كتابة جديدة لطفل المستقبل

أحمد قرني

Nov, 08 2018

كتابة جديدة لطفل المستقبل

المرسل والرسالة وبينهما ناشر

"رجل بلا أخلاق هو وحش تم إطلاقه على هذا العالم" ألبير كامي

مقدمة:

 إن لم نؤمن الآن أننا أمام طفل لا نعرفه فإننا لن نحقق شيئا، الطفل الذى كنا نكتب له قديما ونشبع رغباته بخيال بسيط عن "على بابا وحدّوته قبل النوم ، البساط السحري ، مصباح على بابا " إن أشياء كتلك لن تلفت انتباه الطفل المعاصر ولن تشبع رغباته ولا تحفزه على مواصلة القراءة . إن كتابة خاملة تعتمد الخيال القديم وتبحث في التراث عن حكايات عن الجن والعفاريت أو سندريلا.. الخ.. لن تجدى وستؤدى حتما إلى انصراف الطفل عن متابعة ما نكتبه لأنها ببساطة لا تلبى احتياجاته، وتفصله حتما عن واقعه المشاهد، إن طفلا يتعامل مع الكمبيوتر بمهارة تفوق الكبار بل ويستطيع التواصل مع قرنائه عبر هاتفه المحمول وعبر شبكات التواصل الاجتماعي لن يعتمد خيالا مريضا ساذجا بل حتما هو يريد خيالا محفزا خيالا طليقا من القيود خيالا يدفع للمعرفة والسؤال لا الاستكانة والتسليم بفرضيات ساذجة لن يعتمدها الطفل المعاصر وسرعان ما سيكتشف سطحيتها وينصرف عنها لذا تأتى أهمية التعليم في الصغر مما دعا الفيلسوف البريطاني برتراند راسل يقول " لا يولد البشر أغبياء بل جهلة ثم يجعلهم التعليم أغبياء" ..وربما نكون الآن أحوج ما نكون إلى التواصل مع أطفالنا وخاصة إذا أدركنا أن الطفولة البشرية هي أطول فترة طفولة بين جميع الكائنات الحية وإذا وضعنا في الاعتبار أيضا أنه كان يتعامل قديما مع الطفل على أنه كائن شرير بطبعه ويحتاج إلى تلقينه وتربيته بالعصا والشدة لتقويمه وتهذيب سلوكه إلا أنه في أوائل القرن الثامن عشر نادى الفيلسوف الفرنسي جان جاك رسو (1712-1778) بأن هدف التربية هو أن يتعلم الإنسان كيف يعيش وأن نترك للطفل فرصة تنمية مواهبه الطبيعة وأن تقدم له المعلومات التي يحتاج إليها ومن ثم بدأت تلك النظرة السلبية عن الطفل تدريجيا في التلاشي ولقد كان الكتاب يستنكفون الكتابة للأطفال بحجة أن هذه الكتابة الموجهة للأطفال أقل قيمة من الكتابة للكبار ويُعتبر تنزيلا لمكانتهم إلي أن جاء القرن الثامن عشر وكتب جان جاك روسو تعاليمه في كتابه (ايميل):

 الاختلاف بين كتابتين

قال الكاتب السويدي ستارك في حديثه في معرض الكتاب السعودي عام 2012 "إن مشكلة كتب الأطفال العربية أنها تركز على الجانب التعليمي بينما الأساس هو الجانب الفني والتخيلي." (1)

المتعة والخيال والعقل معا

إذا كنا ندرك ونحن نكتب للكبار أدبا أنه ربما ووفقا لبعض النظريات الأدبية أنه "لا يهم ماذا تقول ولكن ما يهم هو كيف تقول" ،ولكن إذا كنا أمام كتابة للطفل فإنه يعنينا بالقطع الأمران معا" ماذا نقول وكيف نقول" لأن الكتابة للطفل لابد من أن تحمل مضامين بالقطع أخلاقية ووطنية وتربوية ..الخ لأنها تخاطب إنسان المستقبل وتعنى بتكوينه نفسيا وجماليا وأخلاقيا من خلال منظومة القيم السائدة في المجتمع الذى يعيش فيه لكنها وبرغم أنها تحمل تلك المضامين الأخلاقية والتربوية فإنها لابد وأن تقدم له المتعة لأن المتعة التي يوفرها أدب الأطفال للكائن الصغير وتدفعه إلى الإقبال على التلقي لهذا النوع من الأدب ولولا تلك المتعة التي يجدها في القراءة ما أقبل الطفل على عملية القراءة ومن ثم فإن توفر المتعة تصبح ضرورة حتمية لتمرير تلك المضامين التربوية والأخلاقية وبدونها فلا حديث عن كتابة تقدم للطفل وعن طريق أدب الأطفال "ينمو الصغير ويتطور من حالة التمركز حول الذات إلى كائن اجتماعي يتمركز حول الآخرين و يتحول من المتعة إلى الاحتمال . ومن الاحتمال إلى المشاركة الوجدانية ، ومن المشاركة الوجدانية إلى الإحساس العقلي بشعــور الآخرين . ومن ثم يكون أدب الأطفــال قد أسهم في خلق طـفـل مثابر مخلص اجتماعي متعاون ، يقف أمام المخاوف ، والقلق ليقضى عليها ولا يفر منها (2) ومن ثم صار شكل الكتابة وشكل الحروف والغلاف والألوان وملامستها وتجسيد الرسومات واستخدام أحدث تقنيات الطباعة جزءا لا يتجزأ من مضمون الرسالة ومحتواها

ولأن هذا الطفل بات يعلم ويتابع ومستواه ذكائه نتيجة تعامله مع الواقع الجديد بات عاليا لذا أن تقدم له الأمور مسببة وبالعلة والمعلول ولا تقدم له هكذا دون منطلق واضح للأحداث فلن يقبلها الطفل وهذه الكتابة يجب أن تقدم له الدهشة والتفكير المنظم ويجب ألا تعتمد على الفرضيات الجاهزة .. ويجب أن تختفي التعابير والألفاظ التي نقولها للأطفال أهمية في إضعاف ثقتهم بأنفسهم، وتدمير تقدير الذات لديهم، أو على العكس دعم التفكير الإبداعي لديهم، ودعم ثقتهم بأنفسهم. وهذه بعض الأمثلة على التعابير المحبطة:

 

من أين أتيت بهذه الفكرة السخيفة؟

لا تسأل مثل هذا السؤال الغبي.

ألا تستطيع أبداً أن تفكر بطريقة صحيحة.ألا تفكر أبداً.

هل هذا كل ما تستطيع قوله/عمله/ التفكير به؟

ومن الأمثلة على التعابير التي تدعم التفكير الإبداعي:

هذه فكرة رائعة.

أخبرني المزيد عن ذلك.

كيف توصلت إلى هذه النتيجة؟

هل فكرت ببدائل أخرى؟

جرب ذلك بنفسك، وإن احتجت إلى مساعدة أخبرني.

هذا سؤال جيد.

أنا واثق أنك تفهم بشكل صحيح.(3)

 

كتابة لمتلقي جديد لعصر جديد

 

أن هذه الأدب وتلك الكتابة تقدم للطفل بحسبانه قارئ مستقبلي وقديماً قال العرب إننا نربي أبناءنا لزمان غير زماننا،  وهو ما ينشده أدب الأطفال هو خلق الجيل الجديد لكى يتلاءم مع زمنه القادم الذى سيعيش فيه لا الزمن الماضي ولا الزمن الحاضر  وإذا أدركنا الآن أننا نتعامل مع أطفال عصر جديد فهذا يعنى أننا أمام متلقى جديد للكتابة للطفل وأنه بات كائنا مختلفا عن العصور الفائتة لذا فإن كتاب الأطفال يصبحون في مأزق حقيقي وداخلهم السؤال المحير كيف نتعامل مع هذا الكائن الصغير الذى نشأ في عصر الاتصالات والمعلومات وأجهزة الحاسوب والفضائيات وشبكة المعلومات وشبكات التواصل الاجتماعي؟ إن قعود كاتب الأطفال عن الإجابة عن هذا السؤال الصعب وهو كيف سنكتب للطفل في هذا العالم الذى أصبح الخيال فيه يقارب الواقع؟!! بل إن الواقع ربما تجاوز الخيال القديم " البساط السحري ،مصباح علاء الدين ..الخ " حتى السينما باتت تقدم الخيال المتجاوز وربما يساهم كل هذا في انصراف الأطفال عن قراءة ما يقدم لهم من كتابة رديئة تعتمد الخيال القديم وتحاول استدعاء التراث القديم في محاولة بائسة لإعادة المتلقي الصغير الهارب إلى حظيرة خيال ساذج يحاول بعض الكتاب للأسف العودة إليه، لذا فإن مفتاح الولوج إلى الطفل وذهنه هو الخيال ولا يمكننا مخاطبة الطفل الآن إلا من خلال خيال يتواءم مع معطيات عصره وأدواته وربما يكون الخيال العلمي هو أقرب مثالا على هذا النوع من الخيال الذى نأمل أن يقدم للطفل بحرفية تجعله يقبل على متابعته بشغف ،هذا النوع من الأدب الذى يعتمد على فرضيات علمية ونظريات يمكنه أن يقدم للطفل وجبة شهية من خيال جامح عن علوم المستقبل وربما يسهم بشكل حقيقي في تنمية العلوم والابتكارات وهذا ما حدث مع بعض الكتابات التي أثرت تأثيرا مباشرا في تقدم العلوم ومنها قصة فيرن التي تروي كيفية قيام أعضاء في نادي المدفعية في بلطيمور، بعد أن لم تعد لديهم مهمات ملحة في نهاية الحرب الأميركية الأهلية، بصنع مدفع لإطلاق كبسولة إلى القمر. ومما يثير الانتباه كون الكثير من حسابات وتكهنات فيرن، التي جاءت على أساس ما توفر في تلك الأيام من معلومات علمية محدودة عن الفضاء، كانت صحيحة ودقيقة إلى حد مدهش. وقد تطرق المؤلف الفرنسي في قصته إلى المواد التي يتم استخدامها وإلى طريقة ابتداع نظام فعال لتنقية الهواء وكيفية امتصاص الصدمة الناجمة عن التيار الهوائي الذي يسببه الانفجار العنيف المؤدي إلى إطلاق الكبسولة، وهي بعض نفس المشاكل التي واجهها العلماء بعد ذلك وسرعان ما تمت ترجمة القصة، التي وضعت أصلاً باللغة الفرنسية، إلى الإنجليزية والروسية وغيرها من اللغات، مما حقق لها تأثيراً عالميا.  إن هذه القصة بعد مرور حوالى قرن أو يزيد باتت حقيقة علمية ووصل الإنسان فعلا إلى فضاء بكبسولة فعلا هي سفينة الفضاء يحملها صاروخ إلى القمر وتحقق خيال فيرن 

إن المتابع الجيد لما يطرح في سوق الكتابة للطفل سيكتشف أن معظم ما يقدم يفتقر إلى المتعة وجذب خيال الطفل الجامح لمتابعته وخاصة أن جل ما يقدم له في مراحل دراسته أدبا لا يحمل سوى المباشرة في توجيه الطفل ..كتابة خاملة تفتقد المتعة والخيال الخصب وتطرح مضامين دون متعة ومعلومات جافة  دون تسلية ،إن طفلا شاهد صاروخ الفضاء وتابع المحطات الفضائية ورأى العالم قرية صغيرة على شاشة هاتفه المحمول وتواصل مع قرنائه في شتى أركان الكرة الأرضية لا شك هو طفل يصعب التعامل معه ويحتاج إلى كتابة جديدة وأدب مختلف ينفذ إلى ذهنه ويشبع رغباته تلك وتمنحه قدرة العبور إلى المستقبل في خياله أولا ليعود إلى واقعه بالتغيير الذى يقوده أطفال الآن علماء المستقبل ،التخيل هو اســتحضار صور لم يسـبق إدراكها من قبل إدراكاً حسـياً، كاسـتحضار الطفل صورة لنفسـه وهو يقود مركبة فضائية. وهذا يعني أن التخيل هو تأليف صور ذهنية تحاكي ظواهر عديدة مختلفة، ولكنها لا تعبر عن ظاهرة حقيقية، كما لا تعبر عن صورة تذكارية. ومع أن التخيل ينتهي إلى تأليف صورة جديدة فإنه يرتبط بالإحساس والادراك والتذكر، فالطفل أثناء تخيله ينتقي ويرتب ويحوِّر ويؤوِّل وصولاً إلى الصورة الجديدة. يرتبط التخيل بالخبرات الماضية، ويقوم بدور مهم في عملية التفكير وفقاً لمراحل نمو الطفل، ويشـغل التخيل حيزاً كبيراً من نشـاط الأطفال العقلي منذ السـنوات الأولى في أعمارهم، إذ نراهم يتخيلون وقائع وحوادث، ويقوم كثير من أفكارهم وألعابهم وآمالهم على الخيال. ويكون الطفل بين الثالثة والخامسـة ذا خيالٍ حاد، ولكن ذلك الخيال محدود في إطار البيئة الضيقة التي يحيا فيها. فهو يتصور العصا حصاناً، ويمسـك بها، ويضعها بين سـاقيه، ويجري بسـرعة متخيلاً نفسـه فارسـاً من الفرسـان. ويتصور الدمية كائناً حياً، فيكلمها برفقٍ وحنان، ويغضب منها، فيطلق عليها سهام السباب والشـتيمة.(4)

 

نحو كتابة جديدة:

 

وإذا كنا نأمل أن نقدم الفائدة للطفل والمرجو من الكتابة له والغاية التي ربما تنحصر في الآتي:

  • تقديم المعلومة.
  • تقديم الخبرة والتجارب.
  • تلقين الطفل الأخلاق والقيم المجتمعية السائدة والإنسانية العامة.
  • الإثراء اللغوي وتنمية المهارات اللغوية.
  • توفير المتعة والخيال والتسلية.

 

 

فإن كاتب أدب الأطفال عليه أن يدرك الآتي:

 

أولا : طفل المعرفة وثورة الميديا

 أننا إذا كنا إزاء طفل مختلف الآن عن ذي قبل، وأن ما يواجهه كتاب الأطفال لم يسبق أن واجهه كاتب من قبل لأننا أمام طفل وكائن مختلف أتيحت له المعرفة بضغطة على زر وربما يجيد التعامل مع الأجهزة الحديثة أكثر مما يجيده الكبار وأحيانا ما يلجأ الكبير للطفل لكى يعينه على استخدام جهاز الكمبيوتر أو جهاز موبايل حديث وهذا يعنى أننا إزاء كائن مختلف يمكنه التعامل مع شبكات التواصل والكمبيوتر بمهارة فائقة تفوق الكبار وهذا الكائن الصغير لن يكون هو طفل الماضي الذى كان يفرحه ويسليه حكايات عن على بابا أو حكاية السندريلا أو البساط الطائر وأن أسلوب التعامل معه يجب أن يكون مختلفا تماما إن طفل يجلس بالساعات يحدق في الشاشات حتما سيكون طفلا مختلفا عن طفل الماضي وبعيدا عن أضرار تلك المتابعة وهذا التحديق المستمر يجب استثمار ذلك التعلق بالميديا والوسيط الحديث ليصبح أداة نفع للطفل لا أداة ضارة وهذا يحتاج منا إلى مجهود مضنى وبعيدا عن فكرة ضخ المعلومات وحشو رأس الطفل بالإحصائيات والمعلومات المكدسة على كتاب الأطفال أن يدركوا أن عصرا جديدا قد بزغ  وأنه لا جدوى من حشو رؤوس الأطفال بمعلومات كثيرة "خاصة وأن التطور التقني والمعرفي الرهيب جعل من الحصول على المعلومات غالبا لا يشكل أية صعوبة، كما لن يشكل امتلاك المعلومات في المستقبل فارقًا جوهريًا بين الأمم والأفراد، وإنما سيكون التميز مرتكز أساسا على مهارات المجتمع في استخدام المعلومات وتحليلها وتوظيفها، ولذا فإن تنمية المهارات العقلية العملية لدى الأطفال ستكتسب أهمية بالغة"

 

ثانيا : طفل مشوه

أن هذا الطفل الكائن الصغير الذى بات يتعامل مع كافة الوسائط الحديثة بمهارة ويتلقى عنها دون رقيب أو حسيب فهو على ما يبدو سيكون مشوها لأنه حتما سيتعامل مع مادة لم تقدم له وحتما وجبرا ستطرح عليه موضوعات لا تلائم سنه ولا تجاربه وهذا أمر مزعج جدا لأنه سيؤدى إلى تشويه هذا الكائن  وقالت جمعية إن.سي.إتش إن اللوم يقع في أغلبه على الإنترنت في الزيادة المخيفة في جرائم استغلال الأطفال، حيث قال تقرير للجمعية المهتمة بالأطفال نشرته بي بي سي بتاريخ يناير 2002حول كيفية التغلب على تلك المشكلة، يقول جون كار معد التقرير "إن فرض رقابة على الإنترنت ليس هو التوجه المستحب، وعلى أي حال من المستحيل تطبيق ذلك تكنولوجيا، ويناشد صناعة الإنترنت بذل جهد أكبر لجعل الشبكة أكثر أمنا بالنسبة للأطفال."

وقال "نحتاج لحلول فنية أكثر وأفضل، وهو ما يفرض تحديا على صناعة الإنترنت. إذ لم نستطع إقناع غالبية الجمهور بأن الإنترنت آمنة بالنسبة للأطفال.. ففي النهاية ستنتهي الإنترنت كما نعرفها اليوم، وسيكون هذا أمرا مؤسفا".

  حتما ستبوء محاولات الحجب والمنع بالفشل ولذا كان يجب على كتاب الطفل أن يدخلوا إلى هذا الكائن الجديد بأدوات جديدة تمكنهم من التعامل معه وتحصينه بقيم مجتمعه وأخلاقه وحمايته من الأفكار التي تبث له بغية تحويله إلى مجرد شيء لا إنسان عاقل، إن مهمة كاتب الأطفال الآن باتت مهمة للغاية ..فالتشوه اللغوي الذى ينتجه التعامل مع الميديا الحديثة سواء على مستوى اللغة أو الكتابة ،الأخطاء عديدة ومتنوعة حد كتابة الكلمات العربية بحروف لاتينية كما أن اللغات الأجنبية وخاصة الإنجليزية صارت الأكثر شيوعا بين المتعاملين مع الميديا ومن هنا وإن كنا نرحب بالقطع بتعلم الأطفال لكافة اللغات فإن الخطورة تكمن في التشوه اللغوي الذى انتشر وذاع لدى معظم المتعاملين مع الميديا الحديثة من الأطفال   

ثالثا : طفل كونى

إننا لسنا بصدد مخاطبة الطفل المحلى الذى لا تعنيه سوى قضاياه سواء كان طفل الحضر أو طفل الريف أو طفل البادية فهذه الفواصل وتلك الحدود الجغرافية المعتادة باتت وهما ،الطفل المعاصر الآن يمكنه التعامل مع كافة الثقافات والانفتاح على العالم كله والاشتباك مع قضاياه والاهتمام بها ،بل وأصبحت له صداقات في قارات أخرى ومع قرناء له يتحدثون بلغات أخرى غير لغته وهو يتواصل معهم ببساطة ويسر وهذا ما لم يتح للأجيال السابقة ومن ثم فإننا في حاجة لتغيير أدوات تلك الكتابة بحيث تتلاءم مع هذا الجيل وتلائم أدواته واتساع أرضه التي عبرت الحدود وصارت بحجم الإنسانية واتساعها "نحسب أنّ قيمة النص القصصي المكتوب للطفل ،قيمته الأدبية والفنية الجمالية هي التي تنقله من دائرته القومية إلى دائرة العالمية، لأنّ في قيمه الإنسانية مرجعيات تربوية وتعليمية يجد فيها كل مجتمع وكل طفل بعضا من شخصيته، ولأنّ كل عمل فني أو أدبي إلاّ وفيه جوهر إنساني يخاطب من خلاله الجانب الإنساني في الطفل ،فيجد استجابة من لدن الطفل، وهذه هي الخصيصة الموضوعية في عالمية الأدب. وهذه النصوص بالذات هي التي نجد الفنون جميعها تتجاذبها وتدمجها في دائرتها. بصفتها موضوعا يمتلك قابلية التراسل والتواصل مع كل نفس تنشد الخير والسلام. وهذا ما ألفيناه في قصة "ساندريلا" التي كانت في أول ظهورها نصا أدبيا أي قصة لغوية، ثم قصة مرسومة مرافقة للنص اللغوي القصصي، ثم صورا متحركة ناطقة. ثم رأينا بعض الفنانين الرسامين يفتتن بها بصفتها قيمة فنية فيحولها إلى لوحات فنية في غاية الجمال والدهشة، بل رأينا من الفتيات من وصل بها حد الافتتان بشخصية "ساندريلا" أن تتمنى لو كانت ساندريلا وهكذا شأن النصوص الفاتنة التي يمكن وصفها بكرة الثلج الثقافية " مقال للدكتور عميش عبد القادر مجلة الثقافة " 

وهذا الطفل ـ بالمناسبة ـ لن تصلح معه كتابة كالتي تقدم له ولا رسومات ولا مسرح ساذج بليد لا يشبع حاجات الطفل المعاصر "وأن العكوف على التراث فقط لن يجدى نفعا لكن لا يعنى هذا أن تحدث قطيعة مع التراث بل يمكن الاستفادة منه وإعادة اكتشافه وطرحه بشكل يتلاءم مع طفل العصر ويوجه الدكتور على الحديدي نقدا شديدا لدور النشر لاعتمادها على المترجمات الأجنبية برغم اختلاف البيئات الثقافات بين الشرق والغرب (5). وهذا في رأينا قول مستغرب في زمن رفعت فيه الحدود وصرنا نتحدث عن أدب إنساني وعن تلاقح الثقافات وعن طفل كونى وأن المعرفة القوية بالأدوات التكنولوجيا رفعت معظم الحواجز أمام أطفال هذا الزمن ومن ثم فالحديث عن الخصوصية بات كلاما مرسلا ... 

     ومما يذكر أن ولت ديزني السينمائي المشهور، قد زار مقابر المصريين القدماء ورأي بها قصص الأطفال فاستوحي منها فكرته عن أفلام الكرتون الشهيرة.

ولا شك أنه لا يمكننا توجيه كاتب الطفل إلى طرائق بعينها يمكنه من خلالها مخاطبة الطفل والكتابة له لأن تحديد تلك الطرائق والأدوات هي مهمة الكاتب نفسه ولا نستطيع أن نحدد له طريقا مرسوما لا يمكنه تجاوزه وهو في سبيل تحقيق مهمته في تحرير عقل الطفل من الخرافة ودفعه إلى التفكير العلمي والتخلص من النتائج المسبقة دون اتباع طرق التفكير للوصول إليها ولعله من غير المناسب هنا التلقين والمباشرة في توجيه الطفل بل يجب حثه على عملية الاكتشاف والبحث وأن يفتح حواسه جميعها ويستعملها في إدراك العالم المحيط به وفرز القيم التي تلقى إليه الثمين منها من الغث أو الرديء "وهذا كله يتفق وينبثق من فلسفة التربية الحديثة التي تهتم بشخصية الطفل بكافة أبعادها الجسمية ، العقلية ، النفسية والاجتماعية ، وتركز على أهمية أن يعيش الطفل طفولته ويحيا حياة سعيدة حتى يتمكن مستقبلاً من العيش بسلام وطمأنينة (6)

 

سكاى خوغن الطفل الرقمى  

ما إنْ ينتهي من واجباته المدرسية اليومية، حتى يقوم سكاي فوغن-بيرلنغ، الذي يعيش في أغورا هيلز، بقراءة بعض قصص الأطفال التي يهواها، لكنه لا يقرأ من كتب الأطفال الكلاسيكية التي نعرفها، بل من الكومبيوتر، عن طريق كبس بعض أزرار الأسهم التي تقلب الصفحات. وفي بعض الأحيان تتحرك شخصيات القصة على الشاشة مثل الصور المتحركة على التلفزيون. وإذا رغب، يمكن لهذا الكومبيوتر أن يقرأ الكتاب له، بينما هو مستلق على فراشه. «إنه مستوى جديد لقراءة الكتب» كما تقول والدته فيكتوريا. ويبدو أن القراء والناشرين على السواء يقومون حاليا باعتماد تقنيات المستقبل الرقمي. فقد ازدادت مبيعات الكتب الإلكترونية بنسبة 73 في المائة في أكتوبر الماضي، مقارنة بالشهر ذاته من عام 2007، استنادا إلى جمعية الناشرين الأميركيين، في حين تقلصت مبيعات الكتب الورقية الخاصة بالكبار بنسبة 23 في المئة، وكتب الأطفال من النوع ذاته بنسبة 14.8 في المائة في الفترة ذاتها. أما مبيعات كتب التعليم العالي، بما فيها الكتب المدرسية والجامعية، فقد انخفضت بنسبة 443 في المائة "(7)

وهو ما يؤكد وبشدة أننا نسير في اتجاه ما يسمى " أدب الأطفال الرقمي " كأحد منجزات العصر الحديث ولا شك إن اعتماد هذا النوع من الكتابة التي تتشكل فيها الكتابة مع الصوت مع اللون والصورة والحركة قد يثمر كثيرا في اجتذاب الأطفال حوله "وزيادة على المزايا الكبيرة لاستثمار التكنولوجيات الحديثة وفتوحاتها في النهوض بأدب الطفل من خلال تحويل نصوصه إلى المجال السمعي البصري، فإن النشر الافتراضي عبر الإنترنت للنصوص الأدبية الموجَّهة إلى الطفل قد يساهم في إعادة الوهج اللافت لأدب هذه الشريحة، حيث لا ينكر المتابع للفضاء الافتراضي حضوراً لا بأس به للمنابر المشتغلة على نشر نصوص أدبية للأطفال رغم ما يعتري كثيراً من هذه المواقع والمجلَّات والمجموعات الافتراضية من عدم احترافية وانعدام للتخصيص الأجناسي بين شعر وقصص كُتِبت للأطفال " (8)

ولا شك أن تطورا مهما طرأ على تلك الكتابة الموجهة للطفل التي كانت قديما تقتصر على القراءة ثم ألحق بها الرسومات حتى شكلت نصا إبداعيا موازيا للنص المكتوب ثم تلى ذلك في هذا العصر حاسة السماع والتي تمكن الطفل من سماع تأثيرات أخرى تؤثر في وجدانه وعقله منها الموسيقى وتحريك الصورة

•           وعلينا أن نحتاط من الأثار السلبية التي ستنتج عن ذلك العالم الافتراضي ومنها التأثيرات اللغوية السلبية والتشويه في اللغة إلى حد ما نراه في الكتابة على ما يسمى " الشات " فقد نشأت لغة مشوهة إلى حد كبير وتفاقمت تلك الظاهرة بما يدعونا إلى النظر فيها وفى متابعة تأثيراتها على الأطفال والتحصيل اللغوي في المستقبل وكذا تأثيرها المباشر على عدم قدرة الأطفال إلى الانتباه إلى المعاني العميقة في القصة التي يتابعونها لانشغالهم بتأثيرات الميديا من أصوات مصاحبة تشتت ذهن الطفل في التركيز على المضامين الأخلاقية والتربوية التي تحملها أيضا من التأثيرات السلبية لهذا النوع من الكتابة الرقمية الذى يستعين بالميديا الحديثة إن هذا الوسيط الأدبي الجديد ربما يعوق خيال الطفل ويقصره على ما تقدمه له الشاشة دون أن تطلق خياله السارح الذى يستعين به في قراءة الكتب الكلاسيكية ومن ثم فإنه لا يجب أن نهمل أهمية الكتب العادية الموجهة للطفل وأن هذا لا يعنى أن الوسيط الجديد يصبح بديلا عنها لأن لكل منها دوره ووظيفته لدى الطفل 

•           وأخيرا  وعـندما سـُئل الكاتب الأمريكي إسـحاق أزيموث وهو أحد الكـُتـّاب المتخصصين في الخيال العلمي - «ما دور الخيال العلمي بالنسبة للأطفال والشـباب»؟ قال: لو أن مائة شـاب قرأوا أدب الخيال العلمي فإن نصفهم سـيتعلق بالعلوم ويتجه إليها. ونصف النصف سـيتخصص فيها ويصبح من رجال العلم، وقد يبرز منهم عالم واحـد. وبروز مثل هـذا العالـِم أكبر مكسـب. وفي ندوة عـُقدت في جامعة كاليفورنيا في عـام 1989، ضـمَّت هـذه الندوة حشـداً من العلماء، وكُـتّاب الخيال العلمي في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا. دعـت هـذه الندوة إلى أهمية إدخال مادة الخيال العلمي ضمن المناهج الدراسـية بشـكلٍ جـديد.   

•           نتمنى أن يدرك كتاب الأطفال والتربويون وكذلك القائمون على التعليم في مصر أهمية تلك الأفكار التي طرحناها وتحدث فيها كثيرون قبلنا أهمية أن نساهم في أن ننتج علماء لا جهلة، أهمية أن ننتج جيلا يبدأ في نقل هذا الوطن إلى مكانة تليق به بين الأمم نتمنى ولن يكون ذلك إلا مع بداية جديدة مع جيل جديد هم أطفالنا وإذا كان الناشرون هم الواسطة بين الكتابة والكاتب وبين المرسل إليه وهو الطفل فيجب أن تغلف هذه الرسالة بما يجذب الطفل ويثير اهتمامه وضرورة الاهتمام بشكل الكتاب المقدم للطفل فقد صار الآن جزءا من الرسالة والمضمون حين يلمس الطفل الورق وأن يشم وأن تتحرك الرسومات وأن تضيء الألوان وأن تتجسد الأشياء داخل الكتاب لم يعد الحديث عن وسيط بل صار مضمونا ولعلنا نلحظ أن بعض دور النشر المصرية والعربية تلاحق تلك التقنيات الجديدة فى الطباعة بينما ظلت معظم الهيئات الحكومية تصر على طباعة كتاب الطفل بشكله التقليدي حتى الآن ؟!!!

 

الفهرس والمراجع

1ـ يراجع المنشور  بجريد الحياة العدد 17872

2ـ يراجع " كتاب  د .على الحديدي ، في أدب الأطفال ، ص 94 مكتبة الأنجلو الأمريكية "

3ـ تراجع دراسة منشورة "أدب الأطفال والتربية الإبداعية الكاتبة: سناء العطاري- منتدى القصة العربية 2007

4ـ منشور " أخبار الخليج إبراهيم سند العدد : ١٣٢٩٤   بتصرف "

5ـ مفهوم و تاريخ أدب الاطفال عند العرب – دكتور علي الحديدي

6ـ "حنان عبد الحميد العناني أدب الأطفال ، ط2 ، ( عمان - الأردن دار الفكر ، 1992  ، ص 20."

7ـ  يراجع تقرير نشر بجريدة الشرق الأوسط بتاريخ 27 يناير 2009 العدد 11018  نقلا عن لوس أنجلوس تايم "

8ـ  " يراجع علاوة كوسة - مجلة الدوحة منشور بالعدد  87، عام  2014"

 

التعليقات

برجاء ملاحظة انه يجب ان تتم مراجعة التعليق قبل السماح بظهوره