة يصارح إلهه بأخطائه برهاناً على صدق توبته وألتماسا لصفحه ."()

ولقد تلقف – فى ظنى – الروائيون هذين العملين المشهورين، وجعلوا من الاعتراف تقنية، أو شكلاً يصلح لنسج سردى مائز، ثم تأثر فى مرحلة لاحقة الروائيون بعضهم ببعض من هذا الشكل السردى الجديد . ولعل هذا هو ما قصده د. محمد غنيمى هلال، حينما أكد أنه من ضمن بحوث الأدب المقارن صدور موضوعات متشابهة فى الروايات عن حركة فكرية واحدة () .

        ففى رواية عزازيل يتحدث السارد / الراهب ( هيبا ) عما يشرع فى نقشه على الرقوق واصفاً   مشروعه السردى بالاعتراف فيقول"الاعتراف طقس بديع،يطهرنا من خطايانا كلها،ويغسل قلوبنا بماء الرحمة الربانية السارية فى الكون. سأعترف إلى هذه الرقوق،ولن أخفى سرا، لعلنى من بعد ذلك أنجو"()، ثم إنه يصف ذات المشروع نفسه بالسيرة، محاولاً – أى المؤلف – إيهامنا بواقعية ما يكتبه

أو ما يقدمه للقارئ حينما يحدد على لسان السارد تاريخ تسجيل هذه السيرة الإعترافية، يقول هيبا"بسم الإله المتعالى أبدأ فى كتابة ما كان وما هو كائن من سيرتى،واصفا ما يجرى من حولى وما يضطرم بداخلى من أهوال. وأول تدوينى هذا،الذى لا أعرف كيف ومتى سيكون منتهاه،هو ليلة السابع والعشرين من شهر توت (أيلول،سبتمبر) سنة 147 للشهداء،الموافقه لسنة 431 لميلاد يسوع المسيح. وهى السنة المشؤومة التى حرم فيها وعزل،الأسقف المبجل نسطور،واهتزت أركان الديانة. وقد أحكى ما جرى بينى وبين مرتا الجميلة من غوايات وعذابات،وما كان من أمر عزازيل المراوغ اللعين،وأقص بعضا مما وقع مع رئيس هذا الدير الذى أسكن فيه ولا أجد السكينة. وسوف أروى بين الثنايا،حكايا عايشتها منذ خروجى من بلادى الأولى الواقعة بأطراف بلدة أسوان جنوب مصر"().

ويستمر المؤلف فى إضافة لعبة فنية أخرى حينما يخلق شخصية مساعدة تدفع البطل لممارسة طقس اعترافه، إنها شخصية تعد بمثابة الحافز على اندفاع الراهب فى تسجيل مشاهداته، إنها شخصية

( عزازيل )، إبليس الذى يجسد صوت النفس الخاطئة أو الأنا الأخرى للراهب، يقول هيبا"ارحمنى يا رحيم، فإننى مشفق مما أنا مقبل عليه، ولكننى مضطر.فأنت تعلم، فى سماواتك البعيدة، كيف يحوطنى إلحاح عدوى وعدوك اللعين عزازيل الذى لا يكف عن مطالبتى بتدوين كل ما رأيته فى حياتى .. وما قيمة حياتى أصلا، حتى أدون ما رأيته فيها ؟ فأنقذنى يا إلهى الرحيم من وسوسته لى، ومن طغيان نفسى. إننى يا إلهى، لازلت أنتظر منك إشارات لم تأت . وقد استبطأت عفوك، ولكننى إلى الآن ما شككت. فإن شئت يا صاحب العزة السماوية والمجد الذى فى الأعالى، أن تدركنى بإشارة منك، فإننى مستقبل أمرك ومطيع . ولو تركتنى لنفسى، أضيع .. فقد صارت نفسى معلقة من أطرافها، تتنازعها غوايات عزازيل اللعين، ونكايات أشواقى بعد ابتعاد مرتا التى انقلبت معها دولة باطنى " () .  

        على الجانب الآخر نجد تشابهاً قد يصل أحياناً إلى حد التطابق فى الرواية الفرنسية ( تاييس )، إذ تحكى سيرة الراهب"بافنوس"الذى يسجل اعترافاته طلباً سكينة نفسه، ينصحه المقربون له بتسجيل ذلك مع ملاحظة اختلاف لعبة الضمير، إذ يتم الحكى الإعترافى بضمير الغائب أى السارد العليم بتجربة الراهب بافنوس، يقول"فلماذا لا تدون يا أخى بافنوس تعاليم أبوينا بولس وانطوان ؟ بهذه الاعمال الدينية، تسترد شيئا فشيئا سكين النفس وهدوء الحواس، وستطيب لك الوحدة مرة أخرى فلا تلبث أن تصير فى حالة فكرية تمكنك من العودة الى أعمال الزهد التى كنت تؤديها قبلما تعطلها رحلتك"().

كذلك الأمر نجده فى شخصية أبليس الذى يحاول مصادقة  الراهب بافنوس، وحثه على الاعتراف للتطهر من خطاياه وتسجيل مشاهداته، يقول"فرسم بافنوس علامة الصليب فاختفى الحيوان، وهنالك علم بان الشيطان قد دخل حجرته للمرة الاولى، فصلى صلاة قصيرة ثم عاد ففكر فى تاييس"()، ويقول أيضا"ثم وازن زراعيه الممتدين، فكانا كجناحى طائر مريض عاريتين من الريش، وأوشك أن يقذف بنفسه، فرنت فى أذنيه قهقهة استهزاء مرعبة، فسأل وقد أرهقه الجزع :

من ذا الذى يضحكك هكذا ؟ ......

         فعوى الصوت يقول :

آه ! آه ! انا لا نزال فى بدء صداقتنا وسوف تتقوى يوما اصرة المحبة بيننا فتعرفنى جيدا، هو انا يا عزيزى الذى جعلك تصعد الى هنا، ويحق لى أن أبدى سرورى باذعانك الذى أتممت به جميع رغباتى، فأنا مسرور منك يا بافنوس . ( () .

    ونستمر فى أوروبا وتحديداً فى إيطاليا لننتقل إلى رواية "اسم الوردة "، فنجد ذات اللعبة الاعترافية تمثل نسيج الرواية وجسدها السردى، على لسان راهب يحكى مشاهداته، ويمارس من خلال ذلك طقساً اعترافياً يحاول التطهر من خلاله من آثامه وغواياته، إنه الراهب"أديسو"الذى قرر وهوعلى عتبات عمره الأخيرة أن يكتب اعترافاته ومشاهداته حينما كان راهباً شاباً بصحبة"غليالمو"منذ سنوات بأحد الأديرة الإيطالية وهو"دير مالك".

تضمنت اعترافات "أديسو" ما تضمنته اعترافات "هيبا " فى "عزازيل"، و"بافنوس"فى"تاييس "من الخطين الحكائيين المتوازيين : خط الاعتراف بالخطيئة والإثم لأجل التطهر، وخط السرد التاريخى لأحداث الكنيسة، وما كان يعتمل داخلها من صراعات عقدية عصفت بأمنها واستقرارها .

وراهبنا "أديسو" فى "اسم الوردة "يشرع فى كتابة هذه الاعترافات فى نهاية حياته بعدما أضحى شيخاً هرماً، يقول وهو يتهيأ لخط هذه الاعترافات "الآن وقد أشرفت حياتى الآثمة على نهايتها وصرت شيخآ هرمآ مثل هذا العالم أنتظر أن أغيب فى فضاء الألوهية اللآمتناهى والصامت لأتحول إلى نور يستمد نوره من نور الملائكة - يشدنى جسمى المثقل والمريض إلى هذه الحجرة من دير"مالك" العزيز، ها أنا أتهيأ لأن أترك على هذا الرق بينة على الأحداث المدهشة والرهيبة التى عشتها وأنا شاب، معيدأ بالحرف والكلمة ماشاهدت وماسمعت،دون المجازفة بأى حكم أو استنتاج، كمن يترك للقادمين ( إن لم يسبقهم المسيح الدجال) دلالات كى تتمرس عليها عبادة فك الرموز"()، والهدف من اعترافاته هو تكفير ذنبه ليتطهر، وإعطاء العبرة والعظة لقارئه، يقول "لأننى لو أغمضت عينى لأمكننى أن أقص لها فقط كل مافعلته ولكن كل الأفكار التى جالت بخاطرى فى تلك اللحظات، كما لو كنت أنسخ رقا حرر فى ذلك العهد . ينبغى إذن أن أتابع على هذا النحو، وليحفظنى ميخائيل ملك الملائكة . لأننى قصد إعطاء العبرة للقراء الآتين وتكفير ذنبى، أريد الآن أن أقص كيف يمكن أن يسقط شاب فى مكائد الشيطان، حتى تصبح هذه واضحة بينة، فيمكن لمن يسقط ضحيتها أن يهزمها "()، ويصرح فى موضع آخر قائلاً " يجب أن أفضى لقارئى باعتراف " ()  . وحضور الشيطان الذى يخايل الراهب فى أثناء كتابته الاعتراف ماثل هنا أيضاً كما مَثُلَ من قبل فى عزازيل وتاييس، إذ نجد نفس التيمة، فإبليس – كما رأيناه فى عزازيل – يتجلى حضوره الأول لدى الراهب حيث يتهيأ للأخير أنه يسمع صوتاً أو يرى شبحاً يحثه على الكتابة والاعتراف، يقول أديسو"وبدا لى أننى سمعت ( أم سمعت  حقاً ) ذلك الصوت، وشاهدت تلك الرؤى التى صاحبت طفولتى وأنا مبتدئ، وقراءاتى الأولى للكتب المقدسة وليالى التأمل فى دير مالك، وإذ خارت قواى الضعيفة جدا والمنهكة سمعت صوتاً قوياً وكأنه صوت نفير يقول"اكتب ما ترى فى كتاب""و هذا ما أفعله الآن""() .

ثانياً : بنية الشكل الروائى ( بنية العتبات ) :

معمار الرواية، وهندسة بنائها تعد من أهم خصائص الدرس النقدى لأية رواية، إذ أنها تكشف عن الصورة الأخيرة التى أرادها المؤلف لجملة المحكى الروائى، وطرائق ترتيبه ؛ ما بين ترتيب زمنى وإدارة للسرد وعناصر البناء القصصى، فالشكل النهائى لأى عمل روائى شكل مقصود يسعى الكاتب إليه بتقنيات شتى ابتداء من كلمة البداية فيما عرف بعتبات النص، وانتهاء بجملة النهاية وفضائها الدلالى . ولذا تعددت الأشكال الروائية بحسب طرق بنائها، فهناك العمل الروائى الذى يحكى حكياً طولياً خطى الزمن، وهناك من يعكس حكيه بحيث يكون حكياً استعادياً أو مسترجعاً، وهناك من يبدأ بلحظة زمنية راهنة يتحرك منها إلى الوراء و إلى الأمام، محدثاً خلخلة فى البناء الزمنى، أو هناك من ينطلق من مكان ما ليجعله بؤرة الأحداث، إلى آخر الطرائق السردية التى تكسب الرواية شكلاً مائزاً .

وإذا كان الراوى أهم اكتشاف روائى للمؤلف يحمله مايريد من رسالة سردية فى إطار خطاب سردى مثلث الأبعاد ( سارد – سرد – مسرود له ) فإن المسافة بين ذلك السارد والمؤلف من جهة، ثم بينه وبين شخوص الرواية وأبطالها من جهة أخرى، هذه المسافة تسهم بشكل رئيسى فى منح شكل الرواية ونوعها من بين عديد من الأنواع الروائية، لذلك فإن لدينا أنواعاً شتى لسرود يكون للراوى دور مركزى فى التمييز بينها كرواية السيرة ورواية الشخصية وأدب المذكرات أو أدب الاعترافات أو السيرة الأدبية ...... إلخ ،علي النحو الذي بيناه من قبل بالتمهيد .

وللمؤلف الحرية التامة فى تخطيط عمله، وتحديد شكله النهائى، لذا فقد يخترع لنا لعبة فنية أو مجموعة من الألعاب يرى أنها تسهم فى الإيهام بواقعية عمله، فهذا الإيهام التخييلى الذى يأنس له القارئ غالباً ما يكون مقصوداً لذاته، وغالباً ما يُحمل المؤلف عتبات نصه الروائى مجموعة من الألعاب الفنية بقصد توظيفها لصالح خطابه السردى، ولم لا، ألم يهتم نقادنا بقضية العتبات ويلفتوا إليها خاصة فى الرواية الجديدة ؟، يقول أحدهم عن أهم ثلاث عتبات وما تفتحه للقارئ الناقد من آفاق فهم النص"العنوان، الخطاب المقدماتي والبداية ... هى البهو الذي ندلف منه إلى بنيات مغلقة فى النص، ولكنها ثرية تساهم في دعم المقاربة النقدية وفهم التشكلات النصية"() .

غير أن مايهمنا فى هذا السياق العتبة الثانية التى أشار إليها الناقد بأنها"الخطاب المقدماتى"، إضافة إلى"البداية"، إذ استحالت هاتان العتبتان فى أهم روايتين من الروايات التى نعرض لها لعبة فنية استثمرها المؤلفان للإيهام بحقيقة الحكاية القصصية ،فالخطاب المقدماتى – وكما يقول ناقدنا –"يسعى إلى تكييف أفق انتظار القارىء وتغذيته، وإيجاد ملامح فهم ما للنص . وإذا كان هذا الخطاب مسألة ضرورية في مرحلة التأسيس، فهو اليوم وثيقة، ليس على الجنس فحسب، وإنما على الوعي النقدي وحمولاته المعرفية عند الروائي، باعتباره مرآة كاشفة للتحولات في فهم الرواية ... كتابة وتنظيراً ."()

ولقد حذرالناقد "جينيت"مما سماه "النصوص المحاذية" التى تعد بمثابة – وبنص تعبيره - لعبة فنية  داخل عتبات النص الأولى، وقد نبه بذلك قارئ أى رواية "الذى اطمأن إلى نتيجة القراءة الطولية الأولية بدون أن ينتبه إلى ما يمكن أن تنطوى عليه تلك العتبات من مفارقات ومن ألاعيب فنية، قد تؤدى إلى تضليله وخداعه بدل من أن تشكل بالنسبة إليه مداخل طبيعية لفهم النص، وبوابات رئيسية للدخول فى عالمه، فويح من لا يحذر المعنى الظاهر للعتبات ويخفف من يقظته ولا يظل على احتراسه . ذلك أن العلامة مضللة لأن بوسعها أن تكون موضوعاً لعملية خداع منظمة تخدم غرضاً يكون المتلقى عاجزا عن إدراكه للوهلة الأولى بقراءته البسيطة والسطحية"()

وهكذا قد يستحيل الخطاب السردى الحديث خطاباً مفخخاً ببعض الحيل الفنية المضللة التى تستوجب من القارئ اليقظة والحذر من الوقوع فى الشراك الفنى الذى قد ينصبه له المؤلف .

لعبة المخطوط :

لقد كانت لعبة المخطوط أحدى أهم التقنيات الفنية التى ترتكز عليها أهم روايتين من الروايات محل التطبيق والدرس المقارن، إذ أول ما يلفت القارئ فيهما أن مؤلفيهما يوهماننا بالبعد الواقعى لأحداث الروايتين وبطليهما، فيدعى المؤلف ادعاء يمثل العتبة الأولى لروايته بأن أحداث الروايتين قد وجدت بمحض الصدفة مكتوبة فى مخطوط يكشف نوع الورق فيه أو الحبر الذى كتب به، أو طريقة حفظه أنه مخطوط قديم يعود إلى أزمنة غابرة تمتد قروناً كتبها أحد الرهبان القدماء، وأخفاها ليقرأها من يجدها بوصفها دفينة من الدفائن القديمة . وذلك اعتماداً على أن الشكل المخطوطى لأى عمل قد يكسبه لوناً من القداسة، أو الثراء التراثى أو الأهمية أو الندرة أو الخطورة أو ذلك كله، إضافة إلى ما يحاول به المؤلف إضفاء هالة من الغموض الذى يكتنف أى مخطوط قديم يغرى الإنسان الذى ينفسح أمامه أفق التوقع وتعدد الاحتمالات وتدفعه الرغبة الملحة فى المعرفة إلى الحصول علي لذة الكشف المتصل كلما أوغل داخل النص نافضاً غبار الزمن عن أحداث مثيرة فى القديم طواها الزمن وربما النسيان .

    فى مقدمة رواية "عزازيل" يقدم لنا المؤلف "يوسف زيدان "نفسه بوصفه مترجماً لنصوص قديمة، لا بوصفه مؤلفاً لرواية تاريخية أو خيالية أو غيرهما، وقد ادَّعى أنه ترجم هذه النصوص القديمة من السريانية القديمة ( الآرامية ) إلى العربية، يصرح لنا المؤلف (المترجم) بأن أصل هذه الرواية هى مجموعة من المخطوطات التى ألفها أحد الرهبان المصريين ويدعى (هيبا) منذ القرن الخامس الميلادى أو قبل ذلك، حيث يحكى فيها سيرته الشخصية ووقائع مهمة فى عصره وهذه الرقوق قد اكتشفها أحد الرهبان النساطرة وكتب عليها بعض الحواشى وهو الذى دفنها فى صندوق فى القرن الخامس حتى اكتشفت فى نهايات القرن العشرين،يقول فى المقدمة :"يضم هذا الكتاب الذى أوصيت أن ينشر بعد وفاتى،ترجمة أمينة قدر المستطاع لمجموعة اللفائف (الرقوق) التى اكتشفت قبل عشر سنوات بالخرائب الأثرية الحافلة،الواقعة إلى جهة الشمال الغربى من مدينة حلب السورية"()  اللعبة نفسها نجدها فى رواية"اسم الوردة"اذ تكشف عتباتها الأولى أن المؤلف قد وقع على"لقية ثمينة" فيبدأ "إمبرتو إيكو" روايته حينما ينص فى أولى عتبات نصه عن الأصل المخطوطى لهذه الرواية التى عثر عليها بمحض الصدفة عام 1968، يقول تحت عنوان ( مخطوطة بطبيعة الحال )"فى السادس عشر من أوت 1968 سلم إلى كتاب من تأليف رئيس دير يدعى الأب"قالى"يحمل عنوان "مخطوط دون أدسون دامالك" مترجم إلى الفرنسية حسب طبعة ج .... مابيون (مطبعة دير"لاسورس"باريس 1842. وكان الكتاب مرفوقآ ببيانات تاريخية هزيلة فى حقيقة الأمر ويؤكد مؤلفه بأنه نسخ بوفاء مخطوطآ يعود إلى القرن الرابع عشر، كان قد عثر عليه فى دير "مالك" العلامة العظيم الذى عاش فى القرن السابع عشر، والذى يعود إليه فضل كبير فى تاريخ النظام الكلونى . وابتهجت لتلك اللقية العلمية، أما عن الفترة التى كانت تدور فيها الأحداث فنجد أنفسنا فى أواخر نوفمبر 1327 ولكن الفترة التى حررفيها المخطوط غير محددة . وإذا ما اعتبرنا أنه كان حسب قوله راهبآ مبتدئآ سنة 1327، وأنه كان مشرفآ على الموت عندما كتب مذكراته، يمكننا التكهن بأن المخطوط حرر فى السنوات العشر أو العشرين من القرن الرابع عشر .، كلما أطلت التفكير فى ذلك كلما بدت لى واهية الأسباب التى دفعتنى إلى أن أسلم للمطبعة نسختى الإيطالية والمأخوذة عن نسخة فرنسية قوطية محدثة وغامضة لطبعة لاتيينية من القرن السابع عشر تنقل عملآ لاتينيآ ألفه راهب ألمانى فى آواخر القرن الرابع عشر، - كانت هذه مذكرات الراهب أديسو دى مالك"()، وإذا كان هذا المخطوط يحكي أحداثا وقعت في  آواخر العصر الوسيط القرن الرابع عشر، فإن "عزازيل" يتحدث عن أوائل القرن الرابع الميلادي .ويزداد الإيهام بحقيقة وقوع الأحداث حينما يستكمل حبكة"اللعبة المخطوطية"بوصفها حيلة فنية ذلك عندما يشير إلى أن لغة المخطوطة كانت لغة لاتينية محافظة على الأجواء الدينية والفكرية فى أواخر العصور الوسطى، ويُحكم "إيكو" اللعبة الفنية حينما يورد على لسان "أديسو" الراهب / السارد أنه قد كتب هذه الاعترافات من وحى قصاصات قديمة وجدت بعد احتراق الدير

– مكان أحداث الرواية – يقول فى العتبة الأخيرة لروايته "ويكاد يتهيأ لى أن ما كتبته على هذه الأوراق التى ستقرأها، ياقارئى المجهول، لم يكن إلا تضمينا أو قصيدة مجازية أو تطريزا ضخما لا يقول أو لا يعيد إلا ما كانت توحى به تلك القصاصات ولم أعد أدرى إن كنت تحدثت أنا عنها إلى أحد الآن أو أنها تحدثت على لسانى . ولكن فى كلتا الحالتين، كلما قرأت على نفسى القصة التى تولدت منها، كلما قل اقتناعى بأن فيها حبكة تتعدى التسلسل الطبيعى للأحداث وللأزمنة التى كانت تصل بينها، وأنه من الصعب، على هذا الراهب المسن الذى يقف على عتبة الموت، أن لا يعرف إن كانت الرسالة التى كتبها تحمل معنى خفيا أو أكثر من معنى أو معانى متعددة، أو أنها عديمة  المعنى ." ()

  إن العتبة الأخيرة فى الرواية تحيلنا بل تردنا إلى العتبة الأولى \ المفتتح، حيث يؤكد المؤلف من خلالهما أن نصه السردى ذاك ما هو إلا نص مكتشف حديثاً لسرد اعترافى قديم ينتمى إلى العصور الوسطى أو إلى مرحلة زمنية معينة فارقة فى تاريخ الكنيسة بالقرن الرابع عشر الميلادى، كذلك الأمر لاحظناه فى "عزازيل"، إذ عبّر تصريح المؤلف فى عتبته الأولى \ المفتتح أن المخطوط الذى حمَل سرد "هيبا" الراهب والذى يعود تاريخه إلى عشرة قرون مضت قد كُـتِبَ بلغة ذلك العصر السريانية أى الآرامية القديمة .

  لقد اتفقت الروايتان فى حيلة فنية واحدة ذات مستويات متعددة تسعى من خلالها إلى تقديم نص مراوغ من حيث الجنس الأدبى من جهة ومن حيث الإيهام بواقعية الأحداث من جهة أخرى، وهذه المستويات يمكن تلخيصها فى :

الشكل المخطوطى الذى قُدمت به الروايتان .

الإلماح إلى اللغة المحايثة لعصر كل رواية بحيث يتحقق التصديق بمناسبة النص السردى للغة التى كُتبت بها .

طريقة حفظ هذا المخطوط، ومن ثم مصادفة الكشف عنه والوقوع على دفينته .

كون السارد فى الروايتين راهباً شاباً فى أول سلم الكهنوت يقع فى خطايا الغواية، ومن ثم يلجأ إلى التطهر منها باعترافاته وهو شيخ هَرِم .

كلا الراهبين يخفي اعترافه ليقرأها مَنْ يعثر عليها أى : قارئ ينتمى إلى عصر آخر لاحق، بعيداً عن عصره ،إنه المروي له المجهول ، في مقابل القارئ الضمني أي : مروي له آخر يتوجه إليه المؤلفان " زيدان / إيكو" لا الراهبان " هيبه ، أديسو ".

إن عزازيل أو قل الشيطان يخايل الراهبين فى أثناء كتابة كل منهما مخطوطه الإعترافى .

وتتفق رواية "تاييس" مع كل مستويات هذه اللعبة الفنية المخطوطية الاعترافية للراهب / السارد باستثناء التقديم الصريح للمؤلف فى عتبة الرواية الأولى بأن أصل روايته يعود إلى مخطوط اكتُشِف مصادفة .

إن ما سميته ( لعبة المخطوط ) الفنية ما هى فى ظنى إلا تقنية فنية مقصودة جعلها المؤلفان ضمن خطابهما المقدماتى، يمثل افتتاحية الرواية قبل جسدها ، وذلك لتحقيق وظائف فنية وموضوعية مقصودة، تحدث عنها بعض الباحثين()، فالوظيفة ( الإغرائية ) تتحقق حينما يعمل المؤلف على إثارة اهتمام القارئ من خلال إيهامه – كما أشرت – بوقوعه على كنز مخطوطتى، يغرى بكشف اللثام عما يحتويه من أسرار. والوظيفة ( الإخبارية ) يؤكدها أيضاً إيهامه بواقعية الحدث مبعداً الجانب التخيلى عن ذهن القارئ. وأخيراً فإن الوظيفة ( الدرامية ) يمثلها انطلاق القصة أو الحكاية المتضمنة وما ترويه من مشاهد مأساوية . وأخيراً فإن عتبة البداية تحيل إلى المؤلف ( بخلفيته ومواقفه الفكرية وقناعته السردية والتقنية ) ()

 ومن تتمة القول الإشارةإلى أننا نجد لدى"دان براون"وذلك فى عتبة روايته الأولى"شيفرة  دافنشى"حضوراً واضحاً للتيمة المخطوطية، يقول فى مقدمة روايته ،"فى عام 1975 اكتشفت مكتبة باريس الوطنية مخطوطات عرفت باسم الوثائق السرية، ذكرت فيها أسماء أعضاء عدة انتموا إلى جمعية سيون الدينية ومن ضمنهم السير إسحق نيوتن وساندرو بويتشلى وفيكتور هوجو وليوناردو دافنشى ."() .

على هذا النحو استحالة المقدمة \ الافتتاحية لعبة فنية تأسست على اكتشاف مخطوط ما، وهذا ماجعلنا آنفاً نحاول فك الاشتباك بين الجنس الأدبى الذى تنتمى إليه هذه الروايات المراوغة من حيث نوعها وبين ألوان الخطابات السردية المشابهة " إن الخطاب المقدماتي في محصلة الأمر هو تبديات تحتوي على العديد من العناصر الأولى للعمل الروائي عند الكاتب، وتختلف من كاتب لآخر داخل الجنس الأدبي الواحد، كما تتباين في كل جنس من حيث المكونات والوظائف، فضلاً عن أن الكاتب يخضع لتطورية فكرية تدعوه في العديد من الأحيان،إلى مراجعة قناعاته النظرية، بشأن الجنس الأدبي الذي يكتب فيه، قصد تحقيق الاختلاف في وحدته ."()

فهكذا رأينا أن الكاتب يريد توجيه القارئ – أحيانا – إلى حقيقة مخالفة هذه الرواية للشكل المألوف، فينبهه قبل أن يفاجئه تشكيل النص الروائى إلى هذه الحقيقة، إن التنبيه فى هذه الحالة  "علامة إضافية من علامات التعيين الجنسى سواء فى حالة إقرار الروائى بكون روايته محض خيال أو لدى تصريحه بأن روايته هذه لها علاقة وطيدة بالواقع الذاتى والموضوعى"()

هكذا تتلاقى ثلاث روايات أوروبية مع "عزازيل" فى واحدة من أهم الحيل الفنية التى تتصل بالبنية الهندسية للشكل الروائى خاصة فى عتباته الأولى .

ثالثاً : البنية الداخلية

   أما بنية فصول الروايات، أو وحداتها السردية فبنية تخضع فى الأساس إلى مؤلف الرواية الذى يختار من البنى المطروحة ما يتناسب والقالب الفنى الملائم لمضمون المحكى الروائى، فهناك من يخطط لروايته ليكون بناؤها قائماً على فصول يختار لها عناوين مقصودة تحيل إلى أحداث أو أزمنة أو أمكنة أو شخوص ، أو يجعلها محايدة ذات أرقام إلى آخر تلكم السبل التى يختار منها المؤلف ما يتناسب و رؤيته من الناحية الجمالية والتقنية أنسب فنياً وأجمل دلالياً .

ولقد حاول الروائيون الذين نتعرض لرواياتهم أن يبنى كل واحد منهم روايته بناءً شكلياً خارجياً وداخلياً يتناسب وطبيعة الحكاية، بنية داخلية تتعاون هى الأخرى مع بنية العتبات فى لعبة الإيهام الكبرى بالواقع، التى يحاول المؤلف إقناع القارئ بها .  

    جاءت رواية"عزازيل"مبنية على مجموعة من ( الرقوق ) إذ يمثل كل فصل رقاً مخطوطاً يحاول السارد / الراهب "هيبا" أن يملأ واحداً منها كل ليلة يسجل عليه اعترافه الشخصى وأحداث عصره، فالرقوق تمثل حلقات، كل رق هو حلقة لها استقلالها البنائى والحكائى من جهة، وهى فى ذات الوقت متصلة بحلقات أخرى تعد امتداداً لسرد ذى طبيعة زمنية خطية .

إن كل رق هو فصل من فصول مأساة الراهب "هيبا" مع خطيئته من جهة أو غوايات "عزازيل "له من جهة ثانية، أو شهادة علي عصره  لما مرت به الكنيسة من إخفاقات أو انتصارات من جهة ثالثة .

بلغت الرقوق واحداً وثلاثين رقاً / فصلاً هى جسد الرواية المفارق لافتتاحيتها، لم يكتف المؤلف بذكر رقم الرق مجرداً، بل زاد عنواناً دالاً على حالته النفسية أثناء الكتابة أو إلى حدث تاريخى لافت احتل الحديث عنه رقاً بأكمله، أو أمكنة أطّرت أحداثاً لها أهميتها فى تاريخ الكنيسة .

    وفى "تاييس" نجد "أناتول فرانس" قد ابتناها على خمسة فصول، حاول من خلال اختياره اسماءها أن يحافظ على الأجواء التاريخية القديمة للأحداث التى يسجلها السارد / الراهب بافانوس على المخطوطة البردية، والمراجع لعناوين هذه الفصول ( اللوتس، البردى، المأدبة، البردى عود على بدء، الفربيون ) يتأكد له ذلك .

أما رواية "اسم الوردة"، فإن كاتبها "أمبرتو إيكو" لا يترك ثغرة فى إحكام بناء روايته إحكاماً يشمل شكلها الخارجى أى العتبات، وبناء فصولها، خاصة وأنها رواية كبيرة الحجم، متفرعة الأحداث، تطرح قضايا عديدة على أكثر من مستوى من خلال شخوصها المتعددين، ومع أن الرواية كبيرة الحجم فإننا نندهش حينما نعرف أن أحداثها لم تستغرق سوى سبعة أيام، وهذه الأيام هى فصول الرواية أو أعمدة بنائها الأصلية، غير أن المؤلف يحكى أحداث كل يوم، مقسماً هذه الأحداث، ومرتباً وقوعها وفقاً لمواعيد الصلوات والفروض الدينية داخل كنيسة ديرمالك محل أحداث الرواية، فاليوم الأول"الفصل الأول"يحتوى بدوره أحداثاً وقعت بالدير منذ الصباح حتى المساء جعل لها الراهب / السارد علامات زمنية كنسية – تبعاً لمواعيد الصلوات – فانقسم الفصل إلى سبعة مقاطع سردية زمنية، أخذت عناوين محددة لزمان وقوعها تبعاً لفروض الصلاة ( أولى، ثالثة، سادسة، حوالى التاسعة، بعد التاسعة، صلاة الستار، صلاة النوم )، ويستطيع القارئ أن يفهم أنه بإزاء سبعة مخطوطات / رقوق يكون جميعها فصلاً واحداً أى اليوم الأول، أول فصول الرواية السبعة .  

رابعا بنية الشخصية :

  تعددت شخوص رواياتنا نوعاً وكماً، غير أننا نختار ثلاثة أنواع من هذه الشخوص لتواترها فى أهم ثلاث روايات إلى حد التطابق فى الملامح الحسية والنفسية، وتطابقها فى الدور الذى تنهض به كل شخصية بحيث تمثل الشخوص الثلاثة المختارة تيمة متكررة وثابتة ، يتناص فيها الأحدث مع الأسبق تناصاً يكشف عن فعل التأثير والتأثر بين – على الأقل – ثلاث روايات تختلف كل منها عن الأخرى لغةً، وبيئةً ثقافية .

1-شخصية الراهب المُعذب بالغواية :

    وشخوص رواياتنا شخوص لها أهميتها من حيث ملامحها النفسية، والدور المنوط بها، والتشابه بينها جميعاً فى أجزاء من هذه الملامح النفسية لدرجة التماهى فى بعض الأحيان، فنموذج شخصية الراهب / البطل / السارد الذى يحكى مشاهداته، ويعترف بخطاياه هو نموذج يتكرر فى ثلاث روايات، خاصة وأن أحد أهم دوافع اعترافه هو التطهر مما وقع فيه من غواية إحدى النساء، ففى

"عزازيل" يبرز لنا "هيبا" الراهب السارد المعترف للرب بما ألم به من غواية المرأة الوثنية

"أوكتافيا " أول من قابل حين دخوله الإسكندرية عند البحر، فارتكب معها – وهو الراهب الشاب – الخطيئة بعدما انتصرت غوايتها على إرادته والتزامه الدينى، فتداعت نفسه وخارت قواه أمام عنفوان شهوتها وأسره جمالها، فعلى مدى ثلاثة فصول ( الرق الرابع، الخامس، السادس ) يحكى " هيبا " ما جرى بينه وبين "أوكتافيا " حينما استضافته فى بيت مخدومها "الصقلى " . كذلك يقع " هيبا " فى غواية امرأة أخرى تسمى "مارتا " فى أحد الأديرة بالشام فتغلب نفسه الإنسانية رهبانيته، يحكى فى الرق العشرين قصته معها معترفا بخطيئتة آملاً الصفح والغفران، وهو فى أثناء إعترافه يبدو معذباً بهاتين الغوايتين اللتين يراهما من دوافع "عزازيل "، الذى يحاول الإيقاع به وتعطيله عن مسيرته الدينية المقدسة .

   وشخصية الراهب " بافانوس " فى رواية "تاييس " لا تختلف عن " هيبا " فهو الراهب الذى جاء مثله من صعيد مصر إلى الإسكندرية لإنقاذ الممثلة الحسناء " تاييس " من غواياتها الناس، غير أنه قد وقع بين أمرين : العطف عليها من أن تعذب بغوايتها، والوقوع فى أسر جمالها، يقع " بافانوس " بين هذين الإحساسين فيبدو رجلاً معذباً، يقول": فاضطرب "بافنوس" لهذا المنظر اضطرابا شديدا أثر صميم قلبه، وخر ساجدا رافعا هذه الضراعة :

انت يا من أشربت قلوبنا رحمة مثلما اشربت الرياض ندى الصباح ! أيها الإله العادل الرحيم ! تباركت وتعاليت ! انزع من قلب عبدك هذا الحنان الباطل الذى يؤدى إلى الشهوة، وأوزعنى ألا أحب مخلوقات إلا فيك وحدك، لأننا نفنى جميعا وأنت وحدك الحى القيوم، فإذا كنت قد عنيت بهذه المرأة فذلك لأنها صنع يديك، وأن الملائكة أنفسهم ليتوجهون إليها بعناية واهتمام، ألم تكن يا إلهى نفحة من روحك ؟ إن عليها أن تضع حدا لما ترتكبه من خطايا مع أهل البلاد والغرباء، لقد انبعث فى قلبى شعور عطف زائد نحوها، إن ذنوبها لفظيعة، وإن مجرد التفكير فيها يروعنى إلى حد أن شعر رأسى يقف رعبا، سيبقى إشفاقى عليها عظيما كذنبها، وكلما أزدادت طغيانا زدت حنان، إننى أبكى حين أفكر فى أن الزبانية سوف يعذبونها فى نار جهنم، التى كلما خبت زادوها سعيرا ."()

     الأمر نفسه نجده فى رواية " اسم الوردة " عند الراهب / السارد " أدسو " الذى يشبه الراهب هيبا فى عزازيل من حيث إنهما راهبان شابان فى أول سلم الكهنوت والرهبنة، يقع " أدسو " تحت أثر غواية إحدى الفتيات الفقيرات بين مطبخ الدير وحجرة الكتابة، ويظل هو الآخر معذباً بحبها والتطهر من غواياتها() .

هكذا تشابه فى الروايات الثلاث نموذج الراهب السارد المعترف حينما عذبته غواية المرأة ودفعته إلى الإعتراف عسى أن يتطهر بذلك الطقس الكنسى من آثامه .

2- شخصية المرأة الفاتنة / الغاوية :

   على الجانب الآخر رأينا فى الروايات الثلاث نموذجاً للمرأة التى كانت سبباً مباشراً فى غواية الراهب وإسقاطه فى مهاوى الدنس أو الخطيئة مما كان سبباً فى إندفاع الراهب لكتابة إعترافاته وتوبته بتسجيل اعتراف يطهره مما لحق به، "فأوكتافيا" مع "هيبا" فى "عزازيل " تطابق بل تتماهى مع "تاييس" فى رواية "أناتول فرانس"، وكلتاهما تطابقان غاوية "أدسو" فى " اسم الوردة" إنها تيمة تتكرر فى الروايات محل الدراسة المحورية .

3-شخصية إبليس :

  من النماذج التى تكررت أيضاً فى رواياتنا محل البحث شخصية إبليس الذى يمتلك حضوراً مباشراً وفاعلاً فى هذه الروايات، خاصة مع الراهب / السارد المعترف، ولعل لعظم الدور الذى يقوم به ومحوريته اختار يوسف زيدان أحد أسمائه عنواناً لروايته "عزازيل " ليكون عنواناً بمثابة الدلالة المركزية التى ترمى بأبعادها على فصول الرواية، أو ليكون ممثلاً للعتبة الأولى التى تتقاطع رأسياً وأفقياً مع مضمون الرواية وتفتح باب التأويل باعتبار العنوان"علامة ثقافية ومعرفية ودليلاً يحقق للنص جنسه ضمن المؤسسة الأدبية"()، وهو – أى إبليس – لا يفتأ يخايل الراهب ويطارده خاصة حينما يقع فى حبائل غواية المرأة، غير أنه فى "عزازيل " ذو حضور رئيس يحاور هيبا، فيكاد لا يخلو رق إلا من حوار بين "عزازيل" و"هيبا" يدفعه فيها عزازيل اللعين إلى تدوين اعترافاته بكل ما فيها من إخفاقات وانتكاسات . الحضور نفسه لإبليس ومطاردته الراهب نجده فى " تاييس "، كما نجد أيضاً أنه يحاول أن يقترب من نفس الراهب مدعياً صداقة تنشأ بينهما، قد يتجلى فى صورة حيوان، أو يتجلى صوته مجرداً من صورته ويحادث الراهب، يظهر إبليس "لبافانوس" الراهب فجأة "فرسم بافنوس علامة الصليب فاختفى الحيوان، وهنالك علم بأن الشيطان قد دخل حجرته للمرة الأولى، فصلى صلاة قصيرة ثم عاد ففكر فى تاييس"()، ويقول"ثم وازن زراعيه الممتدين، فكانا كجناحى طائر مريض عاريتين من الريش، وأوشك أن يقذف بنفسه، فرنت فى أذنيه قهقهة استهزاء مرعبة، فسأل وقد أرهقه الجزع :

-من ذا الذى يضحكك هكذا ؟ ......

فعوى الصوت يقول :

-آه ! آه ! إنا لا نزال فى بدء صداقتنا وسوف تتقوى يوما آصرة المحبة بيننا فتعرفنى جيدا، هو أنا يا عزيزى الذى جعلك تصعد إلى هنا، ويحق لى أن أبدى سرورى بإذعانك الذى أتممت به جميع رغباتى، فأنا مسرور منك يابافنوس

فتمتم بافنوس بصوت يتهدج من الخوف :

إلى الوراء ! إلى الوراء ! لقد عرفتك، أنت ... أنت الذى رفعت المسيح على ذروة الهيكل وأريته جميع ممالك الدنيا"()

    الأمر نفسه نجده فى "اسم الوردة " حيث يطارد إبليس الراهب الشاب " أدسو "حاثاً إياه على تدوين اعترافاته" وبدا لى أننى سمعت ( أم سمعت حقاً ) ذلك الصوت وشاهدت تلك الرؤى التى صاحبت طفولتى وأنا مبتدئ، وقراءاتى الأولى للكتب المقدسة وليالى التأمل فى دير"مالك"وإذ خارت قواى الضعيفة جدا والمنهكة سمعت صوتاً قوياً وكأنه صوت نفير يقول "أكتب ماترى فى كتاب ( وهذا ما أفعله الآن )"()

إن عزازيل أو إبليس فى هذه الروايات شخصية حافزة للراهب أن يكتب ويدون اعترافاته، فهل لكون الرهبان فى هذه الروايات الثلاث رهباناً شباباً حتى يتلاعب بهواجسهم الشيطان ناصحاً أن يدونوا اعترافاتهم ليسخر منهم أم يسخر من سلوكهم المتناقض بين الرهبانية والغواية، إن تسلط الشيطان على هذا النحو بوصفه شخصية روائية يؤكد ما ورثناه فى ديانتنا السماوية بأنه مسلط على من يسلكون سبل التدين والتطهر لكشف تناقضهم من جهة، وليجد  – أى الشيطان – معه شركاء فى الخطيئة .

كما تذخر هذه الروايات وغيرها بشخوص أخرى تحيل إلى نماذج مختلفة من رجال الدين ما بين متشدد ومتعلمن، كما تعكس شخوص أخرى الاختلاف العقدى الذى عانت الكنيسة منذ ظهورها من تداعياته، غير أنا نرجئ بسط ذلك فى حينه حينما نتعرض للحدث الروائى .

لكننا نتساءل : هل تواتر شخصية الشيطان على هذا النحو المتشابه والثابت بين الروايات الثلاث، كذلك ثبات دورة فى غواية رهبان يخطون اعترافاتهم هو من قبيل المصادفة؟، أو التوارض فى الخواطر؟، أو هو تناص الأحدث بالأسبق ؟! .على أى حال يمكننا القول – بلاشك – وبعيداً عن هذه التساؤلات : إننا قد لمسنا لوناً من البنية الوظيفية تشبه اكتشاف الناقد الشكلانى"بروب"حينما اكتشف من خلال دراسته للحكاية العجيبة اضطراد مجموعة من الوظائف المرتبطة بمجموعة من الشخوص فى شكل بنية وظيفية تقوم على التتالى والثبات، وهو ما عرف بمتتالية الوظائف()، ففى رواياتنا نجد أن بنيتها الوظيفية لا تخلو من ثبات الشخوص الثلاثة التى عرضنا لها لكل منها وظيفته ؛ فشخصية الراهب تمارس وظيفتها الحكائية والإعترافية، وشخصية المرأة الغاوية التى تمارس وظيفتها فى غواية الراهب، كذلك شخصية أبليس الذى يمارس وظيفته فى نصح الراهب فى كتابة اعترافاته ومشاهداته.

     هذا إضافة إلى شخصية ( الراهب الأستاذ ) إذ كان لكل راهب – أى السارد الذى هو بطل الرواية  المعترف – راهب آخر يكبره ، ويصحبه ليتعلم منه الحكمة بصفة رهباننا الأبطال شباناً مبتدئين، كمثل الراهب " نسطور" أستاذ هيبا فى عزازيل، و الراهب "غوليالمو " أستاذ الراهب الشاب "أديسو " فى "اسم الوردة"، فالراهب الأستاذ إذا وظيفته هو الآخر تبصير الراهب الشاب وتنويره، وتعليمه فنوناً من المهارات وطرق التفكير. إن هذا يشكل ما يشبه متتالية وظيفية تكاد تنتظم هذا النوع من السرد الاعترافى الدينى .

خامسا : البنية الزمكانية :

   عمدت إلى دراسة الزمان والمكان معاً لارتباطهما ارتباطاً قد يخل إذا درس أحدهما بعيداً عن الآخر وذلك لأننا لا نتصور حدثاً لا مكان له أو لا زمان يؤطره أنهما فضاءان يحاول المؤلف أن يخلق حكايته بينهما أو فيهما .

والناظر إلى الروايات محل الدرس يلحظ اتفاقها جميعاً فى أنها مبنية من حيث الزمن على الحكى المسترجع الذى يستعيد فيه الراهب الحكاية من ذاكرته، بداية من لحظة ما ماضية وحتى اللحظة الراهنة التى يكتب فيها ما يشبه سيرته أو مذاكراته على سبيل الإعتراف بما وقع فيه من خطايا، وما عايشه من أحداث ومشاهدات، هذا على مستوى البنية الزمانية العامة الحاكمة، والتى يصطلح بعضهم على تسميتها "السرد اللاحق للحدث"() لشكل السردى الذى خرجت به هذه الروايات على النحو الذى تعرضنا إليه سابقاً، غير أن الناظر من جهة أخرى إلى الجسد السردى يرى أن الراوى قد يستعين بتقنيات زمنية مختلفة على مستوى الترتيب الزمنى وسرعة السرد وتواطره التكرارى، فأما على مستوى النظام السردى فإنا نجد اعتماده الأساسى على تقنية الاسترجاع بنوعيه الداخلى والخارجى، إضافة إلى تقنية الاستباق، فلحظة السرد الآنية تمثل زمن الكتابة، يمكن أن نسميها لحظة الزمن صفر التى تمثل الزمن المركزى"وما يتلوه الراوى من أحداث وقعت سلفاً يعد زمناً ماضياً، وما سيحدث يعد زمناً مستقبلاً، برغم أن الزمنين تم سردهما فى الزمن الحاضر أو الزمن الصفر أو اللحظة الآنية وهى لحظة كتابة الروائى للرواية"()، وكما أشرت فإن البنية الزمانية التى تقوم عليها رواياتنا بنية تأخذ طابعاً  استعادياً، أو"نسق زمنى هابط" أى"الذى يروى فيه زمن الكتابة نهاية زمن الحكاية"()، ومن ثم فإنا نجد لونين من الاسترجاعات الزمنية التى نظّر لها النقاد وفرقوا بين نوعيها، فالاسترجاع الخارجى"هو ذلك الإسترجاع الذى تظل سعته كلها خارج سعة الحكاية الأولى، فلا توشك أى لحظة أن تتداخل مع الحكاية الأولى، لأن وظيفتها الوحيدة هى إكمال الحكاية الأولى عن طريق تنوير القارئ بهذا السالف"()، وهذا ما يتجلى لنا فى رواية "عزازيل" عندما يحكى "هيبا" فى أثناء سرده بالرق السادس عشر أن ذكريات ماضية وقديمة مؤلمة كثيراً كانت تهاجمه، فيحكى حكاية خارج إطار سرده يلخص فيها مثلاً كيف قُتِلَ أبوه على يد جماعة من المسيحيين المتشددين فى جنوب مصر، وكان هيبا وقتها طفلاً رأى ذبح أبيه أمام عينيه، فكان مشهداً لم ينسه، وظل معتملاً فى نفسه طوال حياته . ولا يزال "هيبا" فى أثناء سرده يسترجع حكايات ومواقف داخل زمن السرد، والحكاية الرئيسية بوصفها حكايات مسترجعة كان لها تأثيرها فى نفسه كغواية "أوكتافيا" له حينما جاء الإسكندرية لأول مرة، وغواية "مارتا" التى تعرف إليها فى حلب، فقصته مع هاتين المرأتين كثيراً ما يسترجعها فى سياق طلبه التوبة والندم والإعتراف . وفى رواية "اسم الوردة" نجد الراهب "أدسو" الذى يكتب اعترافاته ومشاهداته مع أستاذه "غوليالمو" يتوقف ليعود مسترجعاً قصة تعرفه إلى "غوليالمو" قبل أن يقص ما حدث لهما فى دير مالك بإيطاليا ( الحكاية الرئيسية )، يقول إن أبويه خافا عليه وهو راهب مبتدئ ومراهق صغير فدفعاه – خاصة والده – إلى مرافقة الراهب الفرانشيسكى"غوليالمو" ": فرأى أنه من الأصوب أن يحملنى معه كى أتعرف على روائع البلاد الإيطالية وأحضر تتويج الإمبراطور فى روما . ولكن حصار "بيزا" استحوذ على كل اهتمامه وانتهزت أنا تلك الفرصة لأتجول عبر مدينة توسكانا يدفعنى إلى ذلك الفراغ والشوق إلى المعرفة، ولكن أبوىَّ اعتبرا أن تلك الحياة الحرة والخالية من القيود غير لائقة بمراهق كرس نفسه لحياة التعبد وعملاً بنصيحة "مارسيليو" قررا أن يجعلانى برفقه عالم فرنشسكانى الأخ "غوليالمو دا باسكارفيل" الذى كان يستعد للقيام بمهمة من المفروض أن تقوده إلى عدة مدن مشهورة وإلى أديرة عتيقة جداً، وهكذا أصبحت كاتبه وتلميذه فى نفس الوقت وما ندمت على ذلك لأننى حضرت أحداثاً يجدر أن تبلغ إلى ذاكرة من سيأتون بعدى وهو ما أفعل حالياً"() .

ولعلنا قد لاحظنا من خلال الجملة الأخيرة فى النص السابق إشارة واضحة إلى لحظة السرد الآنى  

– زمنه – وما كان قبل هذه الجملة إلا استرجاعاً خارجياً عن الحكاية التى يحكيها الراهب الشاب برفقة أستاذه داخل دير مالك، وقد أكثر من استرجاعته الداخلية فى حكايته منبهاً قارئه بخيوط الحكايات الداخلية الماضية ليقف على تأثيرها فى مجرى الحدث الرئيس .

   أما الاستباق فهى تقنية زمنية عكسية نجدها فى مثل هذه الروايات التى يكون فيها الراوى / الراهب / عليماً ؛ لأنه هو الحاكى / البطل . يقول أحدهم عن الاستباق إنه "هيمنة كاملة على مجريات الحدث الحكائى، ومن هنا فإن هذا التكنيك الزمنى يتناسب مع الراوى العليم، وفى النظرة المجاورة التى تهيمن على ماضى الحدث ومستقبله"()، وقد يسميه بعضهم سرداً سابقاً للحدث()

ولأن الراهب المعترف فى رواياتنا يكتب فى ضوء حالة نفسية يكتنفها التوتر والقلق بين الخوف مما يخطه، والرجاء فى مغفرة ربه ؛ وجدنا كثرة الإستباقات يشير بها الراوى / الراهب إلى أثر حادثة ما سوف تعصف بمستقبله وحياته سيكون لها تأثيرها على مستقبله الكهنوتى . فالراهب "هيبا" فى رواية "عزازيل" حينما قابل لأول مرة الراهب "نسطور" فى كنيسة القيامة بييت المقدس، يصف هذه المقابلة التى خلقت صداقة بينهما وتوافقاً فى فكرهما تجاه العقيدة المسيحية، الأمر الذى جعل هيبا يأخذ بنصيحة "نسطور" فيهاجر "هيبا" إلى حلب، ويقيم فى أحد الأديرة هنالك لمتابعة تطور الأحداث فى الكنيسة التى يشتعل فيها الصراع بين فئتين من القساوسة، لكل منهما وجهة تختلف عن الآخر، حول طبيعة السيد المسيح، يقول هيبا"ابتسم المبجل نسطور وهو يقول إننى احتفظ بكل الكتب الممنوعة، فقلت إن الكتب المسموح بها موجودة فى الكنيسة وفى كل مكان، فاتسعت ابتسامته، اغتنمت الفرصة السانحة فدعوته إلى صومعتى من بعد أن نؤدى صلاة الليل فى كنيسة القيامة، أعجبته الفكرة فوافق وسعدت بموافقته، لم أكن أعلم أن هذه الجلسة التى طالت بنا إلى حدود الفجر، سوف تتحول معها حياتى، وأتحول بعدها من أورشليم إلى الشمال حيث يستقر بى المقام اليوم فى هذا الدير المنفرد بذاته النائى عن بلادى الأولى . الموغل فى النأى"()، ولعلنا لاحظنا فى الجملة الأخيرة من النص لفظة ( اليوم ) التى تمثل علامة زمنية إلى زمن السرد وماقبلها يمثل استباقاً لما ستؤول إليه حياة الراهب هيبا فى حلب .

وفى اسم الوردة تكثر أيضاً الاستباقات التى يلمح إليها السارد "إدسو"، فهو وأستاذه قد زارا مكتبة الدير، ثم يلمح الراوى بأن هناك أحداثاً سوف يقصها لاحقاً لعلاقتها الوثيقة بزيارتهما تلك إلى المكتبة يقول "أنهينا استطلاعنا المثمر للمكتبة، ولكن قبل أن أقول إننا كنا نتهيأ للخروج، ونحن راضيان، للمشاركة فى أحداث أخرى سأقصها بعد قليل ...."()، وقد يصل الاستباق إلى حد الاستشراف والتنبؤ، فغوليالمو الراهب الأستاذ والذى يمثل فى الرواية الإيمان بالعلم التجريبى وتطوره يحكى عنه تلميذه الراوى أدسو أنه يتنبأ باختراعات ومكتشفات علمية ستغير شكل العالم، كان ذلك فى معرض أحاديث كثيرة دارت بينهما، يقول "وهكذا تعرفت يوماً بعد يوم على أستاذى، وتبادلت معه أثناء ساعات السفر الطويلة أحاديث مختلفة – سأذكرها عند اللزوم وأولاً بأول"()، وهنا نشير إلى أن الرواية تحكى أحداثاً جرت فى زمن العصور الوسطى – القرن الرابع عشر الميلادى – الذى كان قنطرة عبرت بها أوروبا بعد ذلك بقليل إلى عصر النهضة العلمية .

      وأخيراً نشير إلى أن كل الروايات التى نحاول دراستها قد اعتمد فيها الروائيون على تقنية زمانية سينيمائية تتناسب وطبيعة السرد المستعاد فيها وما يكشفه من تداخل الأفكار وتداعيها على ذهن الراوى / الراهب الذى يخط اعترافاته، إنها تقنية المونتاج الزمانى الذى يعنى أنه "تظل الشخصية ثابتة فى المكان ويتحرك وعيها فى الزمان"() وهذا ما وجدناه حينما أكدنا آنفاً – وسوف يأتى بسطه لاحقاً – بأن الراوى / الراهب يجلس فى مكان معين فى آخر حياته فى صومعته بالدير مطلقاً العنان لذكرياته ومشاهداته على امتداد حياته الماضية أن تقع وتنهمر فيقيدها فى مخطوطه من مكانه .

   ظاهرة أخرى زمنية انتظمت الروايات الثلاث ، إنها ظاهرة "الحلم"، إذ وجدنا الرهبان الثلاثة كثيراً ما يخضعون إلى أحلام كثيرة تعكس حالة الخوف أو التوتر النفسى، إذ كانت مضامين أحلامهم تحكى قُصاصات من حيواتهم الماضية التى تمثل عجزهم أمام مشاهد رفضوها، فكان الكبت سبيلاً لابتلاعها، غير أن أنفسهم المتأججة بالإحساس بالذنب جاشت بها فى أثناء نومهم، وبالجملة كان الحلم تقنية فنية وظفها المؤلف لكشف شخصية الراهب من جهة، وحالته النفسية التى قررت ممارسة الإعتراف طقساً للتطهر من الخطايا، كل هذا من جهة ثانية - أعنى -  سواء موقفه من غواية المرأة، أو موقفه من أحداث عاينها تركت ألماً فى نفسه . ويتصل بتقنية الرؤى والأحلام تقنية أخرى هى المونولوج الداخلى الذى كان يناجى فيها الراهب نفسه ويحاورها، خاصة فى ساعات عذباته وإحساسه بالخطيئة .

أما الفضاء المكانى فإن الروايات تتسع بل تزخر بأمكنة وفضاءات جرت فيها الأحداث، وتوقف عندها السارد، ذلك لأن الارتباط بين الزمان والمكان ارتباط لا يمكن فصله() ؛ فكلاهما يشارك الآخر فى خصائصه الطبوغرافية "من مثل التواصل والاتجاه والإتصال"()، وكلاهما يشكل البطانة النفسية لأية قصة() . والخلاصة أن المكان ملتحم بسائر عناصر القص"يدخل فى علاقات متعددة مع المكونات الحكائية كالسرد والشخصيات والأحداث"() .

وإذا كانت الروايات التى ندرسها قد أخذت بناءً زمنياً استعادياً يحكى الراهب أحداثاً وقعت فى زمن سابق لزمن كتابته، فإن عنصر المكان هنا يحاول به استعادة زمن ماض ارتبطت فيه الأحداث بأمكنة بعينها، فعن طريق وصف الأمكنة حاول الراهب / السارد استعادة زمن قديم غير مرئى ليجدد حضوره فى لحظة السرد، ويكسبه مدلولاً خاصاً يتلقفه القارئ، إنها تقنية جمالية يعمد الروائيون إليها  يقول أحدهم عن استعمال الأديب للمكان"وعليه فاستعماله لمدلولات المكان للتعبير عن الزمن أو تصوره المكانى للزمن هو تقنية فنية لإخراج الزمن اللامرئى عادة إلى حيز المرئى ولتجسيد مطاطيته وكهفيته ومواته"() .

ولقد امتلأت الروايات - محل الدرس - بأوصاف للأماكن التى تنقل بينها، أو عبرها الراوى / الراهب ؛ لأن كل مكان توقف عنده، واصفاً هيئته من الداخل أو من الخارج يمثل مرحلة أو قل مفصلاً من مراحل حياته ومفاصلها من جهة، ومن جهة أخرى تعكس هذه الأماكن أحداثاً احتوتها، وهى أحداث موضوعية تعكس بدورها تطور المبادئ والقيم المسيحية . أو هى أحداث وقعت داخل أمكنة، وفى ذات الوقت تتعلق بحياة الراهب نفسه، أى ما وقع منه من خطايا، أو ماشهده من حدث كان له أثره فى تغير فكره وقناعاته الشخصية بالأشياء وبالعالم حوله .

ويمكن التوقف عند أمكنة بعينها دون غيرها كان لها فى الروايات الثلاث حضور منتظم ، وفى آلية متكررة تأخذ شكلاً ثابتاً متتالياً، منها :

1-صومعة الراهب :

     تخضع الروايات إلى تيمات ثابتة منذ عتبتها الأولى، إذ يصف كل راهب فى بداية لحظة الكتابة / زمن السرد الآنى المكان الذى يفيه فى إحدى الحجرات أو الصوامع، بأحد الأديرة التى يسكنها، وقد شرع فى تدوين مخطوطه الاعترافى .

فى "عزازيل" يصف "هيبا" صومعته بدير حلب، حينما تهيأ لكتابة مخطوطه يقول "تقع صومعتى بالدور الأعلى من المبنى، وهى واحدة من أربع وعشرين غرفة مماثلة، يسكنها رهبان هذا الدير . بين الغرف غرف مغلقة،ومخازن حبوب،ومكان للصلاة. الدور الأول من هذا المبنى،فيه مطبخ الدير وقاعة الطعام وغرفة الضيافة الواسعة. يسكن الدير اثنان وعشرون راهباً . وفيه عشرون من طالبى الرهبنة ,يخدمون المكان إلى حين رسامتهم رهبانا.

لكنيسة الدير الكبيرة كاهن مؤقت،قس ليس براهب،هو فى الأصل كاهن الكنيسة الصغيرة الواقعة بين البيوت المتناثرة عند سفح تلة الدير. وهو يخدم كنيسة الدير منذ تنيح (توفى) كاهنها الراهب قبل أعوام،انتظارا لرسامة كاهن آخر من الرهبان. الرسامة تكون فى كنيسة أنطاكية التى يتبعها هذا الدير"()، نجد شبيهاً لهذا الوصف فى "اسم الوردة " حينما يؤكد الراهب "أدسو" أنه يكتب مخطوطه وقد هرم سنه فى إحدى قاعات الكتابة بصومعته، وقد كانت القاعة باردة وتؤلمه أصابعه()  .

2- بوابة المدينة :

     إن تيمة الرحلة التى يقطعها الراهب من مكان إلى آخر فى كل رواية تيمة متكررة وثابتة، فهيبا فى "عزازيل" يرحل من صعيد مصر – محل إقامته – شمالاً إلى الإسكندرية بهدف تعلم الدين والطب لتبدأ هنالك سلسلة من مراحل معاناته مع الغواية، ومع جماعة المسيحيين المتشددين، الأمر الذى جعله يقررالرحيل مرة أخرى إثر مقتل "هيباتيا" العالمة السكندرية الجميلة شمالاً مرة أخرى إلى بيت المقدس، ثم ثالثة شمالاً إلى دير حلب . الأمر نفسه نجده مع الراهب بافنوس فى رواية "تاييس"، إذ يرحل أيضاً من مكان إقامته بجنوب مصر متجهاً شمالاً إلى الإسكندرية بهدف مغاير وهو هداية الممثلة تاييس بالإسكندرية . وفى "اسم الوردة" يذكر الراهب "أدسو" رحيله هو الآخر في إيطاليا بصحبة أستاذه "غوليالمو" إلى دير مالك بإحدى نواحى إيطاليا .

على هذا النحو أفسحت الرحلة لكل من الرهبان الثلاثة أن يصفوا رحلتهم، ومن قابلهم فى أثناءها، حتى وصولهم إلى مكان يمثل منتهى رحلتهم،مكان إقامتهم الاختيارية، وعند لحظة الوصول هذه يبدأ الراهب فى وصف المكان الذى يدخله لأول مرة، وهنا تعلو درجة التشابه إلى حد التطابق بين كل من عزازيل وتاييس، فكلتا الروايتين تحتويان على وصف الراهب الباب الذى دخل منه إلى الإسكندرية لأول مرة فى حياته . يدخل هيبا إلى مدينة الإسكندرية من باب القمر الغربى، ويدخل بافنوس من باب الشمس، ولا ينتهى الأمر عند هذا التشابه، بل يصل إلى ذروته حينما يتلاقا الوصفان  ويتقاطعان، يقول هيبا" وعرفت أن علينا الدوران لمسافة طويلة، لندخل المدينة من الناحية الغربية، من بوابة لها يسمونها باب القمر ! وهكذا عاد اللون الأصفر ليطغى على الأرض ثانية، بعدما اكتسى مع مغيب الشمس حمرةً خفيفةً .. بعد ساعة سير، بدت لنا الإسكندرية من بعيد كالحلم . قال لنا الفلاح الفصيح  باستخفاف، وهو يلكز بطن حماره  بكعبيه، وينطلق : سألحق الأبواب قبل الغروب، فإني أبيت داخل المدينة !

كان كاهن الكنيسة الكبيرة في أخميم قد حكى لي أن الإسكندرية من يوم إنشائها ولزمن طويل  تال، لم تكن تسمح بمبيت أمثالنا نحن المصريين داخلها . ثم تغير الأمر مع مرور الأيام، فصارت المدينة بعد انتشار ديانتنا مفتوحة للجميع .مازلت أذكر هيئة الكاهن وهزة رأسه وهو يضيف يومها، بالقبطية الصعيدية، ما معناه : سيأتي اليوم الذي لن نسمح فيه للوثنيين، ولا لليهود،بالمبيت . لا في الإسكندرية، ولا في المدن الكبيرة كلها .. غداً سوف يسكنون جميعاً خارج كل الأسوار، وتكون المدن كلها لشعب الرب!

وكنت أعرف أيضاً، أن خارج أسوار الإسكندرية مساكين يسكنون بيوتاً فقيرة منذ عشرات السنين . لكنني لما وصلت هناك، أدهشتني كثرة الخيام التي تحتضن أحفاد المطرودين كل ليلة، ووفرة البيوت الحقيرة التي بناها الفلاحون المصريون غربي سور المدينة .. لما وصلنا عندهم تفرقت الجماعة من حولي، من دون أن يقول أحد لأحدٍ شيئاً . ووجدت نفسي تائهًا بين مئات المساكين من خراف الرب، المصطخبين حول قدور تغلي طعام العشاء . بين مقارهم الفقيرة، أطفال تتصايح لرؤية الآباء المكدودين العائدين من يوم عمل شاق ؛ وبين الجموع يجوس حراس متأففون، ورهبان تتدلى لحاهم الشعثة على نحو لافت، ولايبتسمون لأحد.

صاحب الخيمة الكبيرة القائمة على أعمدة من طوب رديء، زعق في طالباً أجرة المبيت، فأسرعت بدفع المطلوب . المبيت عند سور الإسكندرية مكلف للغرباء.........

خرجت من الخيمة باحثاً عن بعض الماء لأمسح وجهي، فلم أجد . كان الناس مشغولين ببداية يوم آخر، شاق، من أيامهم .. في ساعة مبكرة من الصباح، يعرفونها، اتجهوا إلى بوابة  المدينة . أدهشني أن البوابة لم تكن خلال الليل مغلقة !بل هى لاتغلق أبداً، ومصراعاها المفتوحان مطمور أسفلهما برمال متحجرة وصدأ ملحى، بما يدل على أنها لم تغلق منذ سنوات بعيدة .. فلماذا يبيت هؤلاء الناس خارج الأسوار ؟

أخذني نهر الفقراء الدافق نحو البوابة . كانوا يسيرون بخطى مثقلة، لم يتدافعوا . مشيت معهم تاركاً نفسي لتيار النهر البائس المستسلم لمشيئة الرب . وجوه الداخلين شاحبة، ملابسهم قديمة ونظيفة، تتخللهم غبطة خفية لاتشي هيئتهم بها .. تحققت لوهلة خاطفة، بأن هؤلاء جميعاً، مسيحيين ووثنيين، هم أبناء الرب

كان الحراس عند البوابة، يحدقون في الداخلين بإمعان . لم ينعوا أحداً، مع أن وقفتهم المتحفزة كانت توحى بأنهم على وشك المنع . سور المدينة عال، لم أر قبله سوراً بمثل ذاك العلو . كان فوقه حراس آخرون، ينظرون إلى ناحيتنا بكسل . بوابة السور تكفي لدخول كثيرين دفعة . في الباب المفتوح باب أصغر، يكفي لدخول شخص واحد .  يدل صدأ حوافه على أنه أيضاً، لم يفتح منذ سنوات بعيدة .. لا أتذكر أنني رأيت ابتسامة واحدة، يوم دخولي من بوابة القمر .

الإسكندرية هائلة . عظيمة الاتساع . امتصت شوارعها نهر الداخلين بيسر، فكأنهم نمل يدلف في شق صخرة عظيمة . الطرق مبلطة بأحجار صغيرة، رمادية، وعلى حواف معظم الشوارع أرصفة . عرفت يومها معنى كلمة رصيف التي كان القس الدمياطي، معلمي فى نجع حمادي، يذكرها خلال كلامه . الشوارع نظيفة، كأنها عروس تغتسل كل ليلة، فتصبح مستبشرة . الكادحون، يغسلونها كل ليلة، ويبيتون خارج أسوارها . لم أر في ذاك الصباح الباكر، كثيراً من سكان المدينة . في بلادي الأولى، كانوا يقولون لنا إن الإسكندرانيين ليسوا مثلنا، فهم يحبون السهر بالليل، ولا يقومون من نومهم مبكرين.

لم تدهشني ضخامة بيوت الإسكندرية وكنائسها، فقد رأيت  في مصر من المعابد القديمة ماهو أضخم كثيرا من تلك البنايات . لكن الذي أدهشني في أنحاء المدينة، كان الدقة والتأنق :  الطرقات، الجدران، واجهات المنازل، النوافذ، المداخل المزروعة، الشرفات المحفوفة بالورود ونباتات الزينة .. المدينة كلها دقيقة الصنع، ومتأنقة . غير أن هذا الجمال المنبث في كل مكان،  لم يكن يشعرني بأن الإسكندرية هى مدينة الله العظمى كما يسمونها .. رأيتها أقرب إلى :مدينة الإنسان !

أيها الجنوبي، هذا طريق الإستاد . فهل أنت قاصد إليه، أم إلى حي المصريين؟

لاياخال، أنا ذاهب إلى البحر

البحر في كل مكان ! عد من حيث أتيت، ثم اتجه يساراً واعبر الشارع الكانوبي، وواصل السير شمالاً،واجعل كنيسة بوكاليا على يسارك، وسر حتى تجد البحر .. البحر هو الذي سيجدك .

شكرت المرشد المتطوع، حارس المنزل، واتجهت كما وصف . لماذا لم يتركني أهيم كما أشاء وكما شاء لي الرب."()

أما بافنوس فى رواية تاييس فيحكى عنه الراوى بضمير الغائب قوله"وهكذا سار على ضفة النيل اليسرى , بين البقاع الخصبة الآهلة، حتى وصل بعد أيام  الى الاسكندرية، التى لقبها الإغريق بالجميلة والذهبية، وكان الفجر قد تبلج منذ ساعة فلاحت له المدينة الرحبة العظيمة من مرتفع، تتلآلا قبابها فى ضباب الصباح الوردى، فوقف وضم ذراعيه الى صدره، وقال : - إذن، هذا هو المقر البديع الذى تمخض بى فى الخطيئة ! وهذا هو الهواء الذى منه استنشقت العطور السامة ! وهذا بحر الشهوات الذى فيه سمعت أغانى بناته ! هوذا مهدى الجسدى وموطنى العالمى ! وأنه فى نظر الناس لمهد الورد والزهر، ووطن المجد والفخر، ليس عجيبا أيتها الأسكندرية أن يعزك بنوك كأم رءوم، وقد نشأت فى أحضانك ذات الرواء وشببت فى ربوعك ربة البهاء، بيد أن الزاهد يستخف بالطبيعة، والصوفى يزدرى الظواهر، والمسيحى ينظر إلى وطنه الدنيوى كأنه منفى، والراهب يعرض عن الدنيا ! أيتها الاسكندرية ! لقد حولت قلبى عنك، فأنا  أكرهك وأمقتك لغناك، لعلمك، لذاتك، لجمالك ..... استمر فى طريقه ودخل المدينة من باب الشمس الحجرى الشامخ، وكان على تساميه وخيلائه يتربع فى ظله الفقراء البائسون يستجدون المارة وهم يتأوهون أو يبيعونهم التين والليمون ...... ثم  سار عن يمين أروقة معبد السرابيس الفخمة، فى طريق محفوف بالقصور المنيفة التى كانت كأنها تنطف عطرا . وهناك أشجار الصنوبر والإسفندان شامخة برؤوسها فوق الطنون الحمراء وقواعد التماثيل المذهبة , ورأى من خلال الأبواب تماثيل من النحاس فى أروقة من المرمر، وخيوطا من الماء النافر ترقص بين أغصان الشجر، ولم يك ثمة صوت يكدر صفو سكون هذه الوحدة الزائفة، سوى أنغام ناى بعيدة، فوقف الراهب أمام منزل صغير بديع التقسيم قائم على أعمدة  كأنها لحسن صنعها فتيات، ومزدان بتماثيل نصفية من البرونز لأشهر فلاسفة اليونان، عرف بافنوس منهم أفلاطون وسقراط وأرسطو وأبيقور و رينون ."() .

   وهنا يتجلى لنا الدور الفنى الذى يحاول المؤلفان أن يلعباه على القارئ حينما يوهمانه بواقعية الحدث من خلال وصفهما لمكان واقعى جغرافى فيتركانه – أى القارئ الذى لديه تصور طبوغرافى للمكان السكندرى القديم – تحت تأثير هذا الدور() ، إن تصوير مكان جغرافى واقعى داخل الرواية وذكره باسمه"يعمل على إيقاظ حس المتلقى، فالمتلقى يبدأ فى صنع مكان متخيل سواء قدم النص إشارات مكانية أو لم يقدم، وظهور عنصر جغرافى باسمه تكون له فاعلية ما يشبه الإلتفات فى البلاغة العربية"()، وينسحب الأمر على كل ما تضمنته رواية "عزازيل" من وصف للتماثيل اليونانية الوثنية بالإسكندرية وقصورها وشوارعها وبحرها ..... إلخ، وهكذا نجد أن المكانين الواقعى والفنى يتبادلان ويتداخلان ويتماهيان :"فيكون كلاهما فى حالة اعتماد متبادل أو تضامن وجودى"() ، أقول هذا بالنسبة لمكان واقعى جاء وصفه فى الروايتين، لأن هناك دوراً آخر يلعبه وصف المكان السكندرى هنا، إنه تحريك مخيلة القارئ – خاصة الذى قرأ عن الإسكندرية القديمة أو شاهد آثارها الحالية – فيرسم للمكان الذى يعرفه صورة متخيلة فى مقابل أخرى متذكرة عند المبدع"فالصورة المتخيلة إنما تتجلى فى كون الموضوع يظهر غائباً"Absent"بوجه من الوجوه فى صميم حضرته"Presence"نفسها وما يميز الصورة المتخيلة عن الصورة المتذكرة إنما هو بناؤها اللاعقلى، فإن موضوع الذاكرة له واقعيته فى صميم الماضى، وهو يتمتع بفردية الشئ المعطى"donne""()  

3-الدير :

  الدير فى كتب تاريخ الكنيسة مكان له دوره التاريخى والاجتماعى والثقافى وكذا الاقتصادى وهو دور لا يمكن تجاهله"فالدير كان في كثير من الأحوال مركز الأعمال كالتبشير بالمسيحية في بلاد وثنية، و مالكاً للأراضي المفتقدة إلي الإصلاح و الزراعة، و مقراً للتعليم و التوفر علي العلم , و مجمعاً للفنون و الحرف و الصناعات التي تتطلبها مؤسسة كبيرة مستقلة بشئونها و حاجاتها الكثيرة و مخزن المخطوطات النادرة و حافظها، وهو كذلك مودع المسائل السياسية الخارجية منها و الداخلية، و إدارة استصلاح الأراضي البور, و سبيل إيصال المدنية إلي قفار الهمجية و الوثنية"() ، ومن البديهى أن يكون ( الدير ) بوصفه مكاناً له حضوره فى مثل هذه الروايات التى يروى فيها الراهب اعترافاته من داخل صومعته بأحد الأديرة التى لاشك أنه محل إقامته الجبرية أو الاختيارية، بعدما رحل إليه مختاراً، طالباً فيه سكينة النفس أو العلم أو غيرهما، بحيث يمثل الدير فى مثل هذه الروايات مكاناً مركزياً، وأيقونة لها ثباتها فى هذه الروايات، أيقونة لها محمولاتها النفسية وارتباطاتها الزمنية والمكانية لدى الراوى، ترتبط بإحساس ما"يعتم فى أعماق الذات"() ، ناهيك بأثر ذكر مكان بعينه على القارئ وما يثيره داخله من مشاعر وأحاسيس، فعادة "يرتبط المكان على مستوى الرمز ببعض المشاعر والأحاسيس، بل ببعض القيم السلبية أو الإيجابية، فهنا أماكن محببة هى بمثابة المرفأ والملاذ أهمها البيت بلا شك، رغم أنه مكان مغلق، وهناك أماكن مكروهة"() ، وهنا فإن الدير       – وإن كان مكاناً مغلقاً كالبيت – يعنى لدى الراهب ما لا يعنيه عند غيره إحساساً ووجوداً، فرهباننا الذين يفرون من خطيئاتهم وما تعرضوا له من غوايات لايكون الدير بالنسبة لهم إلا ملاذاً آمناً فى كنف الرب، يستعيدون فيه سكينتهم باعترافهم أمام الورق، إنه بالجملة وبالنسبة لهم وكما يقول أحدهم "مكان يكثف الوجود فى حدود تتسم بالحماية"() . ووضعية السارد / الراهب بالنسبة للمكان / للدير هى وضعية ( السارد الزائر )، الذى يهتم بوصفه من خارجه ؛ ومن داخله . وعن هذا النوع من الساردين يقول أحدهم "سارد زائر "وهو الذى يعايش مكاناً جديداً ربما يدخله لأول مرة وتنتقل هذه المعايشة للمتلقى ولهذه الوصفية جمالها إذ يهتم السارد برسم جغرافية المكان محاولاً منحه الصفات المميزة والفارقة المحددة"() . وهذا ما نجده مائذا فى رواياتنا، إذ يتعرض "هيبا" فى "عزازيل" لوصف الأديرة، التى حط فيها زائراً قبل أن يتحول عنها إلى غيرها من كنيسة الإسكندرية إلى كنيسة القيامة ببيت المقدس إلى دير حلب، ثم إلى كنيسة أنطاكية، ثم العودة إلى دير حلب مرة أخرى ليتحول إلى سارد مقيم إلى آخر لحظة السرد حيث يكتب اعترافاته، نختار من هذا وصفه لدير حلب الذى رحل إليه من أورشليم بتوصية من الراهب نسطور حينما التقاه بالقدس ونشأت بينهما صداقة وتوافق، أو قل انسجام فى العقيدة والفكر، يقول واصفاً دير حلب"يقع الدير على رأس تله مرتفعة، تحيط بها تلال متفرقة وسهول . بوابته فتحة فى جدار قديم لا يحيط بإحكام، بالساحة المتناثر فيها أعمدة رومانية قديمة، بعضها قائم عال، والبعض الآخر متهدم متناثر القطع . مدخل الدير من الناحية الجنوبية، حيث المرتقى الصعب للتلة العالية، أما النواحى الثلاث الأخرى، فلا مرتقى لها أصلاً  ولا انحدار، فهى انحدار حاد يبدو معه الدير، كمثل شرفة عالية تطل على آفاق لا يحدها البصر شمالا وشرقا وغربا . تحت الدير من ناحية الجنوب، قرية صغيرة، بيوتها متناثرة على غير نظام، قرابة الثلاثين منزلا، تنام جميعا تحت التلة . عند سفح المرتقى الصاعد إلى البوابة . من الناحية اليمنى، غرف من تلك التي يسكنها الجند . عرفت في اليوم التالي لوصولي، أنها معسكر لحامية رومانية عددها عشرة من جنود الرومان، يقيمون تحت الدير منذ سنين لحمايته ..........  

وعند سفح المرتقى من الناحية اليسرى، حيث التلة أقل انحدارا، مساحات خضراء على هيئة مصاطب عريضة من الأرض، بقلبها كوخ مهجور. تدل الأشجار الجافة المحيطة به، وشجيرات العشب اليابس المتناثرة حوله وأعلاه، على أن هذه الأرض كانت تزرع في الماضي، على النسق البابلي القديم المعروف باسم : الحدائق المعلقة . ................

الساحة الفسيحة للمدخل، يحدها من الناحية الغربية بناء قديم مستطيل، من الحجر الأبيض، يبدو للداخل كأنه منفصل عن الدير . هو المبنى الذي سأصيره بعد استقراري هنا، مكتبة . . على يسار الداخل، من الناحية الشرقية، تقوم عدة مبان متجاورة : الكنيسة الكبيرة، ثم مخزن كبير، ثم مبنى من طابقين ظاهر من هيئته أنه صوامع للرهبان تحتها، في الطابق الأول، مضيفة ومطبخ صغير وقاعة كبيرة للطعام . في الجهة المقابلة لهذه المباني، حظيرة دواجن بجوارها إصطبل مسقوف بجريد النخيل، فيه ثلاث حمير وكثير من الماعز وخراف الضأن . وعلى يسار العابر  للساحة، مساحة خالية تتناثر فيها أحجار قديمة، ورؤوس أعمدة متكسرة، وينمو نبات العوسج ذي الشوك الوخاذ . في هذه الناحية الشمالية من الدير، تقوم الكنيسة الصغيرة . بجوارها غرفة منفردة واسعة، عرفت للوهلة الأولى أنها صومعة رئيس الدير .

في أقصى الساحة من الناحية الشرقية مبنى كالصندوق المغلق، كبير وغامض، يسمونه هنا الحصن . المبنى يرتفع بمقدار ثلاثة طوابق، غير أنه يخلو تماما من النوافذ والأبواب . فهو جدار أملس ليس فيه إلا كوة صغيرة بأعلاه، بالكاد تكفي لدخول شخص واحد، منحنيا، إذا صعد إليها مرتقيا درجات السلم المتدلي من الكوة العالية . السلم مصنوع من الحبال المجدولة والدرجات الخشبية، بحيث يمكن طيه عند اللزوم . سقف المبنى على هيئة قبة عريضة حادة الانحدار من كل الجوانب، وملساء بحيث لا يمكن الوقوف عليها  والاستقرار فوقه").

     وفى "اسم الوردة"، يبدأ السارد منذ اليوم الأول فى وصف هندسى ودقيق للصرح الذى بنى عليه دير مالك، الذى يؤطر أحداث الرواية يقول واصفاً الحصن الذى بنى عليه الدير من خارجه :   "كانت بناية مثمنة الزوايا تظهر من وكأنها رباعية الأضلاع ( صورة تامة الكمال تعبر عن ثبات ومناعة مدينة الله ) تنتصب جوانبها الجنوبية على الرحبة التى أقيم فوقها الدير، بينما كانت الشمالية منها تبدو وكأنها نشأت  من الجبل نفسه وتتعرق منه عموديا . أعنى أنه، فى بعض النقاط، تظهر الصخور من الأسفل، وكأنها تتعالى نحو السماء لتصبح على ارتفاع ما برجاً وقلعة، لا فرق بينهما في اللون وفى المادة ( من صنع عمالقة لهم ألفة كبيرة بالأرض وبالسماء ) . ثلاثة صفوف من النوافذ  تدل على النسق الثلاثى الذى تمتاز به تعليته، مما يجعل ما هو مربع على الأرض من الناحية المادية مثلثاً في السماء من  الناحية الروحية . وكلما ازاداد الاقتراب منه تبين أن الشكل  المربع يولد  في كل زواية من زواياه، برجاً مسبع الزوايا خمس منها تمتد نحو الخارج - أربعة أضلاع إذن من المثمن الأكبر تولد أربعة مسبعات أصغر، تظهر من الخارج في شكل مخمسات . ومن لا يرى روعة انسجام كل هذه الأرقام المقدسة التى يكشف كل منها معنى روحياً على غاية من الدقة ! ثمانية هو رقم كمال كل مربع، وأربعة هو عدد الأناجيل، وخمسة عدد جهات العالم وسبعة عدد هبات الروح  القدس . أما عن الحجم والشكل فقد كان الصرح مشابهاً لما رأيت فيما بعد بجنوب شبه الجزيرة الإيطالية مثل كستال أورسينى وكستال دل مونطى، ولكن من حيث  موقعه المنيع كان مهيباُ أكثر منهما، وقادراً على بعث الرهبة في نفس  المسافر الذى يقترب منه شيئاً فشيئا"()،

إن اعتماد الراوى فى وصفه المكان على إبراز البعد الهندسى والمعمارى لعمل مقصود، يعمد إليه الراوى لتشكيل لوحات فنية وصفية تعكس بدورها أبعاداً حضارية وتاريخية ومعرفية ()، كما تصنع هذه اللوحات الفنية استراحة، يتوقف عندها السرد تماماً، ليواصل بعد ذلك سرعته . ويواصل الراهب أدسو وصفه لكنيسة الدير من الداخل، وما نقش عليها من تصاوير وكأننا معه أمام جدارية فنية عظيمة، ينقلها الراوى موقفاً سرده، مقدماً لوحة وصفية هائلة التنوع والجمالية، ونحن نعتذر لطول هذا المقطع السردى الوصفى، غير أننى تعمدت أن يشاركنى القارئ فى الوقوف على مقدرة الراوى فى إدهاش القارئ بنقله اللوحة الفنية بمنمناتها إلى المخيلة عبر اللغة يقول "لم تكن الكنيسة عظيمة مثل كنائس أخرى رأيتها من بعد في سترازبورغ وشاتر وبامبارغ وباريس . كانت أشبه بتلك التي شاهدتها في إيطاليا، لا ترتفع شاهقة نحو السماء بل تنتصب ثابتة على الأرض، وغالبا ما يفوق عرضها ارتفاعها . غير أن المستوى الأول كان ينتهي، شبيها في ذلك بقلعة، بصف من الشرفات المربعة، وفوق ذلك المستوى ترتفع بناية ثانية تبدو برجا أكثر من كونها كنيسة ثانية متينة، ويعلوها سقف مدبب قد ثقبته نوافذ خالية من الزخارف .  كانت كنيسة  ديرية وطيدة كما كان أسلافنا يبنون في بروفانسا ولونغدرق، وبعيدا عن الجسارة والمبالغة في الزركشة اللتين يتميز بهما الأسلوب الحديث، ولم تتزين إلا منذ زمن قريب على ما أظن، فوق الخورس بمسلة مصوبة بجسارة نحو قبة السماء .

وكان عمودان مستقيمان وعاريان يحيطان بالمدخل الذي يبدو لأول وهلة وكأنه عقد واحد كبير، ولكن من العمودين كانت تنطلق فتحتان تعلوهما أقواس أخرى متعددة وتقودان النظر، فكأنه يغرق في لجة، إلى البوابة الحقيقية، التي كانت تتراءى في العتمة، تعلوها لوحة جبهة كبيرة، وتسندها من كل ناحية عضادتان وفي الوسط ركيزة منحوتة تفصل المدخل إلى فتحتين، يسدهما بابان  من السنديان مقويان بالحديد . في تلك الساعة من النهار كانت أشعة الشمس الشاحبة تسقط شبه عمودية على السقف ويصل النور جانبيا إلى الواجهة دون أن ينير لوحة الجبهة ؛ وهكذا، ما أن تجاوزنا العمودين، حتى وجدنا نفسينا فجأة تحت قبة الأٌقواس شبه الغابية المتفرعة من صف الأعمدة الصغرى التي يعززها تعادل العضادتين . وأخيرا، وعندما تعودت الأعين على الظلمة بهر نظري فجأة حديث صامت للحجارة المنحوتة، مفتوحا مباشرة لنظر ولخيال أي كان ( لأن الرسم هو أدب العامة) وأغرقني في رؤيا لا يزال يصعب على لساني وصفها .

رأيت عرشا وضع في السماء عليه جالس، وكأن وجه الجالس صارما وباردا وعيناه المحدقتان ترميان بلحظهما بشرية دنيوية وصلت إلى نهاية مطافها، وكان شعره ولحيته المهيبة يسقطان على وجهه وعلى صدره كأنهما مياه نهر، تتفرع جوانبها متساوية ومتوازنة على الجانبين . وكان التاج الذي يحمله على رأسه مرصعا بالميناء والأحجار الكريمة، والقميص الإمبراطوري الإرجواني يسقط من حوله في دورات رحيبة على ركبتيه، موشحا بالتطريز والتخاريم بخيوط  من الذهب والفضة . وكانت اليد اليسرى، ثابتة على الركبتين، تمسك كتابا مختوما، بينما كانت اليمنى مرتفعة في إشارة لا أدرى إن كانت مباركة أو متوعدة . وكانت تضيء الوجه هالة صليبية مزهرة ذات جمال مريع، ورأيت حول العرش وفوق رأس الجالس قوس قزح من الزمرد يتألق . وأمام العرش، تحت ساقي الجالس، يسيل بحر من الزجاج، وحول الجالس، وحول العرش وفوق العرش رأيت أربعة حيوانات مريعة بالنسبة إلي أنا الذي كنت أنظر إليها ذاهلا ولكنها كانت وديعة ومسالمة جدا بالنسبة إلى الجالس وكانت تسبح بحمده دون انقطاع .

ينبغي أن أقول أنها في الحقيقة لم تكن كلها مفزعة، لأن الرجل الذي كان على شمال ( وعلى يمين الجالس ) بدا لي وسيما ولطيفا وكان يمد كتابا . ولكن في الجانب المقابل بدا لي نسر رهيب فاغرا منقاره، وكان ريشه المزئبر في شكل درع، وكانت براثنه قوية وجناحاه العظيمان مفتوحين . وعند قدمي الجالس، تحت الصورتين الأوليين، صورتان أخريان لثور وأسد، وكل من الوحشين يشد بين مخالبه وحوافره كتابا، وكان الجسم موجها نحو خارج العرش بينما الرأس موجها نحو العرش، كأنما الكتفان والرقبة ملتوية في اندفاع شرس، والجوانب خافقة، وكأن أعضائها أعضاء حيوان يحتضر، فاغر الشدقين وينتهي ذيلاهما الملتفان والمعقوفان كالحية بألسنة من لهب . وكان الوحشان مجنحين ومتوجين كلاهما بهالة، ورغم مظهرهما الرهيب لم يكونا من مخلوقات الجحيم بل من مخلوقات السماء، وإن ظهرا مروعين فلأنهما يزأران خشوعا للقادم الذي سيحاسب الأحياء والأموات .

وحول العرش، بجانب الحيوانات الأربعة وتحت قدمي الجالس، كان يتربع أربعة وعشرون شيخا على أربعة وعشرون كرسيا، كأنما يظهرون من خلال شفافية مياه بحر البلور، وكانوا يملؤون تقريبا مجال الرؤية كلها، تتبع تركيبتهم هيكل لوحة الجبهة المثلث،مرتفعين من قاعدة تتكون من سبعة وسبعة، ثم ثلاثة وثلاثة، فاثنين واثنين، مرتدين أقمصة بيضاء وحاملين تيجانا من الذهب منهم من كان يمسك بزهرة بنفسج ومنهم من كان يحمل كأس عطر، وكان واحد منهم فقط يعزف، بينما كان الآخرون منخطفين في وجد، ملتفتين إلى الجالس يمجدون خصاله، وأعضاؤهم هي الأخرى ملتوية كأعضاء الحيوانات حتى يتسنى للجميع مشاهدة الجالس ولكن ليس بصفة حيوانية بل بحركات رقصة وجدية ـ كما يمكن أن نتصور رقصة داود حول السفينة ـ بحيث أينما وجدوا تذهب مقلة أعينهم، ضد القانون الذي يحكم قامة الأجسام، نحو نفس النقطة الساطعة، آه يا لتناسق ذلك الاستسلام وذلك الاندفاع، يا لتلك الأوضاع المصطنعة والرشيقة مع ذلك، في تلك اللغة الروحية التي تنطق بها أعضاء تحررت بأعجوبة من ثقل المادة الجسدية، يا لهذه المجموعة المرسومة بالقداسة في صورة كنهية جديدة، كأن ريحا عاتية عصفت على تلك المجموعة المقدسة، فهي نفث حياة وحرارة انشراح وتهليل مسبح تحول بأعجوبة من صورة إلى صورة .

أجساد وأعضاء سكنتها الروح وأنارها الوحي فوجوهها مضطربة من الاندهاش، ونظراتها ثملة من الحماس ووجناتها ملتهبة من الهيام وحدقاتها متسعة من الطوبى، وقد صعق أحدهم ارتياع لذيذ ، وخرقت الآخر لذة مريعة، منهم من تبدل مظهره من الإعجاب ومنهم  من تجدد شبابه من الغبطة، وإذا بهم ينشدون بسيماء وجوههم وبرفاف أرديتهم وبتعبير أعضائهم وتوترها، أنشودة جديدة تفتحت لها شفاههم بابتسامة حمد أزلية . وعند أقدام الشيوخ، وفي كل قوس فوقهم، وفوق العرش وفوق مجموعة الأربعة، طرائد متطابقة مرتبة بشكل يصعب على العين التفرقة بين الواحدة والأخرى لحكمة الفن الذي جعلها كلها متناسبة بعضها لبعض، متساوية في اختلافها ومختلفة في وحدتها، فريدة في تنوعها ومتنوعة في تطابق مجموعتها، في انسجام رائع لأجزائها مع عذوبة أخاذة في الألوان، آية في توافق أصوات مختلفة وتناغمها، مجموعة رتبت حسب أوتار قيثارة، قربى في اتفاق وتآمر مستمرين لقوة عميقة وداخلية قادرة على تحقيق المعنى الموحد في نفس تعاقب المعاني الملتبسة، زخرفة ومواجهة لكائنات طورا منقوصة وطورا غير منقوصة، من عمل متيم تحكمه قاعدة سماوية ودنيوية في نفس الوقت ( وثاق وصلة ثابتة للسلم، والحب، والفضيلة، والقانون، والسلطة، والنظام، والمصدر، والحياة، والنور، والإشعاع، والجنس والصورة )، اعتدال متعدد ومشع لإشعاع الصورة فوق الأجزاء المتناسبة للمادة، هي ذي كل الأزهار تتشابك والأوراق والدوالي، والعوسج وأعذاق كل النباتات التي تتزين بها حدائق الأرض والسماء، من بنفسج وقصاص وسعتر وزنبق وحناء ونرجس وقلقاس وقنتوس وغار ومر ونباتات فواحة.

وبينما كادت تنفجر روحي في ترتيل جذل، وقد سحرها ذلك الائتلاف بين محاسن دنيوية وعلامات سماوية عظيمة، إذ وقعت عيني وهي تتبع نسق الشموس المزهرة المتناسبة الموجودة عند أقدام الشيوخ، على أشكال تكون في التفافها شيئا واحدا مع الركيزة الأساسية التي تسند لوحة الجبهة . ماذا كانت وما هي الرسالة الرمزية التي تبلغها تلك الأزواج الثلاثة من الليوث المتشابكة في شكل صليب موضوع بالعرض، حابية كالأقواس، مركزة قوائمها الخلفية على الأرض ومستندة بالأمامية على ظهر الرفيق، ولبدتها منفوشة بدوائر ثعبانية الشكل، وأشداقها مفتوحة في زمجرة متوعدة، تشدها إلى جسم الدعامة نفسه طينة، أو عش، من العطفات ؟ وهدأت خاطرى، بوجودهما هناك إلى جانبي الدعامة وكأنهما تريدان كبح طبيعة الليوث  الشيطانية وجعلها إشارة رمزية إلى الأشياء العليا، صورتان بشريتان، طويلتان بشكل غير طبيعي، بقدر طول العمود نفسه، وتواجههما بتوازن صورتان أخريان على العضادتين المزخرفتين بتشخيص على جانبيهما الخارجيين حيث كانت لكل من البابين من السنديان قوائمه : كانت إذن أربع صور لشيوخ ، تعرفت من خلال توابعهم على أنهم بطرس وبولس وإرميا وأشعيا، أجسامهم ملتوية وكأنهم في حركة رقص، وأيديهم الطويلة النحيفة مرفوعة وأصابعهم ممتدة كالأجنحة، وكالأجنحة كانت اللحى والشعر تحركتها ريح نبوية، وكانت طيات الثياب طويلة جداً وتحركتها سيقان طويلة جداً هي الأخرى فكانت تخلق أمواجاً ودورات، مواجهه لليوث ولكن في نفس مادة الليوث وبينما كان نظرى المفتون ينصرف عن تلك المجموعة الغامضة من أعضاء مقدسة وعضلات جهنمية، إذا رأيت حذو البوابة، وتحت الأقواس العمقية مشاهد أخرى مفزعة لا مبرر لوجودها فى ذلك المكان المقدس إلا لقوتها الرمزية والمجازية أو للدرس المعنوى الذى تلقنه، وكانت منحوته أحياناً على أكتاف الأعمدة فى الفرجة الموجودة بين الأعمدة النحيفة التى تسندها وتزخرفها وأحياناً فوق النباتات الكثيفة التى تزخرف تيجان الأعمدة ثم تتفرغ من هناك نحو القبة الغابية ذات الاقواس المتعددة .

رأيت  أنثى فاجرة عارية ومجردة من اللحم تنخرها ضفادع دنسة، وتمتصها ثعابين، وهى تجامع وحشاً منتفخ البطن له قوائم عنقاء يغطيها شعر أشعث وكان شدقة الفاحش يعلن هلاكه . ورأيت بخيلاً، جامداً جمود الموت على فراشه المزخرف بأعمدة فاخرة، وقد بات فريسة، لاحول، لها، لجمع من الالباسة، كان أحدها يقتلع منه فمه، مع حشرجه الموت، روحه فى شكل رضيع (لن يحيا،واحسرتاه، أبدا للحياة الأزلية )، ورأيت متكبراً قد استقر  فوق كتفه شيطان غرس مخالبه فى عينيه، بينما كان أكولان يمزق أحداهما الآخر وقد التصق جسداهما التصاقاً كريهاً، ومخلوقات أخرى، برأس تيس وشعر أسد وفم فهد، كانت حبيسة في غابة من اللهب تكاد أنفاسها اللافحة تصل إلى، وحولهم، مختلطة بهم، وفوقهم وعند أقدامهم، وجوه أخرى وأعضاء أخرى،  هنا رجل وامرأة قد أمسك أحداهما بشعر الآخر، وهناك أفعاوان تمتصان  عينا أحد الهالكين، ورجل، بضحكة هازثة، يفتح ببدية المعقوفتين فم هدرة، وكل حيوانات الجحيم قد تجمعت لتحرس وتنوح العرش الذى يواجهها، منشدة عظمتة من خلال هزيمتها: مخلوقات برجلى ماعز، ومخلوقات ذات جنسين ووحوش بأيد ذات سته أصابع وجنيات بحر، وقنطورات وغرغونات، وخطافات وحضونات وتنانين ثعبانية وسنتورات وأوشاق وفهود، وخيامر ووحوش  بوجه كلب تنفث النار من مناخيرها ودانتيريونات، ومخلوقات بعده أذناب ومسوخ كثيفة الشعر وسمندلات وحيات قرنا وثعابين برمائية وحيات ملساء وذوات رأسين مسننه الظهر، وضباع وقنادس وأوزاغ وتماسيح وحيوانات مائية ذات قرون منشارية، وضفادع وعنقاوات وقردة وقردوحيات ومسوخ مهق ووحوش مانتاكورة، ونسور ومخلوقات تشبه الإنسان وسراعيب وتناين وبوم وملكيات، ومتفرعات، ويافرات وأشباح التين وعقارب وعظائيات وحوتيات وأشياق وعظاءات خضراء وأخطبوطات وسلاحف .

فكأن سكان الجحيم قد اجتمعوا ليكونوا رواقاً وغاباً مظلماً وغوراً قاحلاً يسكنه القنوط، أمام مشهد الجالس على لوحة الجبهه، أمام وجهه الملئ بالأمل والوعيد، وأولئك هم مهزومو الأرواجدون أمام الذى سيأتى ليفرق نهائياً بين الأحياء والأموات . وكاد أن يغمى على من تلك الرؤيا، وقد داخلنى الشك إن كنت أجد نفسى فى مكان أليف أم فى وادى الدينونة الأخيرة و ذهلت، وبكثير من العناء تمالكت نفسى عن بكاء، وبدا لى أننى سمعت ( أم سمعت حقاً) ذلك الصوت وشاهدت تلك الرؤى التى صاحبت طفولتى وأنا مبتدئ، وقراءاتى الأولى للكتب المقدسة وليالى التأمل فى دير"مالك"وإذرت قواى الضعيفة جداً والمنهكة سمعت صوتاً قوياً وكأنه صوت نفير يقول" أكتب ما ترى فى كتاب

( وهذا ما أفعله الآن) ورأيت سبعة قناديل من الذهب وبين القناديل واحد يشبه ابن الأنسان، تطوق صدره عصابة من الذهب، وكان رأسه وشعره ناصعين كالصوف الأبيض، وعيناه كأنها شعلتان من نار، وقدماه كأنهما نحاس حام في أتون، وصوته كهير مياه وفيره، وكان يمسك فى يمينه سبع نجوم ومن فمه كان يخرج سيف ذو حدين . ورأيت بابا فتح فى السماء وذلك الذى كان جالساً بدا لى يشباً ويصباً وقوس قزح كان يحف بالعرش ومن العرش كانت تخرج بروق ورعود. وأخذ الجالس في يده منجلاً مشحوذاً وصاح"اضرب بمنجلك واحصد فقد حانت ساعة الحصاد وأينع زرع الأرض، وضرب ذلك الجالس بمنجله وحصد الأرض .

فهمت عندئذ أن الرؤيا لم تكن تتكلم عن شئ إلا عما كان يقع فى الدير، والذى عرفناه من شفتى رئيس الدير المتحفظتين - وكم من مرة عدت فى الأيام الموالية، واثقا من أننى سأعيش نفس الحادثة التى تقصها . وفهمت أننا صعدنا إلى ذلك المكان لنشهد مذبحة إليهية عظيمة.

ارتجفت وكأن مطر الشتاء قد بللنى . وسمعت صوتاً آخر ولكنه هذه المرة كان يأتى من خلفى وكان صوتاً مختلفاً، لأنه صدر من الأرض وليس من وسط رؤياي المشعة، بل بالعكس،قد حطم الرؤيا لأن غوليالمو( عند ذلك فقط تفطنت إلى وجوده)، الذى كان هو أيضاً إلى ذلك الحين غارقاً فى التأمل، استدار كما استدرت أنا.

كان المخلوق الذى يقف وراءنا يبدو راهباً، ولو أن عباءته الوسخة والممزقة جعلته يشبه المتشرد، ولم تكن خلقته مختلفة عن خلائق تلك الوحوش التى شاهدتها لتوى فى اتجاه الأعمدة . ولم يقع لى أبداً فى حياتى ."()

وفى اللوحة الأخيرة التى صورها لنا أدسو لأحدى جداريات دير مالك نلحظ التنوع الهائل   للصور، يقول أحدهم"وتأتى جمالية تشكيلات المكان من تنوعها وما ينتجه من تضاد أحياناً وأيضاً من اختلاف يضفى عليها أبعاداً جمالية واضحة"(). ولا يخفي ما عكسته تلك اللوحة أو المنمنمة من تأثر واضح بما ذكره "دانتي" في الكوميديا الآلهية من صور الجحيم ، تلك التي أضاف إليها " أنبرتو إيكو" من فيض رموزه ودلالاته السيميائية في انسجام ودقة أحالت المقروء إلي مشاهد . الأمر نفسه نجده فى إحدى لوحات رواية تاييس، إذ يرسم لنا الراوى لوحة وصفية رائعة وساحرة لحديقة بيت تاييس، وكهف العذارى فى وسطه، يقول" بيتها وجناتها التى كانت من الشهرة بحيث تضرب الأمثال بها فى المدينة . غرست فى حدائقها الأشجار الغالية التى جلبتها بنفقات باهظة من الهند وبلاد الفرس ، يرويها جدول متفجر وسط صف من الأعمدة المتهدمة الصخور الهائلة المشيدة بيد بناء ماهر ، تنعكس فى بحيرة ترتسم على مرآتها المجاورة التماثيل التى حولها ، وفى وسط الحديقة يقوم (كهف العذارى) الذى يعزى اسمه الى تماثيل ثلاث من النساء مصنوعة من الرخام الملون بمهارة وتفنن ، واقفات عند مدخله ، وهؤلاء النسوة كن قد نضدن ثيابهن ليغتسلن ، والتفتن قلقات خشية أن يراهن أحد وعليهن علامات الحياء ، وكان الضوء لا ينفذ إلى هذا الخدر إلا من خلال طبقات المياه الرائقة التى تحففه وتلونه بألوان قزحية ، وعلى جوانب الحيطان علقت ،كما تعلق فى المغاور المقدسة ، التيجان وأكاليل الزهر والصور المنذورة التى ظهر فيها جمال تاييس وذاع صيته ، وكانت هناك أيضا براقع للمأساة وأخرى للمهزلة ذات ألوان زاهية، وصور تمثل مشاهد مسرحية وأشكالا هزلية أو حيوانات خرافية ، وفى وسط الكهف نصب فوق عمود قصير تمثال صغير لإله الحب " إيروس " مصنوع من العاج صنعا قديما دقيقا عجيبا ، وكان هدية من نسياس ، وثم عنزة من المرمر الأسود واقعة فى حفرة ، يظهر منها بريق عينيها العقيقيتين ، وقد التفت حول ضرعيها ستة جداء من المرمر الأبيض ، وقد همت العنزة بأظلافها ورفعت رأسها الفلطاح كأنما كلت وفرغ صبرها من رضاع صغارها ، وكأنها تود لو يتاح لها تسلق الصخور . وكانت الأرض مفروشة ببساط بيزنطى ، ووسائد مطرزة بأيدى الصفر من أهل كاتاى ، وجلود أسود صحراء ليبيا ، وكان البخور يتصاعد من المباخر الذهبية ، وهنا وهناك أصص من الجزع فيها نبات مزهر ، ووراء ذلك كله ، فى الظل الارجوانى ، تلمع مسامير ذهبية مثبتة فى ذبل " عظم ظهر السلحفاة " سلحفاة هندية هائلة مقلوبة على ظهرها تستخدم كسرير للممثلة . فى هذا المكان ، فى كل يوم ، بين خرير الماء وشذا الزهور ، وعبير العطور ، كانت تاييس تضطجع برخاوة واستسلام ، فى انتظار ساعة العشاء ، تتحدث الى أصحابها، أو تفكر وحدها فى شئون المسرح ، أو فى كر الغداة ومر العشى .)"()

    من ناحية أخرى اتفقت الروايات فى وصف الراهب ذاته – بوصفه هو الآخر فضاءًمكانياً يشغل حيزاً فى الوجود – إذ ظهرت صورة الرهبان النساك ضئيلى الحجم دقيقى الملامح من شدة زهدهم وورعهم، بينما قد يظهر آخرون على النقيض عظيمى الجثة والكرش، وكان هؤلاء غالباً من فئة الرهبان أو القساوسة الذين كانوا على طرف نقيض من الراهب الراوى من حيث العقيدة والفكر والميل إلى البطش والصدام على النحو الذى سيظهر لنا عند الحديث عن الحدث الروائى . وعلى نحو آخر فإن اللوحات الوصفية للصومعة أو للأديرة وغيرها من الأماكن التى تعرض لها الراوى بالوصف الدقيق كان لها أثرها فى تبطيئ سرعة السرد بل توقفه أحياناً، علماً بأن هذه الروايات كان السرد فيها يميل بطبيعته إلى البطء لدرجة الإملال أحياناً، وقد نتفهم هذا عندما نتذكر طبيعة الشكل أو قل الجنس الأدبى الذى تنتمى إليه هذه الروايات بوصفها تتأسس على راو مشارك هو الراهب الذى يحكى أحداثاً استغرق وقوعها زمناً ليس قصيراً وإنما هو زمن حياة الراهب نفسه شاباً وكهلاً .

وأخيرا فأن الروايات قد قدمت لنا فى ذات الوقت صوراً لأماكن تنتمى إلى عدة عصور لايجد الإنسان لها وجوداً الآن إلا من خلال ما تركته من آثار وأطلال دارسة بالمتاحف ولدى الآثريين، أعاد الراوى لها النبض والحياة حينما وصفها فى الرواية، فقدم لنا بذلك ( ألبوماً ) لصور الإسكندرية اليونانية، وإبان انتشار المسيحية فيها، وإيطاليا فى العصور الوسطى وتحديداً فى القرن الرابع عشر الميلادى . الأمر الذى جعل هذه الروايات تسهم فى كشف الأبعاد الحضارية من خلال نماذج مكانية وصفتها .

سادسا بنية الحدث الروائى :

      لم تكتف الروايات الثلاث في بنية متشابهة على مستويات الشكل الروائى والشخوص والزمان والمكان فحسب، بل امتد التشابه والتناص إلى الحدث والموضوع، إذ تتلاقى الروايات فى نص الرسالة الموضوعية، التى تحتويها الأحداث، وهى أحداث لاشك حقيقية سجلتها كتب التاريخ عامة، وتاريخ الكنيسة على وجه الخصوص الذى حفل برصد ألوان من الصراعات الدينية والتاريخية نختار منها نوعين، ثم نختم بما ترتب عليهما من عنف، والصراعان هما :

1- الصراع العقدى .                         2- الصراع الفكرى .

ولاشك أن هذين النوعين من الصراعات هما أهم ما يشكل الموروث الكنسى خاصة، والدينى بوجه عام، وهذا ما تؤكده المدونات التاريخية والدينية والثقافية .

ا-الصراع العقدى :

     العقيدة صلب الدين وركيزته الرئيسة، والاختلاف بين عقائد البشر وديانتهم اختلاف بدهى من سنة الله فى كونه، وقد يمتد الاختلاف العقدى داخل الديانة الواحدة، وكان هذا سبباً مباشراً فى ظهور الفكر الطائفى، إذ تنحاز طائفة إلى مقولات تعتقدها فى الديانة التى تعتنقها ، بينما تنحاز أخرى لمقولات معارضة داخل نفس الديانة، وهكذا تتنوع الطوائف أو الملل أو المذاهب فى كل ديانة. نجد ذلك لدى اليهود، كما نجده لدى المسيحيين والمسلمين .

غير أن الاختلاف فى العقيدة المسيحية ربما ظهر مبكراً عن غيرها من الديانات لأسباب تاريخية متعددة، ليس هذا موضع تتبعه، فمقام ذلك أليق بعلوم ومعارف تاريخ الأديان ومقارنتها، والتاريخ العام، وتاريخ السياسة، والفلسفة ..... إلخ .

لكن الثابت الذى يسجله التاريخ هو أن المسيحية لم يمر عليها أربعة قرون من تاريخ نشأتها إلا وقد نشبت فيها الاختلافات العقدية، وكان للسياسة دور لافت لعبته فى حسم هذه الاختلافات،  خاصة أبان تبنى الإمبراطورية الرومانية المسيحية ديانة لها بديلاً عن الوثنية اليونانية. وكانت طبيعة السيد المسيح وأمه أكبر أسباب ذلك الاختلاف العقدى بين من يقول بناسوتيته ، ومن يدعى ألهويته، وسرعان ما تخبو نار الفتنة فى زمن ظن الناس أنتهاءها وحسمها، لتعود وتتجدد وتشتعل فى مرحلة لاحقة، بظهور رجال دين أو قساوسة جدد، يعيدون الجدل من جديد إلى ذات النقطة السابقة، وكان للسياسة أيضاً حضورها فى كل مرة يتجدد فيها الصراع العقدى المسيحى المسيحي .

     ترصد رواية عزازيل أوائل ظهور هذا اللون من الصراع العقدى تاريخيا ، بوصفها رواية تؤرخ، أو تتخذ من القرنين الرابع والخامس الميلاديين إطاراً زمنياً لأحداثها، يحكيها الراهب الشاب هيبا بعدما دخل الإسكندرية لأول مرة راهباً شاباً مبتدئاً، ولم يكن قد مضى وقت طويل على أول ظهور لهذا الصراع العقدى الذى كاد أن يعصف بالكنيسة، وذلك فى أوائل القرن الرابع الميلادى، فكان أول خلاف مذهبى فى العقيدة المسيحية حول ( التوحيد والتثليث)، فقد اعتقد أحد رجال الدين المسيحيين ويدعى "أريوس" التوحيد، مبطلاً الطبيعة اللاهوتية للسيد المسيح . بينما اعتقد آخر ويدعى "أثناسيوس" التثليث، مثبتاً الطبيعة اللاهوتية للسيد المسيح وقد احتدم الصراع بين العقيدتين، الأمر الذى دفع بالأمبراطور قسطنطين الأول إلى عقد ما عرف  بـ ( مجمع نيقية ) سنة 325م . وفى هذا المجمع المسكونى الأول اعتمد العقيدة الأثناسوسية()، وكان ذلك انتصاراً للكنيسة السكندرية، قرأ هيبا عن هذا كله واستوعبه، لكنه من الملاحظ أنه لم يكن مستريحاً لما آلت إليه الكنيسة بالإسكندرية من عقيدة، لذلك ولغيره – سيأتى – رحل إلى أورشليم طالباً السكينة والمعرفة الحقيقية، وهنالك قابل شخصية مسيحية أتت إلى بيت المقدس للحج، وكان لها أثر بالغ فى إعادة تكوين فكر هيبا وعقيدته أنه الراهب ( نسطور ) الذى يتبع كنيسة أنطاكية . ولقد جرت بينهما حوارات متصلة حول هذه القضية، كوجود أناجيل محرمة وكتب أريوس، ومنذ اللحظة الأولى لصداقتهما حين زار نسطور هيبا فى صومعته مقلباً بين ما يحتفظ به هيبا من كتب، فمن هذه الحوارات يحكى هيبا قائلاً"ثم سألني عن بقية كنزي المخبوء، فأخرجت له الكيس الذي أحفظ فيه النصوص المصرية . راح يسألني عن عناوين الكتب ولفائف البردي  القبطية، فأجيبه، أو أجيبه من قبل أن يسألنى ... بعد ما نظر طويل في الترجمة القبطية لميمر الرحلة المقدسة، الذي كتبه الأسقف ثيوفيلوس السكندري، اكتست ملامح نسطور بالأسى، وأخذه شرود مفاجىء لم أدر له سبباً . قلت، كى أخرجه من شروده :

- ميمر الرحلة المقدسة، كتاب مشهور في مصر . ألم تر أصله اليوناني يا أبت ؟

- رأيته، لكني يا هيبا أفكر في جرأة هذا الأسقف . كيف له أن يحكي عن السيدة العذراء، مريم المبجلة، ويورد عنها الأوصاف والأقوال، غير مستند إلا لدعواه بأنه رآها في منامه"() ، ثم يصل بهما الحوار أقصاه، ليكشف نسطور عن عقيدته ببشرية السيد المسيح "سألت نسطور :

ياسيدي، هل تعتقد أن يسوع هو الله،أم أنه رسول الإله ؟

المسيح يا هيبا مولود من بشر، والبشر لايلد الآلهة ..كيف نقول إن السيدة العذراء ولدت رباً، ونسجد لطفل عمره شهور، لأن المجوس سجدوا له ! .. المسيح معجزة ربانية، إنسان ظهر لنا الله من خلاله، وحل فيه، ليجعله بشارة الخلاص وعلامة العهد الجديد للإنسانية  مثلما أوضح لنا الأسقف تيودور أمس، في مجلسه الذي رأيتك فيه أول مرة"()، ثم يعرض الراوى على لسان نسطور تفصيلاً للخلفية التاريخية والسياسية التى وقفت وراء اعتماد المذهب الأسنسيوسى ومحاكمة أريوس بآرائه . يوضح كيف لعبت الأهواء السياسية دورها فى إرضاء كنيسة الإسكندرية  "الحقيقة ياهيبا، أن الأمر كله تلبيسٌ . فإبليس هو المحرك الرئيس لكل ما جرى قبل مائة عام في مجمع نيقية. أعني إبليس، شيطان السلطة الزمانية التي تغلب سكرتها الناس، فينازعون الرب في سلطانه، ويتمزعون فيما بينهم، فيفشلون وتذهب ريحهم بددا . تغلبهم أهواؤهم،  فيتحامقون ويخالفون روح الديانة، سعياً لامتلاك حطام الدنيا الفانية . ماجرى يا هيبا في نيقية باطل من تحته باطل، ومن فوقه باطل . فالإمبراطور قسطنطين كان متعجلا لإعلان ولايته على أهل الصليب، حتى إنه لم يصبر على دعوته المسكونية للمجمع، إلى حين اكتمال مدينته الجديدة القسطنطينية، فعقد المجمع في القرية المجاورة نيقية التي كانت، لسوء اختيار موضعها تسمى أيامها : مدينة العميان ! وقبلها بعام واحد ٍ، كان هذا الإمبراطور يقضي حياته مشغولاً بأمر وحيد، هو تثبيت سلطانه بالحرب ضد قدامى رفاقه العسكريين . ولما انتهى من حروبه إلى الظفر بهم، أراد الظفر بالولاية الدينية  على رعاياه ، فدعا كل رؤوس الكنائس للمجمع المسكوني، وأدار جلساته وتدخل في الحوار اللاهوتي، ثم أملي على الحاضرين من الأساقفة والقسوس القرارات . مع أنه، فيما أظن، لم يقرأ كتاباً واحداً في اللاهوت المسيحي ! بل إنه لم يكن يعرف اللغة اليونانية التي كان يحتدم بها الحوار اللاهوتي بين الأساقفة في نيقية، ولم يكن يهتم أصلا بالخلاف اللاهوتي بين القس آريوس وأسقف الإسكندرية في زمانه، إسكندر . يظهر ذلك من رسالة الإمبراطور إليهما، التي يصف فيها خلافهما حول طبيعة يسوع المسيح، بأنه خلاف تافه وسوقي وأحمق ووضيع ! ويؤكد عليهما أن يحتفظا بآرائهما في باطنهما، ولايشغلا بها الناس . الرسالة مشهورة، وفي الأسقفيات نسخ منها . ثم انتصر الإمبراطور للأسقف  إسكندر ليضمن قمح مصر ومحصول العنب السنوي،وحرم الراهب آريوس، وحرم تعاليمه، وحكم بهرطقته كى يرضي الأغلبية  من الرعية، ويصير بذلك نصير المسيحية ."()، وما ذكره نسطور فى النص السابق هو عينه الذى أكدته كتب التاريخ () ، وهو ما سنجده أيضاً عند دان براون بعد قليل .

   وتتعاقب الأحداث وتتطور ليرث نسطور دور أريوس ويقف مرة أخرى فى مواجهة كنيسة الإسكندرية واتهاماتها له بالهرطقة والمحاكمة لمخالفة فكره العقدى فكر رجال الدين بالإسكندرية الذين عرفوا بقوتهم وعلى رأسهم كيرلس الثالث، الذى صوب ثلاث رسائل إلى نسطور يطعنه فيها فى عقيدته ويسبه لاعناً ومهدداً لإعتقاد الأخير بأن مريم العذراء لم تلد سوى بشر، وأنها ليست أماً لإله، يقول هيبا عن رسائل كيرلس (  المرزبة السكندرية ) التى أرسلها إلى نسطور  "الرسالتان الأولى والثانية، فيهما استفسارات حانقة مستنكرةٌ، كتبها كيرلس بخصوص مانقل إليه عن نسطور من إنكار لعقائد عوام المسيحين وخواصهم، خاصة اعتقادهم أن العذراء مريم هى والدة الإله !"()

وكما أشرنا فإن التاريخ قد عاد نفسه ،  إذ اندلع نفس الصراع العقدي ، وكانا بطلاه هذه المرة "نسطور" من جهة و "كيرلس "من جهة أخري ، وقد عايشا راهبنا "هيبا" هذا الصراع الذي انتهي إلي أن عقد الإمبراطور الروماني مجمعا كنسيا آخر عام 431م عرف بمجمع "أفيسوس " ، وكما حدث في مجمع "نيقية" فقد إنحاذ الامبراطور لصالح كنيسة الإسكندرية ، بعدما مارس قساوسة الإسكندرية إرهابا فكريا وعصبيا علي نسطور في ذلك المجمع ، الأمر الذي أحزن "هيبا" حزنا غائرا وأسف علي ما حدث لصديقه وأستاذه "نسطور" ، يؤكد ذلك كله أحد أكبر المؤرخين الألمان بقوله . "في عام 431 قام الإمبراطور بدعوة جميع البطاركة المسيحيين من جميع المذاهب إلى مجمع في أفيسوس، لكي يقوموا بتوضيح هذه النقطة الخلافية عن طبيعة المسيح وأمه، وذهب كل بطريرك إلى أفيسوس ومعه حاشيته وبطانته. وفي الواقع هم الإرهابيون الذين يخيفون ويرهبون أتباع المذاهب المسيحية الأخرى ورؤساء الكنائس الأخرى. ولم يكن اجتماع إفيسوس هذا سوى فوضى واستعراض للقوى والعضلات بين أتباع كل مذهب، ولكن ذلك كان طبيعيا عندما كان يحدث اجتماع كنسي كبير، وليس فقط في القرن الخامس الذي ساد فيه كيرلس وفرض عليه سيطرته .. الخ"() ،وفي موضع آخر من يقول كلاوس: "كانت الخلافات المذهبية بين المذاهب المسيحية شيئا معتادا وبشكل يومي بمدينة الإسكندرية، وتراجعت أمامها الواجبات الكنسية المهمة الأخرى، مثل علاج المرضى والعمل اليومي في الكنائس والأديرة ومساعدة المحتاجين والتعليم".()

    صدى ذلك الجدل العقدى نجده فى رواية تاييس، غير أن هذه المرة يستحضر لنا"أناتول فرانس"( أريوس ) ذاته ويجعله أحد شخوص روايته، ففى فصل ( المأدبة ) يجتمع الراهب بافونس ضيفاً مع تاييس الجميلة، ويحضران مأدبة أقامها الضابط السكندرى الوثنى ( كوتا ) بحضور مجموعة من الفلاسفة اليونانيين والحكماء، يجتمعون للسمر والشراب، وتجرى حوارات متصلة دينية و فلسفية بينهم، وبافانوس الراهب الأسنسيوسى يسمع، حتى دخل عليهم أريوس، معبراً غن اختلافه العقدى الذى يفاجئ بافانوس ويثير مزيداً من المناقشات الفلسفية والدينية بين الحاضرين"فى تلك اللحظة رفع السجوف الموشاة مخلوق غريب، فرأى الضيوف أمامهم رجلاً ضئيل الجسم أحدب الظهر له جمجمة مفلطحة صلعاء، وكان يرتدى جلباباً أزرق على الزى الأسيوى، ويلبس كالهمج سراويل حمراء مرصعة بنجوم ذهبية، فلما رآه بافانوس عرف أنه ماركوس أريوس، فرفع يديه فوق رأسه خشية انقضاض صاعقة من السماء، وامتقع لونه رعباً، ففى وليمة الشياطين هذه لم تستطع تجديفات الوثنيين ولا ترهات الفلاسفة الخاطئين أن تفت فى عضده أو توهن من جلده ولكن أصابه بذلك مجرد حضور هذا الكافر، فحدثته نفسه بالفرار ..، رحب المدعوون بوصول من يدعى"أفلاطون المسيحيين"وخاطبه هيرمودور أولا بقوله : أى ماركوس النابه الذكر ! إننا نبتهج جميعاً برؤيتك بيننا، وقد وافيتنا فى الوقت المناسب، نحن لا نعلم عن تعاليم المسيحيين إلا ما يرضون بإذاعته وحاشى لفيلسوف مثلك أن يرتأى ما يرتئيه الدهماء لذلك ترانا متلهفين للوقوف على رأيك فى الأسرار الكبرى للعقيدة التى تنتحلها، أما أنت يا ماركوس يا من رن صوته فى المجامع الإلكيروسية واعتلى المنابر فى مجلس قسطنطين الإلهى، فتستطيع – إذا شئت – أن تنقع غلتنا وتبلغنا أمنيتنا بأن تطلعنا على الحقائق الفلسفية المخبوءة فى أساطير المسيحيين، أوليس أولى هذه الحقائق هى وجود إله واحد لا شريك له، أؤمن به إيماناً ثابتاً، ماركوس : أجل أيها الإخوان الموقرون إنى أؤمن بإله واحد أحد لم يولد فرد صمد مبدع لجميع الكائنات"()، وتجدر الإشارة أن فصل"المأدبة"ذلك يعد مائدة للحوار، يسمح بتعدد وجهات النظر فيما يشبه رواية"الأصوات"أو البوليفونيا، حيث تحاصر الحقيقة، ونتعرف على الاختلاف بين وجهات النظر حول فكرة واحدة، وهى تقنية فنية حديثة() . غير أن

( أناتول فرانس ) كان سابقاً فى تطبيقها فى روايته .

وإذا كان الاختلاف العقدى الأشهر حول طبيعة المسيح قد أنتج صراعاً بين أنصار أريوس، وأنصار أسناسيوس، فإن رواية"اسم الوردة"تعكس لنا ألواناً من هذه الصراعات العقدية فى ظل العصور الوسطى وليس كما رأينا فى بدايات العهد المسيحى فى الإسكندرية والقسطنطينية، ومرة أخرى كان للسياسة دورها فى بعض هذه الخلافات، التى تطورت وأصبحت خلافات شخصية، فضلاً عن كونها فكرية . فرواية"اسم الوردة"ترصد جوانب من هذه الصراعات التى انتهت إلى الصدام بين البابا والإمبراطور لودويج الألمانى، إذ لم يعترف الأول به، الأمر الذى جعل لودويج يقتحم إيطاليا ويعزل البابا ويتهمه بالهرطقة، فيهرب البابا إلى أفينون، معلنآ قراره بحرمان الإمبراطور، غير أن الموقف بينه وبين البابوية إنتهى بانتصارها وخضوع لودويج الرابع"ويرجع السبب فى ذلك إلى أن لودويج لم يقدر الأمور حق قدرها واستمع إلى نصيحة مستشاريه من الفرانسيسكان ليقوم بحملة على ايطاليا سنة 1327 وقد استطاع لودويج أن يثبت نفوذه فى شمال ايطاليا ووسطها فى حين فر أتباع البابا نحو الجنوب فدخل روما فى يناير سنة 1328 حيث توج امبراطور بواسطة اثنين من الأساقفة أما البابا حنا الثانى والعشرون 1316- 1334 فقد أصدر من مقره فى أفينون قرار الحرمان ضد الامبراطور وأعوانه، فرد الأخيرون على البابا باتهامه بالهرطقة واعلان عدم شرعية انتخابه . ثم اختار الأمبراطور أحد الأخوان الفرانسيسكان من أعوانه . لتولى منصب البابوية تحت اسم نيقولا الخامس"()، غير أن ما يتصل بصورة الصراع العقدى كما ترصده الرواية يتمثل فى فساد بعض الرهبان من جهة، ومن جهة أخرى يتمثل فى ظهور بعض الفرق المسيحية التى اختلفت على أساس عقدى، وقد نشب الصراع بينها، من هذه الفرق : الفرانشيسكيون والدومانكيون، حيث آمن الرهبان الفرانشيسكيون بمقولة"فقر المسيح"فخالفهم الآخرون وحاكموهم .

غير أن أهم الصراعات التى يرصدها الراهب " أديسو" فى مخطوطه كانت تتعلق بإحدى فرق الإخوان الرهبان تبنت فكرة تنادى بفقر السيد المسيح، وأنه لم يكن يملك هو والحواريين شيئا، وقد أطلق على هذه الفرقة"الإخوان المتسولين"، ويرصد الراوى جوانب شتى من هذا الصراع بين العقيدة المسيحية السائدة فى فلورنسا بإيطاليا التى تقول بغنى السيد المسيح، وما تبنته جماعة المتسولين الرهبان من فقره، الأمر الذى جعل هذه الجماعة يُتهم أنصارها بالهرطقة، ويتعرضون إلى المحاكمة والتعذيب والنكال . وكان القسيس"ميكيلى"أحد أشهر أولئك الرهبان من جماعة الإخوان المتسولين، فقد أصر على عقيدته، فقيد إلى التحقيق، فأصر على فكره ونفى عن نفسه تهمة الهرطقة، ورمى بها على البابا جيوفيانى الثانى والعشرين بالكنيسة الكاثوليكية آن ذاك . وكان – كما ذكرت آنفاً – للسياسة والصراع من البابا والأمبراطور لودفيك حضورها فى إشعال هذه الأحداث، فقد اتهم ميكيلى بأنه تابع للأمبراطور بقصد إحداث قلاقل بإيطاليا، ينقل الراوى قول أحدهم عن ميكيلى وجماعته"هم توسكانيون ولكن يوجد وراءهم مبعوثو الأمبراطور، ويقول آخرون أنه مجنون لقد تملكه أبليس وملاءه الصلف يريد الإستشهاد لإرضاء كبريائه الفاسد، هؤلاء الرهبان يفرطون فى قراءة سير القديسين كان من الأفضل أن يتزوجوا، وآخرون كانوا يقولون أيضاً كلا نحن فى حاجة أن يكون كل المسيحيين مثله مستعدون للرهبنة على إيمانهم كما كانوا فى عهد الوثنيين"()، وقد جهزت قبل محاكمته صحيفة الاتهام حيث أعدها أرباب الكنيسة تؤكد هرطقة ميكيلى لإعتناقه فكر يقول بفقر المسيح، ينقل الراهب أديسو جزءاً من صحيفة الإتهام التى جاء فى بعضها"جيوفيانى المعروف بالأخ ميكيلى دى جياكومو من جمعية القديس فريديانو رجل شرير وسيئ السمعة عرف بذلك فى عيشه وفى أعماله هرطيق دنس نفسه ببرص الهرطقة ، عرف بآرائه ومعتقداته ضد العقيدة الكاثوليكية أبعد عن نفسه صورة الإله واتبع عدو الجنس البشرى وبإدراك تام عن قصد وبروية من له نفس خبيثة وبنية ممارسة الهرطقة تآمر مع الإخوان المتسولين كما يدعوهم عامة الناس الهراطقة والمنشقين واتبع طائفتهم الضالة وهرطقتهم، ولا يزال يتبعها إلى الآن ضد العقيدة الكاثوليكية ذهب إلى مدينة فلورنسا وفى الأماكن العمومية الخاضعة لسلطة محكمة التفتيش صرح بمعتقداته الراسخة، وأعلن عن علم بلسانه وبفكره أن المسيح المخلص سيدنا لم يملك شيئاً ملكاً خاصاً أو بالإشتراك مع آخرين، وأن ما ملكه حسب ما جاء فى الكتابات المقدسة كان فقط لقصد الإستعمال"()، وقد حفلت الرواية بمظاهر شتى للصراع العقدى بين بعض فرق الرهبان التى كثر عددها، وتنوعت عقائدها، سواء فى الفروع أو الأصول، خاصة فى النصف الأول من القرن الرابع عشر فى أوروبا عامة وفى إيطاليا على وجه الخصوص ()، كما انتشرت فى هذه الآونة محاكم التفتيش واتهام المخالفين لتعاليم الكنيسة أوعقائدها بتهمة الهرطقة () .

ومن فضل القول الإشارة إلى أن الصراع العقدى لم يتوقف ببزوغ عصر النهضة، بل أخذ أشكالاً مختلفة مع ازدهار الفكر الليبرالى والعلمانية، إلى حد ظهور أفكار أكثر جرأة وصدامية مع السائد فى عقيدة المسيحيين وتاريخ كنيستهم عبر خمسة عشر قرناً، نجد صدى ذلك عند دان براون فى رواياته، وخاصة روايته"شيفرة دافنشى"، التى تبدأ ببحث الفتاه صوفى برفقة عالم رموز دين أمريكى يدعو لانجدون عن حل مجموعة من الشيفرات والألغاز، تركها لها جدها "سونيير"، قيم متحف اللوفر بفرنسا قبل قتله الغامض، وفى أثناء تتبعهما حل هذه الشيفرات يكتشفان أن جدها الصريع كان يرأس جماعة دينية سرية تؤمن بعودة الإله الأنثى، وتدعى جماعة "أوبس داى" بالولايات المتحدة ويتقابلان مع أحد المتخصصين فى تاريخ الأديان ويدعى "تينغ"، الذى يلقى دان براون على لسانه بقنبلة فى وجه عقائد المسيحيين والكنيسة بقوله فى نص طويل لايمكن الإجتزاء منه، يقول الفارس تينغ موجهاً حديثه لصوفى فى أثناء زيارتها له (إن الإنجيل هو كتاب من تأليف بشر، يا عزيزتى، ولم ينزل بوحى من الإله . وهو لم يهبط بشكل خارق من الغيوم فى السماء . فهو من ابتكار الإنسان الذى ألفه لتسجيل الأحداث التاريخية فى تلك العصور التى طبعتها النزاعات والفتن، وقد تطور وتحرف من خلال ترجمات وإضافات ومراجعات لا تعد ولا تحصى . والنتيجة هى أنه لا توجد نسخة محددة للكتاب فى التاريخ كله .

"نعم".

"كان يسوع المسيح شخصية تاريخية ذات تأثير مذهل، قد يكون أكثر من قائد غامض وملهم عرفه العالم . فقد أسقط يسوع ملوكاً وألهم ملايين وابتكر فلسفات جديدة بصفته النبى المخلص، وكان يمتلك حقاً شرعيا للمطالبة بعرش ملك اليهود حيث أنه كان ينحدر من سلالة الملك سليمان والملك داوود . بسبب ذلك كله، تم تسجيل حياته بيد آلاف من أتباعه فى كل أنحاء الأرض". توقف تيينغ عن الكلام للحظات ليرتشف شايه ثم أعاد فنجانه إلى مكانه على رف الموقد ."فقد تم أخذ أكثر من ثمانين إنجيلاً بعين الأعتبار لتشكل العهد الجديد، إلا أن القليل منها فقط تم اختياره فى النهاية وهى إنجيل متى ومرقص ولوقا ويوحنا". قالت صوفى :"من الذى قرر أى إنجيل يجب اختياره لتشكيل العهد الجديد ؟".  

"آها"انفجر تيينغ حماساً ."هذا هو بالضبط التناقض الأساسى المثير للسخرية فى المسيحية ! فالإنجيل كما نعرفه اليوم، كان قد جمع على يد الإمبراطور الوثنى قسطنطين العظيم".

"كنت أعتقد أن قسطنطين كان مسيحياً"، قالت صوفى .

"بالكاد"تهكم تيينغ ."لقد كان وثنياً طوال حياته ولم يتم تعميده إلا وهو على سرير الموت، حيث كان أضعف من أن يعترض على ذلك . فى عصر قسطنطين، كان الدين الرسمى فى روما هو عبادة الشمس أو بالأصح عبادة الشمس التى لا تقهر، وكان قسطنطين هو كبير كهنتها . لكن لسوء حظه، كان هناك اهتياج دينى متزايد يجتاح روما . فقد كان عدد أتباع المسيح قد تضاعف بشكل مهول، وذلك بعد مرور ثلاثة قرون من صلبه .

     عندئذ بدأ المسيحيون والوثنيون يتحاربون وتصاعدت حدة النزاع بينهما حتى وصلت لدرجة هددت بانقسام روما إلى قسمين . فرأى قسطنطين أنه يجب اتخاذ قرار حاسم فى هذا الخصوص . وفى عام 325 قرر توحيد روما تحت لواء دين واحد، ألا وهو المسيحية"  

أصيبت صوفى بالدهشة ."لكن لماذا يقوم إمبراطور وثنى باختيار المسيحية كدين رسمى لإمبراطوريته ؟".

أطلق تيينغ ضحكة خافتة ."كان قسطنطين رجل أعمال حاد الذكاء . فقد استطاع أن يرى أن نجم المسيحية كان فى صعود فقرر ببساطة أن يراهن على الفرس الرابحة . ولازال المؤرخون حتى اليوم يتعجبون لذكاء قسطنطين فى الطريقة التى اتبعها فى تحويل الوثنيين عن عبادة الشمس إلى اعتناق دين المسيحية . حيث أنه خلق ديناً هجيناً كان مقبولاً من الطرفين وذلك من خلال دمج الرموز والتواريخ والطقوس الوثنية فى التقاليد والعادات  المسيحية الجديدة"

...... أديان قديمة وثنية غامضة، فليس هناك أى شئ أصلى فى الدين المسيحى . الإله الفارسى مثرا مثلاً الذى يعود إلى ما قبل المسيحية – والذى كان يلقب أيضاً بابن الرب ونور العالم – كان قد ولد فى الخامس والعشرين من ديسمبر وعندما مات دفن فى قبر حجرى ثم بعث حياً بعد ثلاثة أيام . وبالمناسبة، إن الخمس والعشرين من ديسمبر هو ذكرى ميلاد أوزيريس وأدونيس وديونيزوس أيضاً . والرضيعة كريشنا تجلت مزينة بالذهب ومعطرة بالمر والبخور . وحتى يوم العطلة الأسبوعية الدينية فى المسيحية كان قد سرق من الوثنيين عبادى الشمس". ."ماذا     تقصد ؟".

فى البداية قال لانغدون،"كان المسيحيون يتعبدون الرب فى نفس يوم اليهود شباط  السبت، لكن قسطنطين غيره ليتوافق مع اليوم الذى يقوم فيه الوثنيون بعبادة الشمس Sunday أو يوم الشمس". صمت قليلاً وابتسم ."حتى هذا اليوم يرتاد معظم الناس الكنيسة صباح كل أحد لحضور القداس دون أن تكون لديهم أى فكرة أنهم هناك يوم احتفال الوثنيين بالشمس المقدسة Sunday أو يوم الشمس ) ()  .

ومادمنا قد ذكرنا دان براون، ورواياته فتنبغى الإشارة إلى أن عنوان رواية "اسم الوردة" الذى اختاره أستاذ السيميائية والتأويل الإيطالى"أمبرتو إيكو "لروايته إنما هو عنوان مراوغ يفتح سبيلاً للتأويل ربما نجد تفصيله عند دان براون الذى يؤكد التماهى بل التطابق التام بين كل من"الوردة، الكأس المقدسة، القدح، ومريم المجدلية"()  .

ب-الصراع الفكرى :

      كان الصراع العقدى، الذى حاولنا إلقاء الضوء على بعض أمثلته الواردة بالروايات الثلاث وغيرها من الروايات وثيقة الصلة بموضوعها وتيماتها، كان صراعاً مختلف الأشكال، فأحياناً يأخذ شكلاً متصلاً بمقولات العقيدة المسيحية وثوابتها الروحية كما ذكرنا، وأحياناً أخرى يمتد ليأخذ شكلاَ مختلفاً، حينما يحاول العقل أن يمارس دوره ومسأءلته للغيبيات والروحيات، فى ثنائية يمكن صياغتها على أساس طرفين هما : ( العقل، الدين ) أو ( العلم، الدين ) إلى آخر هذه الثنائيات التى شغلت الفلاسفة والحكماء ورجال الدين والعلماء عبر تاريخ البشرية .

وإذا كانت الأديان السماوية فى جملتها تحترم العقل، بل تدفع أبناءها إلى ضرورة  التفكر، فإن التاريخ قد شهد صداماً واصطراعاً بين رجال الدين وعلمائه من جهة ، وبين أنصار العلم التجريبى من جهة أخري، غير أن الحقب التى شهدت مثل هذه الصراعات – فى ظنى – كانت حقباً وأزمنة مأزومة استسلم أهلها لحالة التعصب ووقعوا فريسة التطرف والانتصار للذات فى ظل ضيق الأفق والرؤية، وبعيداً عن شمولية النظرة وانفتاح الرؤية . ولقد جنى أرباب التشدد الدينى جناية فادحة حينما تصلبت عقولهم، وتوهموا أن حركة العقل وكشوفات العلم تخالف الدين وتعترض طريق الوصول إلى الخالق ومعرفته، ومن ثم الإيمان به . وعلى الجانب الآخر جنى المؤمنون بالعلم وحده طريقاً للمعرفة حينما ظنوا واهمين – هم  الآخرون - أن الدين يحد الرؤى ويعطل العقل ومسيرة العلم . ولعلنا نلمس فى تاريخنا – نحن المسلمين – ما خسره الإسلام وتاريخه من جراء هذه الصدامات المفتعلة التى كادت أن تعصف بأمن المجتمع وسلامه وأورثت اتهامات كل فريق للآخر، هذا بالكفر والإلحاد والثانى بالتخلف والجمود .

وحتى لا نطيل نختار نموذجين للصراع بين الدين لدى بعض المتشددين، وبين الفلسفة والعلم . النموذج الصارخ فى رواية عزازيل ، كان بين العالمة السكندرية "هيباتيا"، وبين رجال الكنيسة السكندرية، وعلى رأسهم كيرلس الثالث، إذ كشفت الرواية – كما نص التاريخ – أن الكنيسة قد أغرت بعض قساوسها ورجالها أن ينالوا من الشابة الجميلة عالمة الإسكندرية وحكيمتها، لا بوصفها وثنية، بل لكونها تنشر السحر والضلال وأعمال الشيطان من خلال محاضراتها فى الفلسفة والرياضيات والفلك، الأمر الذى أودى بالعالمة الحسناء إلى نهاية مأسوية دموية سوف يأتى ذكرها . وهذا ما أنكره الراهب هيبا ذاته، وترك فى نفسه جرحاً غائراً جعله يكره الإسكندرية، راحلاً عنها ليبدأ خارج حدودها بداية جديدة وميلادا جديدا وتعميدا جديدا، وباسم جديد اشتقه لنفسه من أسمها ( هيبا / هيباتيا ) . رأي هيبا ما حدث لهيباتيا وهو راهب فى أول سلم الكهنوت، يتعلم الطب والإستشفاء بالأعشاب، وكذا الرياضيات والفلسفات، كل ذلك إلى جانب تعلمه الدين، حينذاك سمع خطبة للأسقف كيرلس تمثل رأيه كرجل دين فى هيباتيا فعرض بها ووصفها بالكافرة والساحرة .

أن هيباتيا فى الرواية – في ظني - تمثل نور المعرفة فى مقابل ظلام الجهل والتشدد. يقول "كيرلس " في خطاب تثويري محرضاً رجال الدين والدهماء من عامة المسيحيين "إننا نعيش زمن الفتن، ومن ثم فنحن فى زمن الجهاد لقد انتشر نور المسيح حتى يكاد اليوم يغطى الأرض، ويبدد ظلامها الذى طال زمانه .. غير أن الظلمات مازالت تعشش هنا وهناك، وتطل على أرض الله بوجه الفتن والهرطقات التى تنخر فى قلوب الناس .. ولن يهدأ جهادنا لها مادمنا أحياء .. لقد وهبنا أنفسنا لربنا يسوع المسيح،فلنكن جنود الحق الذين لا يرضون إلا بإكليل النصرة السماوية، ولنكن المخلصين لدين المخلص، حتى نلحق بالشهداء والقديسين، الذين عبروا الدنيا ليلحقوا بالمجد السماوى والحياة الأبدية"().

    وفى "اسم الوردة" نجد ألواناً من هذا الصراع الفكرى بين العلم والدين، ولعلنا نتذكر أن العصور الوسطى خاصة القرن الرابع عشر قد شهد فى آخره محاولات لنهضة علمية فى ظل المكتشفات العلمية والجغرافية ألبت الكنيسة على العلماء والفنانين واتهمتهم بالهرطقة والكفر لمخالفة آرائهم السائد من المقولات الدينية الكنسية، حيث أصبحت الكنيسة ورجالها يمارسون سلطة ترهب من يحاول الإختلاف معها وتخيفه بمحاكم التفتيش وتهمة الهرطقة . والراهب غوليالمو فى هذه الرواية الذى كان أستاذاً للراوى الراهب أديسو – كهيبا في عزازيل - يمثل نموذجاً للإيمان بالمعرفة والعقل والتسامح ، وضرورة البحث والتنقيب اعتماداً على القياس والاستنتاج المنطقى، كما أنه عالم قد ألم بعلوم الفلك والهندسة والصيدلة والاعشاب ، يذهب إلى دير مالك لمهمة رسمية، غير أنه هنالك يجد نفسه مطالباً بحل لغز مصرع بعض الرهبان بطرق غامضة داخل الدير، وهو فى سبيله وسعيه وبحثه، يجد أن المكتبة داخل الدير تحتوى على كنوز من المخطوطات والكتب الدينية، إضافة إلى مخطوطات وكنوز أكثر أهمية تتحدث عن الفلسفة وعلوم الطب والصيدلة، كتبها علماء عرب وأندلسيون ويونانيون ومصريون ... إلخ .وهنا تستيقظ نفسه العالمة وتستنفر حواسه لطلب المزيد من المعرفة والحقيقة فى الدين والعلم، ويلحظ أن هناك خطاً واصلاً بين من قُتل فى الدير، وبين كتاب مخطوط يعد كنزاً معرفياً يفقد من يريد الإطلاع عليه حياته، شهيداً للمعرفة والبحث، ويكتشف أن الأعمى "يورج" يقف حائلاً أمام من يطلب هذا المخطوط الذى وصل إليه غاليالمو أخيراً بعد جهد وخطط وتحايل، يحكى الراوى أديسو لحظة المواجهة بين كل من  : غوليالمو والشيخ الأعمى"يورج" ( النور والظلامية ،أو طالب العلم الحر ومانع المعرفة ) داخل قاعة أقصى أفريقيا بمكتبة الدير"ألقى غوليالمو نظرة سريعة على الصفحات الأولى وقال أنه مخطوط عربى حول أقوال  أبله، حسب الفهرس . عم يتكلم ؟ - أوه، أساطير سخيفة يأتى بها الكافرون، زعم فيها أن الحمقى يأتون بنكت فطنة تبهر كهنتهم وخلفاءهم ..

-والثانى مخطوط سريانى، ولكن حسب الفهرس يترجم نصآ فى الكيمياء . لماذا وضع هنا ؟     

أنه كتاب مصرى من القرن الثالث من عهدنا، يتماشى مع العمل الذى يتبع ولكنه أقل خطرآ. لا أحد يعير أذنا صاغية الى هذيان كيميائى إفريقى، يسند فيه خلق الكون إلى الضحك .."()، ولأن الشيخ الأعمى "يورج" يعلم قيمة الكتاب وخطورته، ولكى يضمن ألا يقرأه أحد قام بطلاء صفحاته بسم قاتل حتى يقع ميتاً مسموماً كل من حاول الإطلاع عليه وتقليب صفحاته، وهنا يلفتنا مترجم الرواية فى مقدمته بأن فكرة الكتاب المسموم فكرة قد تكررت لتكون بمثابة رمز لمعاقبة طالب المعرفة يقول"بينما فى كتاب"إسم الوردة"تستعمل الحيلة نفسها لمعاقبة من يريد أن يعرف، هو سلاح بين يدى"المسيح الدجال"الذى ليس إلا صورة رمزية للعقل الظلامى والمتعصب الذى لا تنير الابتسامة إيمانه"()، إن الرجل الأعمى هو التنين الحارس للسرديات الكبرى، كما ذكرنا فى صدر البحث، أنه نموذج للظلام، المانع للكشف والمعرفة()، بينما يمثل فى – ظنى – غوليالمو، يمثل فى الرواية نتاج الفكر الحر فى الكنيسة إبان نشاط الجامعات اللاهوتية التى ظهرت فى أواخر العصر الوسيط، والتى حاولت البحث فى عالم الطب والفلسفة والمنطق عن طريق الإفادة من أرسطو وبعض الفلاسفة الأندلسيين كإبن رشد وإسحاق بن سليمان الإسرائيلى الأندلسى خاصة، وإن نشاة الجامعات اللاهوتية كانت بإيطاليا مجال أحداث الرواية، فقد تحدث المؤرخون عن بداية ظهور الجامعات فى العصور الوسطى ودورها الفكرى وصدامها أحياناً بالكنيسة لما تحمله من فكر جديد .وظهور هذه الجامعات كان فى القرن الثانى عشر، مثل جامعات : بولونيا بإيطاليا وباريس التى تفرع عنها جامعة أكسفورد سنة 1168، وجامعة كامبردج سنة 1309() .

    وأخيرا نستضيئ – لتمام الصورة – برواية أخرى لدان براون وهى رواية"ملائكة وشياطين" فمن اللافت أن مشروعه – أى دان براون – الروائى يهتم بهذا الموضوع () . إذ عالج فى ملائكة و شياطين قضية احتدام الصراع بين الدين، ممثلاً فى كنيسة الفاتيكان، والعلم ممثلاً فى مركز سيرن للأبحاث بسويسرا، إذ تؤكد بعض جماعات العلماء المسيحيين وتدعى"الطبقة المستنيرة"أن الوصول إلى الله والحقيقة والكون يمكن عن طريق العلم التجريبى، الأمر الذى أنكرته الكنيسة منذ العصور الوسطى وتعقبت العلماء عبر قرون، فنشأت جماعة سرية تنتصر للعلماء عبر العصور لتأخذ بثأرهم وثأر أصحاب الفكر الحر والفن والعلم() .

    إن الصراع الفكرى بين العلم والدين من جهة، والصراع العقدى، كلاهما قد يأخذ فى كثير من أحواله حد الصدام الدموى، أو قل قد يولدان العنف بشتى تمظهراته . خاصةً إذا غابت روح الموضوعية وسيطر التعصب والتطرف بديلاً عن الحوار الحر وانفتاح الأفق . غير أنه - للمؤسف - قد تجلت الصراعات السابقة فى صور دامية تأسى لها كل نفس تحب الخير والحق والجمال .

ج- العنف :

لقد تعرفنا من خلال العنصرين السابقين على ألوان من الصراعات الدينية والفكرية، غير أن وجود جماعات التشدد الدينى فى كل دين عبر العصور كانت سبباً مباشراً فى تولد العنف وغلبة الصراع الدموى بديلاً عن الحوار الموضوعى السلمى، فانتصار أية جماعة دينية لرأيها   وتشددها، يغلق لديها كل الرؤى، فلا تبقى لديها إلا سبل العنف والصدام الدموى تحت سيطرة وهم الدفاع عن الدين، والجهاد فى سبيل نصرته وهذا إن دل على شيئ فإنما يدل على عمى البصيرة وانغلاق الفكر وقصر الرؤية والجهل والجمود .

وقد كشفت لنا رواية"عزازيل"صراعين حول العقيدة من جهة، وما سميته الصراع الفكرى من جهة أخرى، وهذا الأخير تمثل فى موقف أنصار جماعة محبى الآلام التابعة للكنيسة السكندرية، وهى جماعة استقطبت المتشددين من رجال الدين وعوام الناس، الذين أقنعتهم الكنيسة أن صدامهم مع غيرهم إنما هو انتصار للدين والرب . تجسد ذلك عندما أغرى رجال الدين الدهماء بالعالمة السكندرية الحسناء هيباتيا، بوصفها وثنية تتعاطى علوم السحر والشيطنة من خلال تعليمها الناس الفلسفة والرياضيات والفلك، وقد سمعنا فى السطور السابقة خطبة كيرلس الثالث التى ألهبت حماس جماعة المتشددين ومعهم العوام، لينطلقوا وقد تملكهم الغضب والهوس، باحثين عن هيباتيا لينتقموا منها تحت زعامة بطرس القارئ الذى تربص ومعه جماعته بطريق مرور هيباتيا حين عودتها من إحدى محاضراتها، راكبة عرباتها التى تجرها الخيول، فلما رآها بطرس وكان حاملاً سكيناً إعترض طريقها، وحينما حاولت أوكتافيا - صاحبة هيبا القديمة - الدفاع عنها ضربوها على رأسها ضربة فجرت منها الدماء . كل هذا يحدث أمام هيبا الذى جن جنونه ووقف ذاهلاً مشلول الفكر، مرتاع القلب، يقول هيبا حاكيا ً وقد ثارت نفسه وكاد يبكى وهو يستعيد تلك الحادثة من ذاكرته، ومصوراً أبشع المشاهد المأساوية فى حياته، وهو مشهد نعتذر لطوله لكن الاجتزاء منه قد يخل بدلالته "... لما التقط بطرس السكين الطويل الصديء، رآه سائق عربة هيباتيا، فقفز كالجرذان وجرى متواريا بين جدران البيوت . كان بإمكان السائق أن يسرع بحصانيه في الشارع الكبير، وما كان لأحد أن يلحق بالعربة . لكنه هرب، ولم يحاول أحدهم أن يلحق به ! ظل الحصانان يسيران مرتبكين، حتى أوقفهما بطرس بذراعه الملوحة بالسكين .. أطلت هيباتيا برأسها الملكي من شباك العربة، كانت عيناها فزعة مما تراه حولها. انعقد حاجباها، وكادت تقول شيئا لولا أن بطرس زعق فيها : جئناك يا عاهرة، يا عدوة الرب .

- امتدت نحوها يده الناهشة وأيد أخرى، ناهشة أيضا، حتى صارت كأنها ترتقي نحو السحاب فوق أذرعهم المشروعة . وبدأ الرعب في وضح النهار .

- الأيادي الممدودة كالنصال، منها ما فتح باب العربة، ومنها ما شد ذيل الثوب الحريري، ومنها ما جذب هيباتيا من ذراعها فألقاها على الأرض .

- انفلت شعرها الطويل الذي كان ملفوفا كالتاج فوق رأسها، فأنشب فيه بطرس أصابعه، ولوى الخصلات حول معصمه، فصرخت، فصاح : باسم الرب، سوف نطهر أرض الرب ..

- سحبها بطرس من شعرها إلى وسط الشارع، وحوله أتباعه من جند الرب يهللون . حاولت هيباتيا أن تقوم، فرفسها أحدهم في جنبها، فتكومت ولم تقو على الصراخ . أعادها بطرس إلى تمددها على الأرض، بجذبة قوية من يده الممسكة بشعرها الطويل . الجذبة القوية انتزعت خصلات من شعرها، فرماها، نفضها من يده، ودس السكين في الزنار الملفوف حول وسطه، وأمسك شعرها بكلتا قبضتيه، وسحبها خلفه .. ومن خلفه أخذ جند الرب يهتفون هتافه، ويهللون له وهو يجر ذبيحته .

- كنت لحظتها واقفا على رصيف الشارع، مثل مسمار صديء . لما وصلوا قبالتي، نظر بطرس ناحيتي بوجه ضبع ضخم، وتهلل وهو يقول : أيها الراهب المبارك، اليوم نطهر أرض الرب .. وبينما هي تتأرجح من ورائه على الأرض، تقلبت هيباتيا استدار وجهها نحو موضعي . نظرت إلى بعين مصعوقة، ووجه تكاد الدماء منه تنفجر . حدقت في لحظتها، فأدركت أنها عرفتني، مع أنني كنت في الزي الكنسي ! مدت ذراعيها ناحيتي، وصاحت مستصرخة بي : أخي .. تقدمت إلى منتصف الشارع خطوتين، حتى كادت أصابعي أن تلمس أطراف أصابعها الممدودة نحوي .

- كان بطرس القاريء يلهث منتشيا، وهو يمضي ناحية البحر ساحبا غنيمته . وكان البقية يجتمعون حول فريستهم، مثلما تجتمع الذئاب حول غزال رضيع .. لما أوشكت أصابع هيباتيا أن تعلق بيدي الممدودة إليها، امتدت يد نهشت كم ثوبها، فتطوحت كفها بعيدا عني، وتمزق الثوب في اليد الناهشة، فرفعه الناهش ولوح به، وهو يزعق بعبارة بطرس: باسم الرب، سوف نطهر .. العبارة التي صارت يومها أنشودة للمجد الرخيص ..... فاشتدت بجند الرب تلك الحمى التي تتملك الذئاب حين توقع صيداً . صارت عيونهم الجاحظة مثل عيون المسعورين، وهاجمت بواطنهم طلبا لمزيد من الدم والافتراس .. تجمعوا فوق هيباتيا، حين وقف بطرس ليلطقت أنفاسه . امتدت إلى يدها يد مازعة، ثم امتدت أياد أخرى إلى صدر ردائها الحريري الذي تهرأ، واتسخ بالدماء والتراب .. أمسكوا بإطار الثوب المطرز وشدوا فلم ينخلع، وكاد بطرس يقع فوق هيباتيا من شدة الشدة المباغتة، لكنه سرعان ما عاد واستعاد توازنه، ومضى يجر ذبيحته، ومن ورائه انحنى أتباعه محاولين اقتناص رداء هيباتيا .. هيباتيا .. أستاذة الزمان .. النقية .. القديسة .. الربة التي عانت آلام الشهيد، وفاقت بعذابها كل عذاب .

- على ناصية الطريق الممتد بحذاء البحر، صاحت عجوز شمطاء وهي تلوح بصليب : اسحلوا العاهرة .. وكأن العجوز نطقت بأمر إلهي ! توقف بطرس فجأة، وتوقف أتباعه لحظة، ثم تصايحوا بصرخات مجلجلة .. تركت جثة أوكتافيا ورائي، ولحقت بهم مبهوتا، آملا أن تفلت هيباتيا من أيديهم، أو يأتي جنود الحاكم فيخلصوها منهم، أو تقع معجزة من السماء .. أو .. كنت غير بعيد عنهم وغير قريب، فرأيت نتيجة ما أوحت به المرأة الشمطاء .. رأيت .. انهالت الأيدي على ثوب هيباتيا فمزعته .. الرداء الحريري تنازعوه حتى انتزعوه عن جسمها، ومن بعده انتزعوا ما تحته من ملابس كانت تحيط  بجسمها بإحكام . كانوا يلتذون بنهش القطع الداخلية ويصرخون، وكانت العجوز تصرخ فيهم كالمهووس : اسحلوها ! وكانت هيباتيا تصرخ يا أهل الإسكندرية ! وكان البعيدون عن الوصول إلى جسمها يصرخون العاهرة، الساحرة !.. وحدي، أنا، كنت صامتا .

- صارت هيباتيا عارية تماما، ومتكومة حول عريها تماما، ويائسة من الخلاص تماما، ومهانة تماما .. لا أعرف من أين أتوا بالحبل الخشن الذي لفوه حول معصمها، وأرخوه لمترين أو ثلاثة، ثم راحوا يجرونها به وهي معلقة من معصمها .. وهكذا عرفت يومها معنى كلمة السحل التي أوحت بها المرأة إلى بطرس القارئ وأتباعه .

- شوارع الإسكندرية تفرشتها بلاطات حجرية متجاورة، تحمي الطرقات أيام الشتاء من توحل الأرض بسبب المطر . البلاطات متجاورة لكنها غير متلاحمة، حوافها حادة بفعل طبيعتها  الصلبة، فإذا جر عليها أي شيء مزقته، وإن كان ذا قشر قشرته، وإن كان إنسانا كشطته .. وهكذا سحلوا هيباتيا المعلقة بحبلهم الخشن الممدة على الأرض، حتى تسحج جلدها وتقرح   لحمها .

- وسط الصخور المتناثرة عند حافة الميناء الشرقي، خلف كنيسة قيصرون التي كانت في السابق معبدا، ثم صارت بيتا للرب يقرأ فيه بطرس الإنجيل كل يوم ! كانت هناك كومة أصداف البحر . لم أر أول من التقط منها واحدة، وجاء بها نحو هيباتيا، فالذين رأيتهم كانوا كثيرين . كلهم أمسكوا الصدف، وانهالوا على فريستهم .. قشروا بالأصداف جلدها عن لحمها .. علا صراخها حتى ترددت أصداؤه في سماء العاصمة التعيسة، عاصمة الله العظمى، عاصمة الملح والقسوة .

- الذئاب انتزعوا الحلبل من يد بطرس وهم يتصايحون، وجروا هيباتيا بعد ما صارت قطعة، بل قطعا من اللحم الأحمر المهترئ . عند بوابة المعبد المهجور الذي بطرف الحي الملكي البرخيون ألقوها فوق كومة كبير من قطع الخشب، وبعدها صارت جثة هامدة .. ثم .. أشعلوا النار .. علا اللهب، وتطاير الشرر .. وسكتت صرخات هيباتيا بعدما بلغ نحيبها من فرط الألم، عنان السماء . عنان السماء، حيث كان الله والملائكة والشيطان يشاهدون ما يجري ولا يفعلون شيئا . "()

      لقد أحال هيبا هيباتيا قديسة وربة، ورأى فيها نموذجاً فاضحاً للشر الذى إذا تلبس بالإنسان أعماه ، وجعله كالحيوان لا رحمة فى قلبه ولا دين .

والجدير ذكره هنا أن هيباتيا أصبحت نموذجاً بشرياً، ورمزاً دالاً تلقفه الأدباء وجعلوه موضوعاً أدبياً له قيمته ()، ثم كان من جانب آخر نموذجاً جيداً لتبادل الآداب . وتأثر بعضها ببعض باستصلاح المشتغلين بحقل الأدب المقارن، كما كانت هيباتيا لدى المؤرخين علامة تاريخية، حيث كان"اغتيالها فاتحة عهد جديد انتصرت فيه المسيحية، وزالت فيه دولة جامعة الإسكندرية، وزال سلطان الفلسفة اليونانية "() . ولدى المؤرخين أضحت أيقونة، ورمزاً للتنوير الذى يهدده دائماً الظلاميون فى كل عصر، ولعل الأديب والمؤرخ الإنجليزى "تشارلز كينجزلى" من أشهر أولئك الكتاب الغربيين الذين تأثرت بهم رواية عزازيل فى موضوع هيباتيا، إذ كان اتجاه كينجزلى من خلال روايته (هيباتيا )()، منسجماً مع بعض الكتاب الغربيين الذين حملوا على رجال المسيحية دون أن يحملوا على المسيحية نفسها، فكينجيزلى"فضلها على الفلسفة الهلينية وصور للصراع بين الدين والفكر والفقراء والأغنياء، متخذاً لنفسه وجهة نظر عملية، جاعلاً للخلق المكان الأول من تفكيره"()، ولولا خشية الإطالة، وكثرة النقول لعرضنا نصوصاً من الروايتين ليقف القارئ على ما قد يصل إليه التناص والتأثر بالسابق من تشابه وتماثل، الأمر ذلك – أى أمر التأثر والتناص – سوف نجده بعد قليل حينما نتعرض لشفرة دافنشى الذى ذكر فيها دان براون نصوصاً عن إضطهاد الكنيسة للمرأة نجد صداها فى عزازيل() .

وقبل أن نترك مشهد قتل الفيلسوفة اليونانية " هيباتيا" نتوقف قليلا لنؤكد التطابق بين ما هو فني وما هو واقعي في رواية عزازيل ، فالمشهد المأساوي المطول الذي اقتبسناه من الرواية يكاد يتطابق مع ما رواه عمدة المؤرخين العرب د\ رأفت عبد الحميد حينما قال ( و يبدو أن جماعة محبي الآلام قد دعيت الآن لمباشرة مهام أعمالها المختلفة فترصد عدد كبير من الرهبان و الدهماء للفيلسوفة يتزعمهم قارئ من قراء الكنيسة يدعي " بطرس " و انتزعوها من عربتها و سحبوها إلي كنيسة " قيصرون " و راحوا يلهون بتجريدها من ملابسها ثم جروها إلي الشارع  و رجموها بالحجارة فلما اصبحت جثة هامدة مثلوا بها أشنع تمثيل إذا قطعوها إربا , و ألقوا ببعض أشلائها طعاما للنيران و دفنوا ما بقي من أشلاء في مكان خرب وسط شماتة لا تخطئها عين و يعلق المؤرخ الكنسي سقراط علي ذلك بقولة : ( ليس هناك شئ أبعد عن الروح المسيحية أكثر من السماح بالمذابح أو الحروب أو أي وحشية من مثل ذلك , و إن هذا العمل لم يلحق الخزي و العار بالأسقف كيرلس فقط , بل بالكنيسة كلها ) () ، هكذا صورت لنا الرواية وكتب التاريخ مدي ما مورس من إرهاب وعنف من قبل بعض المتشددين المسيحين في حق بعض رموز الفكر والتنوير.

مشهداً آخر يحكيه هيبا فى عزازيل لصديقه نسطور،يعكس ما آل إليه المتشددون المسيحيون من تعصب ورغبة فى الإنتقام ونهم للدماء، إنه مشهد قتلهم أباه الصياد الذى كان يصطاد بعض الأسماك ويمنحها لبعض الكهنة المحتمين بديرهم الوثنى خوفاً من المتشددين المسيحيين، فكان هيبا صغيراً وقتها، رأى بعينيه ما حدث لأبيه أمامه من حادثة دموية تركت فى نفسه جرحاً غائراً عبر السنين، يقول"وحكيت عن أبي الذي كان يحمل السمك كل يومين ، للكهنة الحزاني المتحصنين في المعبد منذ سنين، الكهنة المحصورين، المتحسرين على اندثار ديانتهم، مع انتشار عقيدة المسيح .

كان أبي يصحبني في قاربه، كلما زار المعبد ليقدم للكهنة نصف ماعلق في شباكه من سمك ، خلال اليومين . كنا نذهب للمعبد خفية، وقت الفجر .

لم أستطع منع ما انفلت من دموعي، حين وصفت له فزعي المهول في ذاك الفجر المروع، يوم كنت في التاسعة من عمري ؛  فقد تربص بنا عوام المسيحيين عند المرسى الجنوبي، القريب من بوابة المعبد . كانوا يختبئون خلف الصخور من قبل رسو القارب، ثم هرولوا نحونا كأشباح فرت من قعر الجحيم . قبل أن نفيق من هول منظرهم، كانوا قد وصلوا إلينا من مكمنهم القريب .. سحبوا أبي من قاربه، وجروه على الصخور ليقتلوه طعناً بالسكاكين الصدئة التي كانوا يخبئونها تحت ملابسهم الرثة .

كنت أزوم متحصناً بانكماشي في زاوية القارب، وكان أبي غير متحصنٍ بشىء، يصرخ تحت طعناتهم مستغيثاً بالإله الذي كان يؤمن به . كهنة خنوم أفزعتهم الأصوات التي شقَت السكون، فاصطفوا بأعلى سور المعبد ينظرون إلى مايجري تحتهم بوجلٍ واضطراب .. كانوا يرفعون أيديهم مبتهلين لآلهتهم ومستصرخين !  ماكانوا يدركون أن الآلهة التي يعبدون،ماتت منذ زمن بعيد . وأن دعاءهم الفزع، لن يسمعه أحد .. ولن يجير أبي من أولئك السفاحين أحد .. ولن يدرك عمق عذاباتي من بعد ذاك الفجر  أحد.

يا مسكين . وهل اقترب الجهال يومها منك ؟

ليتهم قتلوني لأستريح للأبد ..لا يا أبت، لم يقتربوا كثيراً . نظروا نحوي بعيون ذئاب قد ارتوت، وجاءوا للقارب، فخطفوا مشنة السمك، وقذفوها بها في وجه بوابة المعبد المغلقة بإحكام، ثم حملوا جثة أبي المهترئة، فألقوا بها فوقها . اختلط دمه ولحمه وأسماكه بتراب الأرض التي ماعادت مقدسة، ثم تملكتهم نشوة الظفر والارتواء، فتصايحوا وقد رفعوا أذرعتهم الملطخة بدم أبي، وراحوا وبأيديهم السكاكين الصدئة المضرجة بالدم، يلوحون في وجه الكهنة المذعورين فوق السور .. مضوا من بعد ذلك متهللين، مهللين بالترنيمة الشهيرة : المجد ليسوع المسيح، والموت لأعداء الرب .. المجد ليسوع المسيح، والموت لأعداء الرب .. المجد ليسوع ..

أخذني النشيج،فقام نسطور ليأخذني في عباءته، وقد انكمشت مثلما فعلت أول  مرة . جلس جواري وهو يربت على رأسي، ويرسم علامة الصليب مراراً على جبهتي، وراح يردد : اهدأ يا ولدي"()

وتنبغى الإشارة هنا إلى أن نقل يوسف زيدان لمثل هذه الوقائع التاريخية الدامية قد حاول به صنع ما يمكن وصفه بـ "الإسقاط" على الواقع، واقعنا الدينى المعاصر الذى شهد صوراً مماثلة من الترجعات الفكرية لدى بعض جماعات الدين المتشددة، التى اتخذت سلاح التكفير حيناً فى وجه من وصفتهم بالليبراليين، وسلاح الاغتيال لمعارضيهم إعتماداً على تكفيرهم حيناً آخر خاصة فى مصر منذ السبعينيات وحتى الآن، ويؤكد هذا عندنا إقراره بذلك ؛ أنه أراد من خلال رواياته الحديث عن العنف الدينى، وذكورية الدولة الدينية واضطهادها للمرأة، كل ذلك فى إحدى مقالاته()

كما يؤكد ذلك ما ذكره أحد النقاد من أن زيدان فى عزازيل قد"قبض بعنف على جذر الحساسية الدينية اللاهبة فى زماننا"() .

      أصداء مشاهد العنف الدينى نجدها أيضاً فى رواية اسم الوردة وذلك للمخالفين فى العقيدة أو الفكر، ولقد ألمحنا إلى محاكم التفتيش فى العصور الوسطى وما اتهم به جماعات وفرق رهبانية من هرطقة حينما رأوا رأياً يخالف السائد داخل الكنيسة مثل التى نادت بفقر المسيح وعلى رأسهم رجل الدين الكبير "ميكيلى"، وقد أوتى به، مجرداً من ملابسه، ووضعت الأغلال فى يديه وقدميه وقتل . ومن جماعة ميكيلى المؤمنة بأفكاره - وإن كانوا سابقين عليه زمناً -"دولتشينو  و مارغريتا ولونجينو"، فيحكى الراهب أدسو ما وقع بهم من نكال وتعذيب لمخالفتهم الفكرية والعقدية السائد داخل كنيسة العصور الوسطى فى أوائل القرن الرابع عشر، يقول"علمت إذن كيف أنه في مارس من سنة 1307 يوم السبت المقدس، وقع القبض أخيرا على دولتشينو وماغريتا ولونجينو وحملوا إلى مدينة بييلا حيث سلموا للأسقف الذي كان ينتظر قرار البابا وعندما وصل الخبر إلى البابا أرسل إلى فيليب ملك فرنسا يقول له : ( قد بلغتنا أخبار مرضية جدا، محملة بالفرح والجذل، لأن ذلك الشيطان الموبوء، ابن إبليس والهرطيق الفظيع دولتشينو، بعد أخطاء كبيرة، وأتعاب ومجازر وتدخلات متوالية، هو الآن أخيرا مع اتباعه أسيرا في سجوننا بفضل ما قام به أخونا الوقور  رانييو، أسقف فارتشيلي، وقد قبض عليه يوم العشاء السري المقدس، والناس الكثيرون الذين أصيبوا بوبائه قد أعدموا في ذلك اليوم نفسه . لم يشفق البابا على الأسرى وأمر الأسقف إبعدامهم وفي شهر جويلية

( يونيو ) إذن من نفس ذلك العام، في اليوم الأول من الشهر سلم الهراطقة إلى السلطة المدنية . وبينما كانت الأجراس تدق دون انقطاع، وضعوا فوق عربة يحيط بها الجلادون يتبعهم الحراس، وطافت بهم كل المدينة، وعند كل عطفة كانت الكلابات الحامية تمزق لحم الآثمين . وأحرقت مارغريتا أولا أمام دولتشينو الذي لم تتحرك في وجهة عضلة، كما لم تند عنه صرخة عندما كانت الكلابات تقطع أعضاءه وتابعت العربة طريقها، بينما كان الجلادون يغمسون أدواتهم الحديدية في أوعية مليئة بالجذوات الملتهبة . وكابد دولتشينو ألوانا أخرى من العذاب، صامتا دائما إلا عندما قضوا أنفه، لأنه هز كتفيه هزه خفيفة وعندما قطعوا ذكره انطلق منه تأوه طويل كأنه عواء . وكانت الكلمات الأخيرة التي قالها تنم على العصيان، وأعلن أنه سيبعث في اليوم الثالث . ثم أحرق وألقيت بقاياه إلى الرياح ) () .

     ومن فضل القول أن نشير إلى أن دان براون لايزال فى مشروعه الروائى يلمح إلى وجود جماعات دينية متشددة تقوم بالتصفية الجسدية لمن يظنون بأنهم يمتلكون أسراراً قد تضر بكنيسة الفاتيكان إن انتشرت، غير أن الكنيسة المسيحية عبر قرون – وكما يرى الكاتب – كرست الذكورية فى مقابل طمس كل ما هو أنثوى، متخذة من الأنثى نموذجا للشيطنة والسحر، وبناء على هذا كان للكنيسة عبر قرون موقف متعصب ضد المرأة، حيث حفل تاريخها بالتنكيل بالمرأة وحرقها وقتلها – الأمر الذى يذكرنا بما حدث لهيباتيا ثم مارجريتا من قتل وحرق – منذ قليل – يقول دان براون على لسان لانجدون "فقد كان للكنيسة تاريخ مطبوع بالعنف والخداع . فحملتها الشعواء التى شنتها بهدف "إعادة الأديان الوثنية التى تقوم على تقديس الأنثى إلى جادة الحق وطريق الصواب"، استمرت على مدى ثلاثة قرون استخدمت فيها طرقاً ووسائل تثير الرعب فى النفوس .

 وقد قامت محكمة التفتيش الكاثوليكية بنشر الكتاب الذى يمكن أن يصنف على أنه أكثر منشور دموى عرفه تاريخ البشرية على الإطلاق وهو مالوس مالفيكاروم – أو مطرقة الساحرات – هذا الكتاب الذى لقن العالم فكرة "خطر النساء الملحدات ذوات الأفكار المتحررة" وعلمت الأكليروس كيفية العثور عليهن وتعذيبهن وقتلهن . ومن بين اللواتى كانت تحكم عليهن الكنيسة بأنهن "ساحرات" كن كل العالمات والكاهنات والغجريات المتصوفات ومحبات الطبيعة وجامعات الأعشاب الطبية وأى امرأة "يشك بأنها تنسجم مع العالم الطبيعى". وكان يتم قتل القابلات بسبب ممارساتهن المهرطقة حيث يستخدمن الخبرة والمعرفة الطبية لتخفيف آلام الوضع – وهى حسب ادعاء الكنيسة آلام فرضتها العدالة الإلهية على النساء عقاباً لهن على ذنب حواء التى أكلت من تفاحة المعرفة، هذا الإدعاء كان أساساً لنشوء فكرة الخطيئة   الأولى .

وعلى مدى ثلاث مائة عام من مطاردة الساحرات، حرقت الكنيسة خمسة ملايين امرأة !! .

فى النهاية أثمر تشويه الحقيقة وإراقة الدماء .والعالم اليوم هو دليل حى على ذلك .

فالنساء اللواتى كن يوماً نصفاً أساسيا فى التنور الروحى والدينى طردن اليوم من معابد      العالم"()

     تشابهت أذن مشاهد العنف ضد المرأة فى عزازيل واسم الوردة وشيفرة دافنشى، اعتمد فيها المؤلفون جميعاً على تسجيل حقائق تاريخية موثقة ، تواطر ذكرها فى كتب التاريخ، غير أنهم قد وظفوها جميعاً داخل قالب درامى، اختلط فيه الواقع بالمتخيل .

وبنظرة أوسع تشابهت مجموعة من العناصر الفنية والموضوعية بين الروايات محل الدرس والتطبيق إلى الحد الذى يسمح لنا بترجيح القول إن هناك صلات فنية متوالدة بينها جميعاً، ذلك لتشابه الروايات جميعاً فيما سماه د. غنيمى هلال ( الموقف العام والموقف الخاص )، الذى يحقق رباطاً فنياً عاماً ناتجاً عن هذا التشابه. وإذا كان ( الموقف العام ) بهذا المعنى يستلزم وجود"قوة إنسانية تتجه بجهدها نحو غاية خاصة وتظل حريصة على الحصول على خير أو على تجنب أمر، مما يستلزم قيمة معينة للأشياء فى نظرها"()  .فإنه يمكننا تلمس هذه القوى فى الروايات الأربع التى ركزنا عليها الدرس ؛ فالراهب المعترف فى كل الروايات يمثل قوة إنسانية تطمح إلى التطهر، بينما يمثل إبليس قوة مضادة، هذا على سبيل التمثيل بهاتين الشخصيتين . وعلى مستوى أكثر اتساعا فإنها – أى الروايات جميعاً – تكرس للصراع بين قوتين رئيسيتين : الخير، الشر . أو الحق، الباطل , أو : نور العلم، ظلام الجهل . أو : الثقافة التى تحترم الأنثى، الثقافة الذكورية . أو العلم، الدين ......... إلى آخر تلكم الثنائيات المتعارضة، التى يمكن الوصل بين طرفيها جميعاً عن طريق الحوار والمناقشة الموضوعية وتقبل الآخر .


خاتمــــــــــة البحث

   لقد حاولنا من خلال الدراسة تحليل بعض الروايات، التى ينتمى كلاً منها إلى لغة مغايرة للأخرى غير أنها تتشابه جميعاً فى بعض عناصر الشكل الفنى، إضافة إلى الموضوع .

ولقد انطلق البحث متكئاً على فرضيه، ملخصها أن ثمة تأثراً تحقق بينها جميعاً، أعنى تأثر الرواية العربية ( عزازيل ) بروايات سابقة عليها غربية، فكان لزاماً علينا الاستضاءة بمقولات ( الأدب   المقارن ) لرصد أوجه الاتفاق والاختلاف بينها جميعاً وذلك للوقوف على الخاص، الذى يميز أصالة كل كاتب . والمشترك، الذى يكشف عن التبادل الثقافى والتناص الفنى بين هذه الروايات . فكانت رواية عزازيل تمثل عندنا نموذج الأدب العربى الذى يعالج موضوعات متصلة بالموروث الكنسى عقيدة وفكراً، فى مقابل روايتى : ( تاييس الفرنسية )، و ( اسم الوردة الإيطالية ) نموذجاً للأدب الغربى . هذا إضافة إلى روايات أخرى أجنبية تدور فى الفلك نفسه تم الاستضاءة بها لترجيح إحدى القضايا أو نفيها وإتمام الوزن بين ما تطرحه رواياتنا الثلاث – الأساسية – من تشابه على مستويى الشكل والموضوع .

وقد انتهى البحث إلى جملة من النتائج، نذكر منها :

أولا : احتلت قضية الموروث الكنسى، وتاريخ الكنيسة، مكاناً مهماً، وبارزاً، لدى المشتغلين بالتاريخ فى أوروبا . وفى مدوناتها التاريخية والسياسية . ومن ثم احتفل الأدب فى أوروبا بالقضية نفسها وجعل من بعض القضايا أو الشخصيات التاريخية والدينية الشهيرة موضوعات أدبية .

ثانياً : تشير الروايات الثلاث التى كانت مجالاً تطبيقياً فى الدراسة مجموعة من الإشكاليات حول نوعها الأدبى أو الجنس السردى الذى تنتمى إليه، وذلك لتقاطعها مع ثلاثة أشكال سردية كبرى هى الرواية التاريخية، والسيرة الذاتية، وأدب المذكرات، وأدب الاعتراف . غير أن الدراسة حاولت إثبات أنها روايات تقاطعت مع هذه الأشكال السردية، ورغم ذلك فإنها تُعد نصوصاً سردية روائية، وبصيغة أخرى تعد خطابات سردية امتزج فيه الواقع التاريخى مع المتخيل الدرامى وخاضعة لتقنيات زمنية ومكانية لها مغزاها البنائى ومبناها الحكائى .

ثالثاً : يعد الاعتراف بوصفه طقساً دينياً مسيحياً حافزاً أو أسلوباً فى الكتابة، استطاع الأدباء الإفادة منه فنياً وتطويعه لينتج نوعاً أدبياً روائياً يبث من خلاله الأديب رسالته إلى المتلقى .

رابعاً : لوحظ عند دراستنا لبنية الشكل الروائى للروايات، وجود تشابه، قد يصل إلى حد التطابق أحياناً بينها ؛ إذ انبنت على أساس مخطوطى قديم كتب بيد راهب يمارس فيه اعترافاته ويحكى مشاهداته فى   عصره، وقد دفن هذا المخطوط زمناً ثم اكتشف مصادفة. وهذا المخطوط يحتوى الحكاية، فيعيد المؤلف نشر هذا المخطوط وهذا فى ظنى يعد حيلة فنية بهدف الإيهام بواقعية الأحداث المتضمنة داخل الرواية .وبصيغة أخري اعتمدت الرواية علي نصين سرديين متوازيين الأول يحكيه المؤلف من خلال عتبات المفتتح ،والثاني يحكيه السارد البطل (الراهب) ، فكأننا أمام نص مركب فيه راويان أحدهما خارجي والثاني داخلي .

خامساً : كما لوحظ تشابه على مستوى شخوص الروايات إذ هى شخوص ثابتة تؤدى وظائف   واحدة : الراهب المعترف فى مخطوطه طلباً للتطهر . والمرأة التى تمارس غوايتها للراهب، والشيطان الذى يخايل الراهب ويصاحبه بقصد التأثير عليه فى أن يواصل اعترافه الخطى .

سادساً : كما أن التشابه قد امتد إلى الفضائين الزمانى والمكانى ؛ إذ حرص الراهب على رسم لوحات وصفية للمكان الذى يتحول إليه أو يقيم فيه كالصومعة أو الدير . كما أن الحكاية أخذت طابعاً استعادياً من حيث الزمن كثرت فيه الاسترجاعات الماضية والمونتاج المكانى .

سابعاً : أن أحداث الروايات كشفت عن وجود صراعين أحدهما عقدى والثانى فكرى، وكل صراع من هذين النوعين تولد عنه صدام وعنف عكسته مشاهد مأساوية دموية يمكن احالتها إلى تاريخ وقوعها فى الواقع بالفعل . وهذان الصراعان وما تجلى عنهما من عنف اضطرد فى الروايات . غير أن الملاحظ أيضاً أن إيراد مشاهد العنف والاختلاف العقدى والفكرى كان مقصوداً من قبل المؤلف أراد به الإسقاط على الواقع المعاصر فيما يشبه المعادل الموضوعى حيث انتشرت لدى بعض الأصوليين ثقافة التكفير والعنف وذلك على المستويين الإسلامى والمسيحى .

ثامناً : موقف الكنيسة من المرأة ( الأنثى )، كذلك موقفها مع كل فكر حر يعد من أهم المواقف الفنية التى تضمنتها الرسالة الأدبية .

تاسعاً : جنحت رواية ( تاييس ) جنوحاً جمالياً خيالياً فانتازياً، فى الوقت الذى اقتربت فيه ( عزازيل ) و ( اسم الوردة ) من الواقع التاريخى، فتشعبت أحداثهما وشخوصهما، وبالتالى تضخم حجمهما . وفى الوقت الذى امتازت فيه رواية عزازيل بجمال حبكتها الدرامية ولغتها اكتنزت رواية اسم الوردة بالعلامات الدالة المقصودة من عالم السيمياء والناقد التأويلى إيكو . أما دان براون فقد تميزت روايتاه بإحكام السرد ودقة الإمساك بخيوط الأحداث وإضفاء الطابع البوليسى عليها . فضلاً عن أن مشروعه السردى الذي يتمثل فى أربع روايات ضخمة قد انشغل فيه بقضية واحدة وهي الصراع العقدى والفكرى فى تاريخ الكنيسة الغربية .

* د. محمد عبد الحميد خليفة أستاذ – قسم اللغة العربية/كلية التربية – جامعة دمنهور

الهوامش والايحالات


 

 

 

التعليقات

برجاء ملاحظة انه يجب ان تتم مراجعة التعليق قبل السماح بظهوره