«صرخة الحديد» ..   عاصم الباشا الذي لا يصمت

ميسون شقير

تشهد مدينة غرناطة الأندلسية عودة لأصابع دمشق، ولكل ما فيها من فنية طافحة، من خلال عاصم الباشا، الفنان السوري اليبرودي الغرناطي الأندلسي. نحات ورسام وروائي وشاعر ومترجم. له في النحت تجربة غنية فرضت نفسها على الفن العالمي بأعمال طافحة بالحركة واللغة التي تترك في الروح زلزالاً من الأسئلة يهز الثوابت فينا، فقد قالت أعمال عاصم الباشا ما نخاف أن نقول، وخلقت لنا وفينا دهشة اكتشاف أنفسنا، ومتعة ووجع التعرف إلينا في كل هذا الزحام الممتلئ بالعزلة إلى درجة الجنون.
 


دمشق التي يعود إليها دائماً:

ولد عاصم الباشا عام 1948 في مدينة  بوينس آيرس (الأرجنتين) من أب سوري مغترب وأم أرجنتينية، وفي عام 1957 انتقلت العائلة للإقامة في دمشق.

يتخرج عام 1968 من قسم الفلسفة في كلية الآداب في جامعة دمشق. وفي عام 1969 يفوز بالجائزة الأولى للتصوير في مسابقة الفنانين الشباب، ثم ينتقل للدراسة في كلية الفنون الجميلة، ليحصل على منحة لدراسة النحت في موسكو لصالح وزارة التعليم العالي.
بعد أن أكمل دراسته للنحت النصبي وحصل على درجة الماجستير رشّح للعمل معيداً في معهد سوريكوف العالي للفنون الجميلة، لكنه فضل العودة إلى سوريا. هناك اكتشف نقل ارتباطه إلى وزارة التربية، حيث أرسل إلى مدارس الحسكة الابتدائية ليعمل معلّماً بالوكالة.
بعد ذلك يقرر العودة إلى أوروبا لاستكمال دراسته، وفي عام 1981 يصل إلى باريس، ويبدأ بالإعداد لرسالة الدكتوراه في تأريخ الفن وعلم الآثار في جامعة السوربون. غير أن دمشق ظلت تسكنه، ونداءاتها ظلت تلاحقه، فيعود إليها عام 1983، ويحاول التفرّغ للفن، فلا يفلح، نتيجة أوضاع القهر وتقييد الحريات التي كانت تلقي بظلالها الثقيلة على كل شيء. لا مفرَّ إذاً من الهجرة مرة أخرى، فيحزم حقائبه عام 1989، لتحط به الرحال هذه المرة في إسبانيا، حيث يقيم حالياً.

عام 2010 يحمله الحنين على العودة. حمل أعماله الكثيرة والهامة جداً على ظهر سفينة أوصلته إلى السواحل اللبنانية، ومنها حمل كل منحوتاته إلى يبرود المدينة التي ينتمي إليها، حيث يبدأ العمل على إقامة مشغل للنحت يجمع فيه جميع النحاتين السوريين وكل من له شغف بالرسم والنحت.
 

منحوتاته فـي قبورها:

وفي عام 2011 بدأت الثورة في سوريا، وكان هو وأخوه نمير ممن كان لهم نشاط في العمل الإغاثي، فاعتقلا، ثم أفرج عنه بعد عدة أيام، وبقي أخوه نمير معتقلاً إلى أن خرج جثة هامدة نتيجة التعذيب الذي تعرض له.
بدأت مدينته يبرود تتعرض للقصف الجوي، وكان القصف مركزاً على منطقة قريبة من مشغله، ما جعله في خوف على منحوتاته التي أفنى عمره في الاشتغال عليها. يقول: «كان القصف يوميّاً، بلا توقيت محدّد. أقمت في المشغل في الأيام الأولى وسرعان ما أدركت أنها مخاطرة مجانية، فانتقلت للسكنى في بيت الوالدة. ثم قررت أن أنقذ أعمالي. استطعت إقناع سائق آلية حفر ليعمل أقلّ من نصف ساعة ليلاً وبلا أضواء خوفاً من طائرات التجسّس الإيرانية التي لم تكن تغادر سماء يبرود والمنطقة والتي قد تحسب أنني أدفن أسلحة. هيأ لي السائق الحفرة التي طلبتها. ثم كان عليّ نقل الأعمال لترتيبها في (قبورها). متحاملاً على آلام الساق والكتف كنت أقوم بثلاث رحلات يومية، واحدة في حوالي السادسة صباحاً لأن القصف لا يبدأ قبل الثامنة، وأخرى في فترة غداء الظهر، والثالثة رحلة ليلية كانت شديدة الخطورة».
ويضيف: «أمضيت قرابة العشرين يوماً على هذه الشاكلة. لم أستطع دفن كلّ شيء، فالجسد قال لي: كفى، فاكتفيت. تركت عشرات الدراسات وأعمال الحديد وبعض الأدوات لمصيرها المجهول. ثم مضيت عائداً إلى دمشق فبيروت فالقاهرة فغرناطة. كففت عن العمل عندما أدركت مدى ما خسرته. لا أقرب العمل منذ سنتين ونصف. لعله أسلوبي في الانتحار».

أنجز عاصم الباشا خلال سنوات عمله ما يزيد على المئتي معرض، وقد عُرضت أعماله في برلين وموسكو وبيروت وبودابست والكويت وبرشلونة وغرناطة ومدريد وباريس ومالقة والقاهرة وغيرها. وله أعمال في مجموعات خاصة في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا ومصر والإمارات العربية المتحدة وكوريا الجنوبية وسوريا وبريطانيا.

له مشاركات كثيرة في ملتقيات ومعارض ومؤتمرات، منها الملتقى الدولي للنحت في سانتياغو دي كوبا (مواد مختلفة) كوبا 1988، وملتقى فالديغليثياس الدولي - إسبانيا 2001، والملتقى الدولي السادس للنحت في إيشون (غرانيت) كوريا الجنوبية 2002، الملتقى الدولي الأول في دبي (40 نحاتاً من 26 بلداً) 2004، وملتقى إهنغين الدولي للنحت، (معدن) ألمانيا 2004. شارك في ملتقى بورتيماو الدولي للنحت (رخام) في البرتغال، والبلدية تقتني عمله. وفي الملتقى الدولي للنحت في الهواء الطلق (معدن)، مدريد، إسبانيا. ويفوز بالجائزة الأولى. وفي عام 2005 شارك في ملتقى بيرا الدولي للنحت (رخام ترافيرتينو) إسبانيا، وعمله معروض في حديقة عامة. وفي عام 2007 شارك في ملتقى قبرص الدولي الأول، كما أنجز نصباً تذكارياً من البرونز في نفس العام بعنوان (تحية لشغّيلة الأرض)، فيغاس ديل خينيل، غرناطة، إسبانيا. كل هذا إضافة إلى عشرات المشاركات.

ولم يكن عاصم الباشا نحاتاً ورساماً فقط، فالروح الفنية الوعرة التي تغلي في روح عاصم جعلته كاتباً روائياً وشاعراً حقيقياً يترك في الشعر ما يتركه فينا النحت من زلازل وانهيارات تصيب أعماق الروح. من أعماله:
• وبعض من أيام أُخر: رواية. وزارة الثقافة، سوريا، 1984.
• رسالة في الأسى: مجموعة قصص، وزارة الثقافة، سوريا، 1994.
• باكراً بعد صلاة العشاء: مجموعة قصص، وزارة الثقافة، سوريا، 1998.
• يوميات الشامي الأخير في غرناطة: أدب رحلات، فائزة بجائزة ابن بطّوطة عام 2010.


الفنّ حين ينجو:

أصابع عاصم الذي دفن أخاه شهيداً تحت التعذيب، ودفن أعماله في يبرود كي لا تموت، تعود الآن الى غرناطة صارخة بالدم الذي سال في شوارع بلاده وفي قلبه، فقد افتتح يوم الخامس عشر من شهر كانون الأول لعام 2017 معرضه «صرخة الحديد»، مشتملاً على عشرين منحوتة معدنية واثني عشر رسماً خزفياً.

حين دخلنا معرضه سألناه: هل يستطيع الفن أن ينجو من كل هذا الدمار والموت؟
أجابنا: بالطبع. الفن ينجو دوماَ، حتى في أحلك الظروف، بل إن الموت قد يكون حافزاً للحياة، وأنا واثق بأن الإبداع سيجد من يلبّيه من أهله.

 


 

نُشرت المادة لأول مرة في مجلة الرافد الورقية - العدد 248 (صفحة 113)

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها