سيمياء القصيدة

عبد الرزاق معروف - سوريا

Oct, 18 2017

وشيفرتها السرية التربوية منذ الصغر، وعلى الإنسان أن يخصص طبعه كما ترى مدرسة الطباع الفرنسية أو يحقق فردانيته كما ترى الفلسفة الوجودية أو يزكي نفسه كما تراه الأديان السماوية.

لذلك فإن سيمياء القصيدة هي أجلى مرايا الذات الشاعرة لإنسان يلتمس نفسه في العالم في تجربته الشعرية الحقيقية في كونها كنه صوره الابداعية.

حيث تشكل الحياة اللاواعية الوجه الخفي للتجربة الوجودية للشاعر في كثير من الأحيان، وتكتسب وزنها وتأثيرها من خاصيتها الأساسية، وهي الإفلات من الوعي والضغط الذي تمارسه المكبوتات على وجه النشاط الحياتي من ناحية ثانية. وإن نمط الشخصية وبنيتها هو نتاج لنظام تلك العلاقات. عبر الزمان الماضي والحاضر ينبئ مدى حريتها وفرادتها وإبداعها من صور الفن وهي قناع للمأزق الوجودي الحيوي الذي يعانيه الشاعر لرؤية التناقض في فاعلية الحس الجدلي الإيجابي للنفس في مواجهة الوجود.

- والسيمياء: في النقد الحديث هي من مصطلحات الأسلوبية أو البنيوية وقد تبلور بمفهوم محدد وكاد أن تصبح له استقلاليته وتحول من فرع إلى آخر وهناك كتب أفرزت للحديث عن هذا المصطلح.

أما سيما القصيدة فهي تنصرف إلى مفهوم الملامح في جدلية الشكل مع المضمون وأيضاً تنصرف إلى (العلامة) والعلامة أيضا مصطلح بنيوي. ومع ذلك فقد أخذ مصطلح (سيمياء) مكان (سيما) وهو المقصود في هذه الدراسة بعدما كثر ذلك مع العلم أن (السيمياء) قديماً كانت على صلة بعلم السحر أو ما يسحر عيون الناس مجازاً ولا يستبعد أن تكون (السينما) التي تطورت على الفانوس السحري لها صلة بهذا المفهوم.

هذا.... وإن روعة الأسلوب مرتبطة باختلاف الطبائع، وتركيب الخلق، ووعي التربية الاجتماعية، وقد أطلق العرب القدماء عليها اسم (البديهة) ولذلك ينحرف الخيال والعاطفة معاً عند ذوي الغرائز النفسية الفاسدة، ولابد من معيار أخلاقي يشهد للشاعر المبدع بصدق التجربة الشعرية الإنسانية. وإلّا أحال المفاهيم إلى أخيلة ذهنية قلقة تنقصها انفعالية الواقعية أو المعرفة التخيلية حيث الشخصية تتنامى في الضفيرة الاجتماعية والقصيدة بين الفاعلية والمفعولية والأصالة.

- وأن نحيا الحياة بتوهجها للسموّ دون الاندياح في سفسافها. تلك هي الحكمة من وجودنا والشاهد على فعالية القصيدة وبراءتها من الخواء، وتماثل الزيف، وسقوط القيم.

ومن هذه المرايا أو الومضات المستقلة والمتداخلة للعديد من نشاطاتنا النقدية:

- الإسراف في الشكلانية دلالة على أسر المظهر، وتستر الذات على فراغها وافتقارها إلى الموقف الغني في تجربتها الحياتية وشبهتها في عقدة قهرية هي نداء الأعماق فيها.

- إن القصيدة الحية تلك التي تنعش الروح، وتوقظ الحس الإنساني في ماهيته العالية بعد أن استهلكته الضرورة. بين أقنعة الكائنات الخلّبية في مياومة الحضيض.

وإن حس الزوال أو الغياب وحس الارتواء أو الارتقاء هما الحقيقتان اللتان توارثتهما البشرية عن آدم وما زالتا أساسيتين في نشاط الخلق عامة والفن خاصة.

وما أكثر قصائد البكاء والحنين في هذين الحسّين أو بين بين. وهي فكر وعاطفة وخيال وجماعها من سيمياء شخصية الشاعر في تجاربها الحياتية شاء أو أبى من قريب أو بعيد. وفيما إذا كانت تتصل في صميم التجارب البشرية الأساسية وأهدافها الرئيسية الإيجابية أو مقزّمة ومتشيئة في مستنقع المتعة مع من تشيّأ في شتى الأقنعة الوهمية على الأرصفة الارتزاقية بتسكّع الشعر، ولننظر:

1) هل صورها إبداعية تثير انفعال المتلقي إلى درجة يتهيّأ فيها لأن يتأثر بهدفية الشيفرة السرية فيها.

2) هل أثارت فينا متعة الجمال، والإحساس بقيمة الحياة وحفّزت إرادتنا وإدراكنا وعواطفنا للتوازن والانسجام.

3) هل هي التقريرية المباشرة الجافة أم جدلية اللاشعور مع الشعور في تجربة حية تتوهج قيمها في مدارات الجمالية والأخلاقية معاً.

وهي في تناصها مع نداء الأعماق في البشرية ميتافيزيقيا الحضور. وفي طموح هذا النداء للحرية المطلقة من حس الاستلاب في زمن مثالي سيّال.

وأزياء عبقرية بديعة شهية الوصال لمتلقٍ نضج حسه، فتأمل الدلالة في ألوان المجاز، وواصل الدلال في ظلال المعاني، وارتقت نفسه في سيمياء الجدلية بين شراب القصيدة وألوان الأواني. وما أروع العلاقات الاقترانية بين كلمات تحررت في سياقها من محدودية الإنشائية المعجمية.

وكانت صورها تتمتع بإغراءات الجمالية الحيوية في غموض إبداع الشفافية البريء من إبهام العجز والسخرية وحيث الوزن هيكل القصيدة في سياقها الموسيقى والإيقاع نبضها وهما معاً ذلك الطموح الخفي اللذيذ للرقص المجرّد من أسمال الواقع في علاته والعمر في غفلاته وحيث وعي الوجداني في انزياح الشكلاني.

والموقف الكياني من العالم في تأكيد الهوية في جدلية التيارات الشرقية مع التيارات الغربية في حراك الالتزام بالإنسان حيث كان ومصداقية التجربة الواقعية في احتمالاتها الافتراضية لرؤاها الشعرية.

4) الخيال النبيل هو فاعلية الحدس الفني الذي يحررك من غريزة التملك، وأسر الواقع، ويمتعك بمسرات الروح، ويزج بالمتلقي في صميم الحياة بعد أن كان على رصيف العيش، هو التوازن في نسغ سموّه، والإحساس بالأبدية وهي معنى التاريخ.

ويقظة النفس لوعي العلاقة بين الله والإنسان والعالم، وهذا هو الشعر في مداه الأقصى والأجدى والأحلى والأبقى دون نفي لما قد يسمّى الشعر في إغرائه الأدنى.

كثيراً ما تكون القصيدة غربلة لشوائب القهر في النفس التي تعاني عقدة ما في المجتمع المتخلف، وترى ومضات الجمال في الطبيعة ملجأً عفوياً وتصالحاً مع الذات بذلك المغيب الذي يستقرئ الشاعر حضوره في الطبيعة أو تعيشه في الوجود، أو تكون حساسية تشحن جملها بالتوتر العاطفي الذي لم ينل حقه من الارتواء العاطفي فكانت صورها كصدر الأم وصراخ همومها لوناً من ألوان الاحتجاج. ثم إن من أسباب ذلك فقدان الرؤية الجدلية لصميم الحياة في تفاعل الأضداد المنجزة لظواهرها والمستحدثة لتطويرها ولهفة المستحيل في إشباع حس الارتواء لنفس لا تزال في شوقها الخفي إلى الجنة التي فقدها آدم، فكانت الحياة كابوساً أو حلماً لا تأويل لحقيقته إلا بمفارقة هذا العالم الرمزي أمام العيون المفتوحة والرؤيا الصحيحة. ولا حل لصراعه وسر استمراره إلا بالعود الأبدي إلى تلك النفس في فطرتها التي فطرها الله عليها وعالمها الآخر.

إن وعي المتعة في النص الإنساني هو للنفس ورقيّها، ولا يكون هذا إلا في نص له دلالة، تتميز من غيرها باللغوية والفنية وشفافية التعبير، وهل الإنسان إلا هذا الكائن اللغوي الذي تتناقله الرغبات، وتميزه الأسلوبيات، وترقى به الجماليات، وهو في طموحه التاريخي لليوتبيات، عاش هنيهات في ممالك الشعر، وكأنها الدهر بعد الدهر.

إن جلد الذات وإدانتها، أو الاستعلاء الخيالي على القيم الأخلاقية، أو الحنين العدمي إلى المجهول، أو الارتكاس إلى الماضي المملول شواهد على فصام الشخصية، أو انتكاس التجربة الشعرية أو ضعف الرؤى الواقعية في حسيّ الارتواء وحس الزوال وهما يلتمسان الزمن المفقود والفردوس المنشود في تجربة شخصية لم تع بعد تجربتها الوجودية، وتمارس فيها على الحقيقة حريتها الإنسانية.

وهل الشعر في خير حالاته المقررة إلا انفعالات مصورة، وهل الفن إلا الكشف عن جوانية الإنسان في جدليتها مع العالم الخارجي المقنّع أو المرقّع !

فإذا ارتقى تلمّس الحقيقة في مجازها، والسلبية في جوازها، وهل الإنسان وقد استعاد توازنه، ومارس حريته، وخصّص طبعه، وفجّر نبعه وتحرر من شخصية غريزية خلّبية استهلاكية تسويقية وتأنّق في حسه الإنساني، وكان واحداً في كل احتمالٍ من أزيائه الغوالي ببلاغة عربية في سياقاتها التجديدية المنسجمة مع نماء الشخصية العربية وانبثاق اللغة الخاصة من سياقها الناظم في شفافية الغموض الفاغم وبراءتها من الإبهام القاتم. بين مجال إشراقها العرفاني وسوق استهلاكها الاجتماعي. رغم ما يقال في قيمتها الذاتية وهي في ديناميكيتها النفسية مع أبعادها الثقافية الحضارية والتزامها بأوجاع الإنسانية في صيرورتها التاريخية الحقيقية الخرافية وبين توقها للحرية من نوازعها الاستلابية، فكم يبرر الشاعر حماقاته في اصطلاحاته أو يتزّيا ببطولاته ورمزياته دون أن يعلم أنه يتنفس في عقدة قهرية وإن رهافة الدلالات في معانيها مع خصائصها الانفعالية والذهنية بين الشعورية واللاشعورية والفردية والجمعية والماضوية والمستقبلية، وحدس البصيرة على جدلية النقائض في صيرورتها، مما يمد في العمر مدته القصيرة.

وهي الجمالية الفنية لها معيارها الذي تتزيّا به في علاقاتها الاقترانية ورؤاها الابداعية، ولا تحدها معايير أخرى سابقة عليها في كتاب أو ناقد.

ومن ثنائية الجدلية في القصيدة العربية:

القصيدة (إبداع المبارك) بين المختلف الذي يطلق إسارك والمؤتلف الذي يأسر اختمارك ولا قصيدة إلا وهي في برزخ الأذواق أو في نمطية الإملاق أو تلك التي تغني احتمالات الإبداع في النقد أو القصيدة التي تعاني اعتلالات الفقر والفقد.

- بين تعاطفها مع المعاناة الإنسانية فتبقى وانقماعها في مأثوراتها الفردية، فتفنى

- بين عزاء الخيال في الممكنات وفضاء الوهم في المغريات

- بين متعة الكشف والانعتاق أو الوصف والارتفاق

- بين حدس التركيز في النظر وحس الترجيح في البصر

- بين شخصانية محققة وتهويمات منمقة

- بين إغراءاتها المتتابعة وتلويناتها الفاقعة

- بين اللعب الفائق واللهو الرائق أو محاولات فيهما وتلمّس لهما

- بين الحساسية الفنية والحسابية البيانية

- بين جمال في مجمع الضمائر وزيف في برقع الصغائر

- بين هزّة الحال فيما لا يقال أو لذة الشراب في شتّى السلال

- بين قدرة سياقها على تحولاتها الدلالية في طبيعتها التخيلية أو وقوعها في مطب الإنشائية النمطية التقليدية أو الحداثوية للذاكرة.

- بين الحقيقية الشعرية  في الخيال ولها استقلالها والحقيقة المنطقية في الوقائع استدلالها

- بين نوازع الضرورة وروائع الصيرورة

- بين اليأس المر والتفاؤل الحر

- بين المغامرة والمقامرة

- بين التناص والتلاص

- بين خيال الرومانسية للذات الفردية والتي قد تجنح إلى تجسيد الألوهة وخيال الواقعية للذات الجماعية التي تنجز هويتها التاريخية بكفاحها المؤمن بسنن الله في خلقه.  

- بين خيال ارتباطها بجوهر الحياة وميسها بقشور العيش.

- بين تدليس التنفيس للعجز وحكمة الفاعلية للإرادة التي تنشد الحرية.

- بين شفافية الغموض وإسفاف الإبهام.

- بين وحدة الصور وصدق الانفعال وبين اضطراب الصور وادعاءات الخيال.

- بين إنشائية النمطية التقليدية والنمطية الحداثوية وبين إبداع القصيدة التجديدية التواصلية.

- بين غنى التجربة الشعرية بالثقافة واضمحلالها بالسطحية والركاكة.

(عزف الخاتمة)

الشعر:

توازن الذاكرة والانفعال

على سلّم الخيال

للتحرر من أزمة الحال

إلى فضاءات الجمال

واستيعاب الزمان بومضة

وتجاوز الضرورة بقفزة

وانتصار الصرخة الواعدة

ووصال الطبيعة الناهدة

وخصوبة يأس كان عصيّا

ونعومة قهر كان عتيَّا

وبلاغة نكهة عاميّة

وفصاحة إشارة أميّة

ومسرّة الآلام بزهورها

ومبرّة الأحلام بنذورها

والشعر لا يجاسد الحروف، إلا على نقر الدفوف

ليزف للوجدان .. عرائس الفنان

وإنها القصيدة سيمياء الشخصية في تجربتها الحقيقية الفنية

وكان ... يا ما كان

تتغيّر الأزياء والأدوات والألوان

والإنسان هو الإنسان

هذا .... وللتطبيق بقية، فيما هو حياة تلك الفنية

أو هو ما بين .. بين.

التعليقات

برجاء ملاحظة انه يجب ان تتم مراجعة التعليق قبل السماح بظهوره