الرافد الرقمي ليس الوجه الآخر لمجلة الرافد فحسب بل إنه أيضا المدى الجديد للتفاعل عبر الوسائط المتعددة بما يفضي إلى اتساع المساهمات والحضور الأفقي الشامل في الزمن الثقافي العربي

الأديب الجزائري

إعداد: أم السعد مكي

Oct, 28 2017

 

تداخل القرآن في شخصية كاتب ياسين أفرز صيغة (النجمية)

ترجمات الباحثين العرب لرائعة (نجمة) بعيدة عن المعنى الحقيقي

تعود مجلة (الرافد) لاستقراء مواد تناولها مقربون وأكاديميون حول جوانب من الحياة الأدبية لكاتب ياسين (1929- 1989) الذي مزج بين الشعر، الرواية، المسرح والصحافة، النضال من أجل وطن اختزل حيثياته في رواية (نجمة) كما رافعوا لنصرة (عروبة) وديانة الكاتب، مشيرين إلى تداخل (القرآن الكريم) في شخصيته المبكرة، ما أفرز صيغة "النجمية"، التي فجرًت الكلمات، المعاني والفواعل في نصوصه، وتعززت بفضل الثقافة العربية والامازيغية، والثقافة الشعبية التي غرستها فيه والدته، وكان لها الأثر البالغ بتشكيل شخصيته الأدبية، التي تنزح للعروبة، رغم كتاباته باللغة الفرنسية، ويبقى التداخل والتجزئة في رواية (نجمة) علامة فارقة تعود لزمن الثورة التحريرية الجزائرية"

صيغة (النجمية) في عمل كاتب ياسين دليل عروبته:

أشارت الأستاذة رشيدة سيمون، المختصة في الأدب الفرنسي والدراسات المقارنة المعاصرة، - خلال ملتقى نظم بجامعة قالمة∙- ، إلى ما ميز أعمال كاتب ياسين، أهمها "صيغة (التنجيم) الموجودة في صلب الثقافة العربية الإسلامية والجزائرية، عن طريق تأثير النص القرآني، وتعبّر عن نوع خاص من الانفجار في أعماله"، وردًت ذلك إلى " ارتباطه بالقرآن الكريم الذي أنزل (منجما) لكونه التحق بالمدرسة القرآنية قبل التحاقه بالفرنسية، وهو ما يبرز تأثير اللغة الفصحى عن طريق حفظه للقرآن".

رأت الباحثة أثر ذلك واضحا في أعماله الأدبية، وقالت أن (التنجيم) ظهر في صور بلاغية منها (الالتفات) التي تظهر في انتقاله بين الحديث بصيغة الفردية، أو الذاتية، التي يعبّر عنها بـ "أنا" إلى صيغة الجمع في "نحن"، وكذا في قدرته على تكسير الزمن بين الحاضر والمستقبل والرجوع للماضي، وذلك في تعقّبه لمختلف الأفكار والرؤى التي تنتابه في لحظات الكتابة، بحيث لا يترك مجالا لتتابع المشاهد وفقا لمنهجية متسلسلة، فتكون الأولوية لترتيب أفكاره، ثم الاهتمام بالمعاني".

العمق والغموض في كتاباته:

 

 


يقرَ دارسون لأدب كاتب ياسين، بصعوبته وبعمقه في آن، فقراءة نصوصه عشر مرات لا تكفي لاستخراج المعنى الحقيقي، وهذا بدوره متصل بالمعاني التي تحملها والتي توصف بـ "المتنجمة"، وهو ما ذهبت إليه الأستاذة سيمون، مؤكدة على تعقد المعاني: "من يقول أنه تمكّن من الإمساك بطرف المعنى فهو واهم ليس إلا، وهذا يفرض على كل قارئ أن يبحث في مفاصل الكلام، بل إن ذلك حتمية تفرضها حالة العجز حيال فهم نصوصه أصلا، والتي لن تحصل حتى مع القراءات المتعددة، ويكفي أن كاتب ياسين حتى في عبثه بالكلمات، يمكنه أن يعبر عن حالات مختلفة من بينها المعاناة".

كما انعكست الصعوبة في استخراج المعاني بدورها على صعوبات في ترجمة أعمال (كاتب ياسين) من اللغة الفرنسية إلى العربية، وهو ما جعل الدارسون يصفونها بـ "المعقدة والمستحيلة، تماما مع بعض النصوص الشعرية والروائية منها (نجمة، الجثة المطوقة، مناجاة والمضلع النجمي)"، مؤكدين على أن كتابة النص الآخر من الأدب (الكاتبي) أمر في غاية الأهمية والتعقيد، وهو ما ذهبت إليه الباحثة الفرنسية (تاتسيانا كيوتشينس) في أحد مداخلاتها بملتقى نظم بالجزائر حول كاتب ياسين، بقولها أن: "كاتب ياسين كان يدرك جيدا بان ما كان يكتبه صعب ومعقد، ولن يكون في متناول أمته الجزائرية والعربية، ولذا حاول الانتقال إلى ما وصفته باللغة المختلطة، وهي مزيج من المفردات الفرنسية والعربية، وحتى الأمازيغية، والعامية لغة الفئة الواسعة من الشعب الجزائري".

أضافت (كيوتشينس) بأن: "كاتب ياسين كان يشعر بأنه غريب ولا أحد يفهمه، كان يتألم ويعمل باستمرار على الوصول إلى قلب وعقل أكبر عدد ممكن من المثقفين وعامة الشعب، واعتمد على المسرح، ثم خرج من بين جدران المسرح، وراح يخاطب الشعب مباشرة في الفضاءات العامة".

من جهته  أقرً الباحث التونسي منصور مهني، عضو لجنة تنظيم الملتقى الدولي حول كاتب ياسين بولاية قالمة، في مداخلته بصعوبة لغة كاتب ياسين، ورأى أن ترجمته: "ربما تكون مستحيلة، لأن لغة ياسين هي نسيج هندسي متداخل ومتشابك من الصعب تفكيكه، ومعرفة معانيه وزواياه الخفية"، ودعا لأن يوكل الأمر إلى "عمل جماعي جاد، ومؤسسة متخصصة في الترجمة الدقيقة أو القريبة من المعنى على الأقل"، حتى يمكن التوصل إلى معنا قريب من الذي أوحى به كاتب ياسين.

ذهب الأستاذ مهني للقول بأن: "الترجمات التي قام بها بعض الكتاب والباحثين من تونس، الجزائر، مصر وسوريا لرواية (نجمة) بشكل منفرد فاشلة وبعيدة عن المعنى الحقيقي"، كما أنها حسبه تبقى "شكلية، متسرعة وسطحية، ولا يمكن اعتبارها ترجمة أدبية بالمعنى الصحيح"، وهو لا يرى العيب في اللغة العربية التي تمتلك القدرة على استيعاب (نجمة) لكن الإشكال حول مؤهلات القائم بالترجمة، وقال الباحث سمير المرزوقي، أن: "خصوصية ترجمة أعمال كاتب ياسين تحتاج إلى مهندس، فنان وقوة إبداعية كبيرة"، وفضل أن تترك "كما هي، حتى لا تُحرًف عن طريق الترجمة الضعيفة"، كما اعترف الكاتب الجزائري السعيد بوطاجين، صراحة بصعوبة ترجمة أعمال كاتب ياسين وخاصة (نجمة). 

  

ياسين احترم مجتمعه المحافظ فكان مصير (نجمة) الرمزية:  

قبل الحديث عن هذه الجزئية، نود لإشارة إلى أن كاتب ياسين ملهمته الأولى هي والدته بأشعارها، أغانيها وما اوحت به إليه من تمثيل، فكانت كتاباته كما يصفه الكثيرون (نابضة) بثقافة والدته، وهذا ما أكدته شقيقتاه فضيلة وأنيسة في أكثر من مناسبة، كما رفضت الأستاذة سيمون، أي تأثير وافد على كاتب ياسين من الثقافة الغربية، وقالت إن: "كتاباته نابضة بكلام أمه، حكاياتها، أغانيها وقربه منها، فهي تعبّر حقيقة عن الثقافة الأم، التي استقاها منها قبل كل شئ، ثم بالشعر الملحون، بالأسطورة".

أما بخصوص الكتابات والنقاشات التي أثيرت حول أحد أهم مؤلفات كاتب ياسين، وهو رائعته (نجمة) فقد حملت الكثير من الاستفهامات، وفتحت باب التأويل واسعا، بسبب ما اتسم به العمل من "رمزية وغموض"، فلا احد استطاع لليوم أن يمسك بطرف خيط حقيقي يفضي إلى معنا موحد لحقيقة الرواية، التي دفن معناها الحقيقي مع الكاتب، وبين حب امرأة، وحب الجزائر البلد، انصبت التخمينات، وتباينت الآراء التي ينزح بعضها إلى تغليب روح الوطنية على الشق الأول، خاصة وأن كاتب ياسين تعمًد حسب البعض عدم البوح بحقيقة مشاعره، لأنه احترم المجتمع المحافظ الذي صدرت منه الرواية، فكانت الرمزية والغموض مصيرا محتوما لرواية (نجمة).

تحدثت الأستاذة سيمون، بخصوص الرمزية التي تسم رواية (نجمة) بقولها: "إن ياسين، لم يشأ أن يفصح عن اسم ابنة عمه "زوليخة" في روايته (نجمة) بل ألمح إلى ذلك في إشارة رمزية، وذلك بدافع تأثّره بالثقافة الشعبية في شقها المحافظ، حيث يحظر على الكاتب أن يفصح عن مكنوناته في مجتمع تسود فيه "القبيلة" –ولأن كاتب ياسين سليل في حقيقة الأمر قبيلة (بني كبلوت) فجاءت المرأة ضمن صيغ عدة، ووفقا لحركات معينة، دون البوح بها، منها: مشعة، جذابة، شهاب ثاقب، ومض شفاف...".

(نجمة): المرأة أو الوطن المحتل؟:  

 

تبقى القيمة الأدبية لرواية (نجمة) الصادرة عن منشورات (لوساي) الباريسية عام 1956، العامل الأكثر جذبا لها، حتى لو نازعتها الروح الوطنية، ونضال الشعب الجزائري، وقضايا التحرر التي ساندها الكاتب خلال الخمسينيات من القرن الماضي، ذلك ما يبرر حضورها الطاغي على ركح المسارح، وانتشارها الواسع عالميا، واقتراحها لمرات عدة لتكون مشروع فيلم سينمائي، وهي محاولات لفك طلاسمها لم تؤت ثمارها بعد، وبقيت جدلية قائمة تشكك في أيهم أقرب للتأويل والاستنباط بإحالتها إلى رمزية حب (امرأة) تنازعتها القلوب فاستعصت عليها، وبين (الوطن) الذي جسد قلب، هوية وفكر الكاتب، وهو الذي عرف منذ الصغر معنى النضال في سبيله، وبين (والدته) التي هامت بحبه حدً الجنون وهو يساق للسجن ويشاع خبر وفاته، فأية (نجمة) تلك التي تعلق بها الكاتب؟، أم أنها تشير إلى تعداد لا يحصى من (النجمات) تلتقي في جوف رجل واحد؟.  

لعل القارئ العربي احتك بتفاصيل الرواية من قبل، حيث تعد من أولى نصوص الأدب الجزائري التي سوقت للمشرق مترجمة إلى العربية، وهي حاملة رسالة تعبر عن أحداث وقعت بعرش (بني كبلوت) كما لو أن الكاتب يجسد المقولة الشائعة، بأن الأدب كلما اقترب من مسقط رأس الكاتب حقق عالميته، فالتفصيلة الصغيرة عن عرش لا يكاد يُذكر في منطقة تقبع تحت وطأة المحتل، كانت لها دلالتها وبعدها الكبير، وهي رمزية وإن تحدثت عن اغتصاب امرأة، فهي من دون شك تحيل إلى اغتصاب الأرض.

هذا ما يجعل قوافل الباحثين اليوم تحج سنويا في شهر (مارس – آذار) إلى موطن أجداد كاتب ياسين، للبحث في أسطورة القبيلة، ولفك لغز حادثة اغتصاب المرأة الفرنسية، وتحديد هوية أخ (نجمة) ولكن السؤال المطروح: هل ما يزال الأمر مهما للتعرف على صلة القرابة، ومعرفة من ارتكب الخطيئة؟، فالصاعدون تلال عرش (بني كبلوت) ما عاد يهمهم النبش في تفاصيل الخطيئة، بقدر رغبتهم في دخول محراب كاتب ياسين، والتزود من جمالية ونقاء المكان العذري، رغم أنه كان شاهدا على الخطيئة.

كما أنهم يقتفون أثر كاتب ياسين بحثا عن تركة كبيرة من الحب والهيام والشوق، يكون قد خلفها بين ثنايا جبل (عين غرور) ويحاولون تقمص تفاصيل عشقه العذري، ويجعلون صورة المرأة التي عشقها الكل ولم ينلها أحد، وهي التي تفردت بامتلاك ظل (الكاهنة) ويسري في عروقها دم (بني هلال) ويموت منها ولأجلها شباب الجزائر، دون أن يهتموا بصلة القربى التي تجمع بين (مراد، الأخضر، رشيد ومصطفى) تتمظهر في مخيالهم اليوم، تماما كما طغت في ساحة تفكير البطل (لخضر) الهارب من السجن، وهو الذي لم يبال بما ينتظره من ملاحقة ومحاسبة ومحاكمة، ورحل باحثا عمن سلبت الألباب والقلوب، عن "نجمة" التي تكون المراد والمشتهى، المرأة التي تأسر عشاقها، وتبقى عصية، يقول: "قد تنتقل من حضن إلى حضن، ولكنها لا تسلم نفسها لأحد".

تفيد الحكاية بأن امرأة فرنسية يهودية تم اغتصابها من قبل رجلين ينتميان لقبيلة بني (كبلوت) بعد أن قاداها إلى مغارة، ثم تنازعاها فقتل أحدهما الآخر وانفرد بها، وأنجبت (نجمة) التي بقيت مقسمة بين والدة فرنسية، أب جزائري، وامرأة جزائرية عاقر تبنتها، يصفها الكاتب بأنها و:"إن كانت جميلة في شكلها، إلا أنها مشوهة وممسوخة في أصولها وهويتها"، لكن الجد الفاتح (كبلوت) لم يشأ أن تطلها يد المستعمر فأعادها إلى موطن الأجداد وضمها لنساء القبيلة، ليدرأ عنها ما اتصل بذاكرة القبيلة، بأنها مسخ وابنة الخطيئة، يقول الراوي : "نجمة، التي يتنازع الرجال أبوتها.. لكأن أمها الفرنسية قد حكمت عليها بأن تكون كالزهرة السامة، التي لا يمكن استنشاق عبيرها .. لقد لوثتها أمها في أعماق جذورها) ورغم أن السؤال بقي مشرعا يحمل حيرة أبناء القبيلة حول: من منهم يكون أخا لنجمة؟، لكن المرأة المشتهاة كانت قد أسرت كل القلوب، وما تبقى مجال لطرح السؤال والبحث عن إجابة.  

أسطرة (نجمة) حديث ذو شجون:

تمثل (نجمة) العمل الأول لكاتب ياسين الذي خرج لفضاء الأدب من فرنسا ثم إلى العالم، وهي استعارة رمزية متجددة لاستفهامات وتأويلات عن: الحياة، الحب، الثورة، التمرد والهوية، وعن (الجزائر) نجمته الأثيرة، جعلت السعيد بوطاجين، يقول أن كاتب ياسين "يرسم وجوها مختلفة للحب، يؤسطر محبوبته، لا يحاول إسباغ صفات القداسة عليها، ولا تنزيهها من الأخطاء والشوائب، بل تراه يذكر بعض صفاتها الأخرى، تلك التي تجعل منها أسطورة شخصية تختزل التقديس، دون أن تكون مطهرة من التدنيس أيضا".

هذا الوضع يحيل بوطاجين، إلى سؤال أكثر عمق عن هوية (نجمة) وما إن كانت تمثل "صورة ملعونة أم معظمة، وان كانت حقّا امرأة أحبها الكاتب، أم أنها جزائره الخاصة، التي يرسمها في مخيّلته"؟، ليخلص للسؤال مرة أخرى بقوله: "ألا تجسد نجمة سؤال الهوية والوجود بالموازاة مع صحراء العدم..؟، وهل كانت صورة الضحية في هيئة جلاد، أم أنها رهينة الجهل والتخلف واللامبالاة.."؟.

يخلص الكاتب للقول بأن (نجمة) إذا، هي صورة رمزية تحاكي: "الجزائر نفسها، إنها الوطن الضائع، والماثل أبدا، إنها هذا الوطن الذي ينبغي خلقه من جديد، هناك في أعالي الجبل، جبل الأجداد"، ويؤكد على تماهي المرأة والوطن في صورة نجمية واحدة في قوله: "...عندئذ راح وجه معيّن، شخصية معينة، تبرز شيئا فشيئا من بين الجمع، وكما لو بفعل المصادفة كان هذا الوجه وجه امرأة، أو بالأحرى طيف امرأة، وعلى هذا النحو راحت شخصياتي واحدة بعد الأخرى، ورحت أنا أيضا أقع تحت سحر نجمة وفتنتها، ونجمة ليست سوى روح الجزائر الممزقة منذ البدايات، الجزائر التي مزقتها الأهواء الفردية الفائضة عن حاجتها"، لذلك فهي لا تعبر عن روح أدبه الخاص، بل عما سماه: "الهوية الجزائرية"، لذلك تمثل من منظور تأريخي "رواية الجزائر" بامتياز، وجزء من النضال الثوري الجزائري وشعاراته.

تعدد الألسن اللغوية خلق "أزمة هوية" عند كاتب ياسين؟:

اعتبر مهتمون بأدب كاتب ياسين، أن ما حصل معه نتيجة تداخل الأجناس الأدبية في حياته، أفضى إلى حالة من التداخل على مستوى الهوية، كنتيجة حتمية لتعدد الألسن اللغوية بين: العربية، الامازيغية والفرنسية، وهو ما عكس حسب الباحث التونسي محمد البشير أكريمي "أزمة الهوية" لديه، وأثّر فيما بعد على الكتابة الروائية، وعموما على كتاباته التي جاءت جلها باللغة الفرنسية، قبل أن يستدرك ذلك في أعماله الأخيرة بالكتابة بالعربية القريبة إلى العامية، خاصة ما تعلق بالمسرح، الذي حاول من خلاله التقرب من عامة الناس باعتماد (اللغة المختلطة) التي تمثل مزيجا من المفردات الفرنسية، العربية، الأمازيغية والعامية التي تعبر عن لغة قطاع واسع من الشعب الجزائري.

أكد في سياق ذلك الأستاذ أكريمي، على تأثير الثقافات والألسن المتعددة في أدب كاتب ياسين، ورجع في ذلك إلى ما قاله الكاتب عن نفسه صراحة بتأثره بنخبة من الأدباء والمفكرين العالميين، من بينهم: "جيرارد نافال، فولكنار، ابن خلدون وابن العربي"، وهو ما يظهر حسبه في أن النص الروائي "الكاتبي" يحيل إلى التنوع المستقى من كل هذه الروافد، بحكم أخذه منهم جميعا، ويبقى التداخل والتجزئة في رواية "نجمة" علامة من علامات الثورة، التي جاءت كمحصلة لمجازر 8 ماي 1945.

مقابل ذلك، تحاول المؤتمرات والملتقيات التي تنظم بالجزائر، وتجمع كتابا، دارسين ومهتمين من شتى أصقاع العالم اليوم للبحث في أعمال كاتب ياسين، وضع مقاربات منهجية جديدة للتصدي للحملات التي أثيرت حوله منذ عقود، والمشككة في انتماءه الإسلامي، والمؤكدة على نزعته الشيوعية وهو ما أكدته شقيقته (أنيسة) من قبل بأنه (كان شيوعيا حدً النخاع) ومع ذلك تقول بأن (القرآن لم يفارقه أبدا) ويعود ذلك إلى تعليمه الأولي في الكتًاب، قبل التحاقه بالمدارس الفرنسية.

كما تجمع المداخلات التي تمت في شتى أنحاء القطر الجزائري ضمن تظاهرات ثقافية متعددة على "عروبة الكاتب، رغم احترافه للغة الفرنسية في إبداعاته"، وانصبت أحد محاور ملتقى لدراسة: "التفاعلات الثقافية النصية والجمالية في كتابات ياسين"، وخصصت للحديث عن مدى ارتباط المؤلف في مختلف كتاباته وإبداعاته باللغة العربية الفصحى والشعبية، وهو ما يعكس وحدة (الهوية) الداخلية للكاتب الذي واجه العدو بلغته التي اعتبرها (غنيمة حرب) غير أن الأسى سرعان ما استبد بصاحب (نجمة) واستدرك مستفهما:"هل ماتت روحها الجزائرية، لأنني كتبتها بالفرنسية"؟.

حضور كاتب ياسين الأدبي والإبداعي (متعددا):

طالب المرافعون عن (عروبة) كاتب ياسين، من بينهم باحثين من تونس، بحقه في الاعتراف بما قدمه للمجتمع الجزائري والعربي بصفة عامة، من تعريف بالثقافة العربية التي حملتها كتاباته وإبداعاته، وقالوا بوجود "خلل منهجي كبير في العديد من الدراسات والتحاليل التي اهتمت بأعماله، من خلال الخلط بين ما هو حضاري وحداثي وأدبي وثقافي ولغوي وديني"، مؤكدين على أن حضور الكاتب في إبداعاته الأدبية والمسرحية كان "متعددا"، بالجمع بين كل هذه المستويات، مع مقدرته على المخاطبة باللغة الفرنسية، العربية والعامية، وهو ما يفند ادعاء وجود أزمة هوية وتعدد الألسنة في فكره، مشيرين إلى ارتباطه المبكر بالجذور العربية والإسلامية لقبيلة (بني كبلوت) القادمة سنة 1492 من الأندلس بعد سقوط غرناطة.

قبل ذلك دافع كاتب ياسين عن هويته وانتماءه للجزائر وللعربة، معتبرا الفرنسية "غنيمة حرب" مكنته من التفوق على صاحب اللغة نفسه، وهو الذي كتب بتا ليقول لفرنسا "لست فرنسيا"، كما عدًت فرنسا رائعته (نجمة) من أجمل ما كتب باللغة الفرنسية، التي بفضلها نقل صورا رمزية عن حالات القتل للجزائر في هويتها وشخصيتها ووجودها، ووجه أصابع الاتهام للاستعمار الفرنسي فيما خلقه لديه من شعور بالاغتراب والقطيعة مع ذاته، وإحساسه بالضياع عندما فقد أمه ولغتها، وما أنتجه من تشويه للبشر والمدن، وتهديد بتفتيت التركيبة الاجتماعية.

يبقى الجدل قائما بين مد التأثر، وجزر التأثير في لغة العدو (الفرنسية) وأزمة الهوية، لكن يخلص الجميع للقول بأن ما حصل هو أن كاتب ياسين هو من أثّر حيا وميتا في الأدب الغربي، حتى أنه بميلاد (نجمة) أعلن عن ولادة لغة فرنسية جديدة، فكانت أفكاره ومعانيه تتمازج بين النار والجنون الأدبي، فهو الأديب الذي كتب عن البشرية بفكر وأسلوب عالمي، يتعدى حدود الجغرافيا والتاريخ والهوية والثقافة والدين.

المفارقة في الأمر، أن كاتب ياسين ما يزال لليوم ومن تحت الثرى قادرا على جمع الباحثين والدارسين من نقاط متفرقة من العالم لقراءة تراثه (الجزائري- العربي) بلغات متعددة، وهو بذلك لم يقل كلمة الختام ما دام نضاله الطويل الممتد منذ زمن حرب التحرير متواصلا لليوم، وما دام هؤلاء يواصلون البحث في فصول روائعه: الجثة المطوقة، نجمة و(المضلع النجمي) وهو الذي حاول الإمساك بطرف خيط يجمع ثلة من إمبراطوريات افريقية حتى لا تفقد (هيبون) مجدها، ولا تدفن (قرطاجة) وتتوب (سيرتا) إلى ربها، والأهم من كل ذلك حتى لا تفقد (نجمة) بهاؤها وبريقها.

التعليقات

برجاء ملاحظة انه يجب ان تتم مراجعة التعليق قبل السماح بظهوره